في الصور، تبدو جافة كنشيج بلا دموع، مسكونة بألم سرّي، يلمع وسط قتامة عينيها السوداوين وميض مفعم بما يشبه الندم أو التوبة وأصابعها الطويلة تمتدُّ إلى خفاءٍ بعيد لن تبلغه.

أديل هوغو هي الناجية الوحيدة من بين أطفال الشاعر فيكتور هوغو: توفي ليوبولد ولم يتجاوز ثلاثة أشهر، غرقت ليوبولدين في نهر السين وهي في التاسعة عشرة من العمر حاملة طفلاً في أحشائها، أما شارل فأودت به سكتة قلبية، وراح فرنسوا فيكتور ضحية السل، ولم يبق لمؤلف «البؤساء» في آخر أيامه سوى طفلة وحيدة هي أديل. أحياناً يقال إنها لا تشبه بأي شكل الممثلة الساحرة إيزابيل أدجاني التي لعبت دورها في فيلم فرنسوا تروفو «حكاية أديل هـ»، إذ لم تكن توحي بزيف الطهر أو سحر المغامرة، بل يبدو كل ما حولها مستفزاً لأنه يخلو من الإثارة والإغراء، يصفها هنري غيلمين في كتابه «الغارقة» بأنها تشبه حطام سفينة هزمها البحر، كل شيء فيها يتآكل من الصدأ يوماً بعد يوم.
نشأت أديل وسط عائلة باردة، شديدة الصرامة. وفي فترة المراهقة، كانت شاهدة على أب عصابي قادر أن يهب نفسه بشغف لعشيقاته ولكن ليس لعائلته... فشارل مثلاً أوّل الراحلين كان أبوه يشيد بمساهماته الصحافية في الصراعات السياسية والاجتماعية التي كانت محتدمة في فرنسا آنذاك (أواسط القرن التاسع عشر)، لكنه تعمّد أن لا يتحدث عن إسهاماته الفوتوغرافية وعن روايته «خنزير القديس أنطوان»، كما نافسه بشراسة في حب الممثلة آليس أوزي التي ارتبط بها كل منهما في الوقت نفسه. ولأن الأديب غالباً ما يُضحي بالحقيقة لصالح القصة الجيدة، لم تُذكر مثل هذه التفاصيل في كتابه «إبناي»، وهو يوميات عن الحداد الذي يعود دائماً طازجاً كما كان في يومه الأول. ولا ننسى ليوبولدين التي لا يجهل أحد كيف أن موتها التراجيدي قد ألهمه أقسى سطور كتابه «تأملات»: غداً منذ الفجر... في ساعة تبيضّ فيها البراري/ سأذهب.. ألا ترين يقيني بأنكِ في انتظاري/ سأعبر الغابة، سأتسلّق الجبل/ لم أعد أحتمل البعد عنكِ.
مصير عائلة هوغو تغير إلى الأبد بعد استيلاء نابليون الثالث على السلطة عام 1851، وقيامه بإلغاء مكتسبات الثورة الفرنسية وإرساء دستور مضاد للبرلمان، مُمهداً الطريق لعودة الملكية، فما كان من فيكتور هوغو إلا أن اتهمه صراحة بخيانة فرنسا، ليُنفى مع عائلته ويقضي نحو 15 عاماً بين بلجيكا وجزيرة غيرنسي البريطانية قبالة الساحل الفرنسي. وإن كان يُمضي الوقت في تصميم بيته بطريقة قهرية «كقصيدة بعدّة غرف» ويستخدم ضفاف المحيط الأطلسي خلفيةً لكتابة «نابوليون الصغير» و«البؤساء»، لا تحاولوا حتى أن تخمّنوا من كان يتحلّل من الضجر هناك في ألف متر مربع تمتزج فيها تأثيرات الباروك بالزخارف الشرقية. إليكم مساعدة: إنها أديل التي كانت تبلغ من العمر 22 عاماً فقط. سرعان ما تحولت «الفتاة الصغيرة السمينة» إلى امرأة تقاوم اضطراباً ثقيلاً وتخضع للعلاج النفسي، يشجّعها الدكتور تيرير على «لعب البلياردو» و«التغلّب على اشمئزازها من التبغ».
