تصدّرت مجموعة «مسيح باب زويلة» (دار العين – القاهرة) القائمة القصيرة لـ «جائزة ساويرس» المصرية في دورتها لعام 2019. المجموعة هي الثالثة للقاصّ السكندري مصطفى زكي، الذي درس الفلسفة وحاز «جائزة ساويرس» سابقاً عن مجموعته «تأكل الطير من رأسه».

يُصدر زكي مجموعته الحالية بمقولتين لإريك فوتورينو والبرتو مانغويل، تدوران حول الحلم والعالم الآخر الذي تحدث فيه الأشياء. قد يكون هذا العالم في رأس الكاتب أو في إمكانات متعددة وحيوات مختلفة لأحداث القصص.
يبدو أن زكي مهتم ومشغول بهذه الاحتمالات والعوالم الموازية للأشخاص. فهو يطرح سؤال «ماذا لو؟»، لكنه لا يهتم بالإجابات، سائراً بفكرة أن الفن أساسه طرح السؤال، استكشافه لا كشفه، في لعبة يُترك فيها للقارئ فراغ من النص يملؤه كما يريد. هذا النقص الذي ينطلق من الذات لا يسعى إلى التأثير بقدر ما يسعى إلى اكتشاف الذات داخل العالم، وهو يبدو في المجموعة كبيراً جداً إلى درجة يصعب فهمه. ورغم هذا الغموض المجهول الذي يُشعرنا بمسكنة الأشخاص واتساع القدر وسلطته، جاء السرد في عالم مغلق، أبطاله محدودون، ينتظرون قوة أكبر هي المتحكم بمصائرهم. تكمن قوة المجموعة في هذا التناقض، انغلاق العالم واتساع المجهول في الوقت نفسه، إلى جانب التطرف في الإمكانات اللامنطقية للأحداث.


خلال مناقشة المجموعة القصصية في مقر «دار العين» في القاهرة، ذهب الحديث إلى فكرة الرمز الأنثوي وما إذا كانت المرأة دائماً عنصراً متلقياً في كتابات الرجال. هل ينبع الرمز بشكله التقليدي في الأدب من صوت ذكوري؟ تطرح هذه الإشكاليات بقوة حالياً في النقاش الأدبي المصري، ومن حين إلى آخر يتم الحديث عن الكتابة النسوية أو الذكورية على الملأ، وفي الغالب تتم هذه المناقشات في دوائر مغلقة.
في قصته «ما جرى في ليلة مقمرة»، سيتعيّن على الأمهات النوم مع أبنائهن لإعادة تشكيل العالم المستقر منذ زمن. دار النقاش حول أن الرمز هنا مجحف للنساء باعتبارهن متلقيات دائماً لرغبات الرجال. من جانب آخر، كان الرأي الآخر بأن النظرة الرجولية قد ترى أن المرأة هي أصل الأشياء باعتبارها خالقاً للحياة.
لكن بنظرة متعمّقة في قصص المجموعة، يبدو زكي غير منشغل بهذه الأسئلة أو هذا التفريق، فشخوص عوالمه ـــ رجالاً ونساءً ــــ يتشاركون عدم القدرة على فعل شيء تجاه هذه القوة الكبيرة للمصير والمجتمع والسلطة، كما يحدث في لحظة التفكيك الكبيرة في مجتمعاتنا حيث يتشارك الأفراد الأعباء و القهر وعدم القدرة على ردّ الفعل. ينطلق زكي من الذات التي تمسّ الإنسان ككل، لاجئاً إلى الحياد تجاه النوع، محاولاً الحياد أيضاً تجاه الوصف، متخلياً عن الدرامية. يستخدم في ذلك لغة رشيقة وقصيرة ومتوترة تنبئ طوال الوقت بانتظار شيء سيحدث، ثم تنتهي بفناء ومصير قاتم لكنه يأتي بسلالة وهدوء.
لغة رشيقة وقصيرة ومتوترة تنبئ طوال الوقت بانتظار شيء


على غلاف المجموعة الخلفي، تصدّرت جملة «يواصل مصطفى زكي خلق عالمه الفني الخاص، إلا أنه هذه المرة يدفع بالتوتر والخوف والغموض إلى الحدود القصوى خالقاً ما يمكن تسميته رعب الواقع. يقوم جوهر هذا الرعب على محاولة التعبير عن وجودنا الإنساني المهدد على الدوام. وتنطلق قصص المجموعة من محاولة فهم القوى المهدّدة للشرط الإنساني، والتعبير عن المصير المأساوي للفرد في واقعنا المعاصر».
تتحول كل التفاصيل البسيطة العادية التي يتعرض لها الأفراد إلى مصادر لخلق الخوف والهلع أو تحطيم الحياة رأساً على عقب. يمكن لجرس باب أن يحيل حياة رجل إلى جحيم، وتذكرة قطار أن تفرق بين حبيبين، أو فانيلة تدفع البطل إلى الجنون. وقد تكمن عاطفية الحكايات في هذه التفاصيل الصغيرة التي يحيط بها المرء حياته اليومية وتصبح هي مصدر تهديده. هذه العاطفية لافتة بمعناها الجيد كأنها تلعب بموسيقى خلفية لأشد المشاعر الإنسانية رعباً وبؤساً.
تظهر السلطة بالتأكيد بشكلها المجرد في المجموعة. هي سلطة الموت أولاً الذي يزيل كل شيء في نهاية كل قصة. سلطة أمنية وهاجس بالمراقبة والتحكم لا فكاك منه. سلطة دينية تتجلّى في الشيخ الذي لا يهرم ويمتلك القوى الخارقة ليكون أباً لكل أبناء القرية، ويسعى إلى تشكيل عوالم جديدة، وطبعاً سلطة سياسية تتجلى في قصة «مسيح باب زويلة» حيث «مُخفَى الاسم» الذي يتحدى السلطان، فيتم محو اسمه من الذاكرة الجمعية، ويعدم على باب زويلة ثم يبعث من جديد لنشر لعنته على الجميع. هذه الرمزية في الأدب، تطرح أسئلة حول ما يمر به المجتمع اليوم، وعلاقة الفرد الشائكة والإشكالية مع الكل، على رأسها السلطة.