كانت أديل آنذاك قد أعلنت ارتباطها بشاعر شحيح الموهبة غرق شقيقه مع ليوبولدين، لكن خلال إحدى حفلات تحضير الأرواح التي كان فيكتور هوغو مولعاً بتنظيمها، انضم إلى العائلة ضيف جديد يستوفي شروط المهابة القديمة، وهو ألبير بينسون، ملازم في الجيش الملكي البريطاني ومُحاور متمرّس. بلا انتباه لامس إصبعه إصبعها، والتقت أقدامهما تحت الطاولة. وقعت أديل في حبه بجنون، لكنه بدا توّاقاً للابتعاد، ولعله حدَس أنها تنحدر إلى الهلاك حين رأى تلك الصور التي يطير فيها فستانها كساتان الجنازات في مهب الريح.

الخروج عن طاعة النموذج
كما يتصوّر مريض الإيروتومانيا أن هناك شخصاً واقعاً في حبه بصورة سرية، يحاول إظهار إعجابه عن طريق نظرات أو إشارات خاصة، أو من خلال التخاطر أو إرسال رسائل مشفرة عبر الراديو والتلفزيون، كانت أديل تؤمن بأن ألبير بينسون يبادلها الحب والشغف حتى بعد أن سلبَ أموالها لسدّ ديونه ورفض الزواج منها. ولم تتوقف عن مطاردته، لحقته إلى هاليفاكس في كندا وكتبت إليه رسائل هاذية تبدأ بـ«كان باستطاعتنا أن نكون سعداء» وتنتهي بـ«إلى اللقاء في حفل زفافنا أو في جنازتي». لكن النفاذ إلى «الرجل المتجمّد» المعروف بمواقفه الصلبة غير المُهاودة كان يحتاج إلى أكثر من هذا التهديد بالانتحار وأكثر من محاولاتها اللاحقة في تنويمه مغناطيسياً ليوقّع على عقد القران.
اضطراب الإيروتومانيا أو ما يُسمى بمتلازمة دو كليرامبو هو شكل من أشكال الذهان، بدأت هذه التسمية حين لاحظ الطبيب النفسي دو كليرامبو أن العديد من المرضى عانوا من الهوس تجاه الملك جورج الخامس، وكانت إحداهم تقف خارج قصر باكنغهام لساعات معتقدة أن الملك يتواصل معها من خلال حركة الستائر. هذا العالم المليء بالصور والاستيهامات هو ما استثارته شخصية أديل هوغو وما تسلل إلى الكتابات والأفلام الوثائقية التي تناولت حياتها بعد ذلك. ولا شك في أن الأب أسهم بشكل كبير في صياغة هذه الحالة الباتولوجية ومنحِ أديل وجهاً آخر، استناداً إلى ما يتقبّله هو ويعتبره ينتمي إلى دائرة العقل وبين ما يرفضه باعتباره لا عاقلاً ومَرَضياً مثل سُلطة طبية تصنّف وتعالج وتصف أشكال الحراسة والعقاب.
لكن ما هي القرائن التي نمتلكها نحن؟ الصور؟ الصور لا تكذب، ولكنها أيضاً لا تخبر القصة بأكملها، إنها فقط تسجّل الزمن الماضي، الدليل الخارجي. ومن الصعب مثلاً أن نحدّد إذا ما كانت تنام والنوافذ مفتوحة أو تصرخ في الليل، لكن لو بحثنا أكثر في الأرشيف، نجد أن بلزاك كان قد أطلق عليها لقب «الجمال العظيم»، ووقع في غرامها النحات أوجين دولا كروا والعديد من الفنانين. كانت ترسم لوحات زيتية تُوهب عائداتها إلى الجمعيات الخيرية، كما كانت تؤلف موسيقى للحفلات وتلحن قصائد أبيها. لكنها فجأة تجد نفسها في منزل ضائع وسط اللامكان، يقع على حافة جرف يطلّ على محيط، فتغرق في بالوعة الاكتئاب، تنعزل أكثر فأكثر وتجرّ قديمها فقط إلى الطرف المقابل من الغرفة لتعزف برامس وشوبان أمام أمواج البحر المتلاطمة، ويصبح البيانو الصوت الطبيعي للمأساة.
ألم تكن أديل تريد أن تُشفى من الوحدة في ذلك اليوم الشهير من عام 1863، حين هربت إلى كندا متعقبة شبح ألبير بينسون، تاركة ملاحظة لوالدها الذي تمتم في شرود: «إنها تكرهني»، وكأنه لم يستطع تحمل فكرة عدم وجود نبتته المنزلية تحت نظره، ليهتف لها من الصالون : «اذبحي دجاجتين، يا أديل، من فضلك، من أجل السيد فلان الفلاني».
بعد ذلك بفترة قصيرة انتقلت أديل إلى بربادوس في جزر الهند الغربية، حيث تمركز فوج الضابط الإنكليزي وكتبت إليه تُعلمه بموعد لقائهما: «ألبير، يا ملاكي الوسيم، ستتحد بأديل عما قريب، ولن يفصل بيننا لا محيط ولا أي شيء قد يبعدني عنك. أنا هنا أتلظى لفراقك وعلى استعداد للمجيء إليك، أو أن تحدد لي موعداً للانضمام إليك لنعيش معاً». كانت تقيم في فندق متواضع وتعيش على المساعدة التي ترسلها إليها عائلتها، لكنها تتعرض للرفض مرة أخرى فتهيم في الطرقات حافية على أسفلت المدينة الملتهب، ويصلها خبر وفاة والدتها جراء تلف في الدماغ، ليبدأ الحديث عن جنون أديل: في رسالة اختفت بشكل غريب موجهة إلى فيكتور هوغو، يعترف القنصل الفرنسي في بربادوس: «هناك امرأة مجنونة هنا تدّعي أنها ابنتك».

أنا لا شيء بقدر ما أنا جزء منك
أعمق حاجة عند الإنسان هي الحاجة إلى قهر عزلته، والفشل المطلق في تحقيق هذا الهدف يعني الجنون، لأن كرب العزلة الكاملة لا يمكن قهره إلا بمثل هذا الانسحاب المتطرف الذي أقدمت عليه أديل. ألم يواجه الإنسان في كل العصور والثقافات المشكلة عينها؟ كيف يتجاوز حياته الفردية؟ إن هذه المشكلة هي نفسها المشكلة بالنسبة إلى الإنسان البدائي الذي يحيا في الكهوف، وبالنسبة إلى الإنسان الهائم على وجهه الذي يرعى القطعان، وبالنسبة إلى الفلاح في مصر والتاجر الفينيقي والجندي الروماني وكاهن العصور الوسطى والمحارب الياباني والكاتب الحديث والعامل. المشكلة هي نفسها لأنها تنبع من الأساس نفسه: أحوال الوجود الإنساني. وتتنوع الإجابة، يكمُن الحل في عبادة الحيوان الطوطم أو في التضحية الإنسانية أو في الغلبة العسكرية أو في الانغماس في الترف، أو في الانعتاق الصوفي أو في العمل المفرط أو في الخلق الفني أو في حب الله أو في حب الإنسان. تاريخ الدين والفلسفة هو تاريخ هذه الحلول، تاريخ تنوعها وكذلك تاريخ محدوديتها.
كانت أديل تواجه خيارين: إما الركون والامتثال للتجربة المرعبة للوحدة أو رفض الخضوع وإيجاد طريقة للهرب، وإن امتلكت جرأة الهرب، محطّمة بذلك وثن العائلة، إلا أنها اختارت الآلية ذاتها واستبدلته بوثن جديد بجعل نفسها جزءاً لا ينفصل عن شخص آخر هو ألبير بينسون. وكما هو معروف، تتضخم قوة الشخص الذي نخضع له، ومن الكلاسيكي أن يختار الزواج من امرأة أخرى، كاثرين إديث روكسبيرغ في عام 1870 ويترك الجيش.
هل كان هذا كافياً لتبديد الأوهام ولحصر الحب ومحوه؟ لا. فقد كان على عائلة هوغو أن تنتظر عامين آخرين قبل أن تنتهي أديل من تمثيل دور من لا ينتظر ويرسو قارب بخاري في سان نازير في فبراير 1872، لتنزل أخيراً إلى المرفأ الذي لم يكن سوى محطة للسير نحو محطات أخرى ضمن رحلة لا تنتهي. صحيح أنها لم تُلقي بنفسها في الماء مثل أوفيليا التي تخلى عنها هاملت بعنف، لكنها في النهاية انحنت لمحكمة الأب الذي أكد أنها «لم تتعرف على إخوتها»، قبل أن يُبعدها إلى الأبد في «دار رعاية» مخصّصة للنساء، لكن ليس من دون بيانو كي تعزف «المقطوعة الحالمة» لشوبان أمام خليط من الكائنات المتنافرة التي تسهر عليها عيون الحرس والجلّادين.
الحجز وهو اختراع من اختراعات العصر الكلاسيكي العجيبة، أداة قمع مُثلى تقوم بكل شيء عدا العلاج، وتبتلع كل الذين يوجدون على جنبات خط رفيع لا يُرى رسمته المصالح الخاصة والعامة: مصلحة العائلة، مصلحة المجتمع إلخ... الحجز هو الإجابة لما يخرج عن طاعة النموذج الذي صاغته القوى الاجتماعية ضد المستحيل والمستعصي وما لا يمكن إدراكه.

داخل الجنون يقوم التوازن
قد تكون كلمة «ضياع» غير ملائمة من أجل التعيين الدقيق لمصير رسائل أديل، فمن بين 100 رسالة، تم العثور على 7 رسائل فقط. ولا شيء عن مغادرتها هاليفاكس والاستقرار في جزر الهند الغربية. ومع ذلك، كانت تكتب بانتظام خلال تلك الفترة كما يتضح من النصوص التي تركها شقيقها فرنسوا فيكتور. ومن المثير للشكوك، في عائلة تسعى جاهدة للحفاظ على أي مسودة متبادلة و«أرشفتها للأجيال القادمة»، أن يتم «تدمير» الرسائل التي كتبتها أديل بعد رحلتها بشكل ممنهج، إضافة إلى التقارير الطبية التي تشهد على تطورات حالتها خلال فترات الحجز المتتالية. جميعها اختفت، توارت من الذاكرة.
مثل ديكارت الذي صنّف الجنون ضمن رحلة الشك عنده إلى جانب الحلم وكل أنواع الخطأ، رأى فيكتور هوغو في هروب ابنته طوعاً من قبضته دليلاً على "اضطراب العقل المطلق". لكن من أين استمدت هذه القدرة على اللعب والمخاطرة وخططت لرحلة من هاليفاكس إلى بربادوس من دون أن تسهو عن التفاصيل الصغيرة التي تُثقل كل مجنون، بل كل عاقل، كدفع رسوم البريد والفندق وغيرهما من الأحداث الصغيرة والحوادث والعقبات؟
إن الصدام بين الوعي النقدي لفيكتور هوغو والتجربة التراجيدية لأديل هو الجنون عينه، وفي الواقع، كانت تعيش حياة غير مبالية في جزر الهند الغربية، رسائلها التي خطتها، بين نزهات الأحد ولعب الورق، لشقيقها فرنسوا فيكتور تشهد على ذلك: تُعْلمه أنها بخير، والمناخ ممتع، وتنتظر بفارغ الصبر طرود الملابس التي تتلقاها، تخاطب أمها بانتظام وتلح عليها لزيارتها، وأحياناً تتمنى لو تلقي عليها نظرة لترى كم تبدو جميلة في هذا الفستان أو ذاك. لكن فيكتور هوغو قال ما لديه، ووضع لعائلته شرطاً أساسياً لرؤية أديل، وهو عودتها إلى البيت.
أما ألبير بينسون المعشوق المرصود دائماً للهجرة والهرب، فيبدو أنه الوحيد الذي لم ينتبه إلى ريح الجنون التي طوحت بأديل دفعة واحدة، بل حرص بسادية على إشعارها بأنها محتضَنة ومطلوبة ومدللة، واحتفظ بها على هامش المجاملات التي تعج بها رسائله الطويلة إليها "كيف حالكِ يا صغيرتي؟ هل يؤذيك مناخ الجزر؟".
إنها هبات المَلِك؛ الرغبة في الإغاثة والحاجة إلى القمع. ولعلّ السادي هو تابعٌ أيضاً، معتمِدٌ على الشخص الخاضع له، كل منهما لا يستطيع أن يحيا بدون الآخر.
هذه حكاية أخرى عن امرأة أرادت أن تتزوج «زوجته.. أنا! يا إلهي الذي خلقتني لو وهبتني هذا الهناء». حلم الاتحاد هو الحب الذي خاب جراء اندفاعه الشديد، وبطولة المُلاحقة اللامعقولة. يقول فوكو «الحب المجنون هو حب أكثر مما هو جنون، لقد تُرك وحيداً فتابع سيره داخل فراغ الهذيان». في 21 أبريل 1915، توفيت أديل عن عمر ناهز 85 عاماً (أمضت من بينها 43 في الحجز). تزامن ذلك مع استخدام الجيش الألماني الغاز الكيميائي لأول مرة في تاريخ الحروب، حوالى 150 طناً من غاز الكلورين هبطت على مدينة إيبرس على حدود بلجيكا مع فرنسا، لتبتلع الظلال اسم أديل هوغو بكل ما يحمله من مذلة وإهانات وفقدان تام للفهم، ولتسكُنَ أخيراً هذه المرأة التي لم ينقطع دورانها حول جرحٍ خفي ينتشرُ ببطء... لا ينزفُ ولا يلـتـئـم.

* موسكو/ تونس