مئات الدراسات والأبحاث والسجالات لم تتمكّن من فكّ الاشتباك بين العلمانية والإلحاد. فالأمر بالنسبة لشريحة عريضة من البشر يشكّل خطراً دينياً لا يمكن تجاهله، فيما قوبلت أطروحات العلمانيين عن معنى العلمانية بالريبة والرفض غالباً، وقد لاذ الشارع العمومي باكراً بفتاوى رجال الدين لاعنين هذه الكلمة «الشيطانية» التي تشعل النيران في مواقد طمأنينتهم العقائدية، فاجتنبوها ونبذوها بعيداً. من جهته يرصد الباحث الفرنسي هنري بينا رويز (1947) في كتابه «ما العلمانية؟» (الهيئة العامة السورية للكتاب، ترجمة محمد عرب صاصيلا) تاريخية هذا المصطلح والعثرات التي واجهها والتلاعب بمصيره مأسوراً بحمّى الهويات الحصرية.

هنا محاولة لترميم صورة العلمانية كما هي بلا رتوش، فالمثل الأعلى العلماني بالنسبة لهذا الباحث، لا يدخل إطلاقاً في تناقض مع الأديان، وإنما مع إرادة النفوذ التي تميّز انحرافها الكهنوتي وتحوّلها السياسي والاجتماعي إلى تبشير ديني، وتالياً فإنّ العودة إلى العلمانية تستدعي استئصال كلّ تفضيل ديني من الدائرة العامة، تضمن للأديان حرية ومساوة حقيقية. ويستدرك قائلاً: «مثل هذا الاستئصال لا يعني، بالطبع، أن العقائد والأديان لن تستطيع ممارسة أي تأثير على مفهوم القوانين المشتركة. لكنها لن تستطيع، قانوناً، من الآن فصاعداً، فعل ذلك إلا من خلال تعبير حرّ يشارك في الجدل العام، ويخاطب الضمائر الفردية مع احترام حريتها واستقلالها في الرأي».


بمعنى آخر، فإنّ السلطات الدينية، في بلد علماني، لن تكون قوى فاعلة مُعترفاً بها، وإنما هي أقطاب روحية لكلّ مواطن حرية الاعتراف أو عدم الاعتراف بها كسلطات. ويرى أن العلمنة لا تقوم بأيّ نقل لما هو مقدّس، ولا تُنشئ أيّ دين دنيوي، وإنما هي تعيد، في آنٍ واحد، تعريف غايات السلطة السياسية وأشكالها، ووضع الخيار الديني الذي يُعاد توجيهه إلى بعده كمسعى روحي حرّ. ذلك أن العلمانية ليست مجرّد فصل، أو مجرد حياد ديني، وإنما تأسيس حرية جماعية وفردية خالية من الوصاية ومن مجموعات الضغط. حرية تتعالى على نزعات الخصوصية، وتنسف، من ناحية أخرى سجلّات التواطؤ بين الشأن الديني والشأن السياسي، وإلا ستكون حالة الحرب، والاضطهاد المتبادل بين الطوائف الدينية، والتمييز الخفي، أمراً لا بدّ منه غالباً. فالصراع بين «العرش والمذبح» هو تاريخ حرب تفترض وجود عداء بلا جدوى، بقدر ما هو تاريخ صراع على أساس تواطؤ. وعليه فإنّ الانقطاع المؤسّس لوضع جديد يكمن في إعادة الشأن السياسي والشأن الديني إلى استقلالهما المتبادل، وفي تحرير كلّ منهما من الآخر. لكن ما مرجعية كلمة علمانية؟ يجيب: «العلمانية مبدأ حق سياسي، وهي تعطي مثلاً أعلى عمومياً لتنظيم الدولة، وجهازاً قانونياً يتأسس عليه ويحقّقه في الوقت نفسه. وتفهم العلمانية كوحدة تتأسس على ثلاثة متطلبات لا يمكن الفصل بينها: حرية الضمير، المساواة، والتطلع إلى المصلحة العامة».
في المحصّلة، فإن العلمانية تستبعد كل امتياز ممنوح للدين، أو للإلحاد، وهذا الامتناع، أو الحياد، يضع الدولة، كجماعة قانونية لمواطنين، خارج كلّ تأثير ديني. هناك أيضاً خطر الطوائف كحجّة مضادة للعلمانية. ينبّه هنري بينا رويز إلى أن الدولة العلمانية ليست حَكَماً بين معتقدات، وليس عليها، إذاً، القبول بالتموضع في الميدان الذي تريد الطوائف جرّها إليه بوصفها الجهة التي تمنح السعادة بسعرٍ زهيد، بسعيها إلى استعباد البشر بوصفات وحلول جاهزة كتكريس مسألة الحجاب وفقاً للتفسير الإسلامي الأصولي، ليس بوصفها هوية ذاتية، وإنما توصية شرعية غير قابلة للعزل. هكذا تتكشف مسألة العلمانية في الأمس واليوم عن مصطلح جدلي موضع اتهام، ما قاد بعضهم إلى اختراع مفاهيم ملتبسة لهذا المصطلح عن طريق إلحاقه بصفات أخرى مراوغة مثل «العلمانية المنفتحة»، موحياً بأن العلمانية بلا صفة زائدة ستكون منغلقة! لعلّ هذا الحنين إلى النفوذ الكهنوتي إجابة مضمرة على أسباب البؤس الجديد للعالم الذي ارتبط بالعلمانية المتّهمة بتدمير المعالم الأخلاقية التقليدية، وإخضاع المجتمعات لأهوال سيطرة العلم والتقانة، وهو تشخيص مُغرض كالتشخيص الذي يقول بأن «عقلانية عصر الأنوار قادت إلى المحرقة». من جهة أخرى، تواجه الدولة العلمانية معضلات طارئة أتت بتأثير الهجرة وصعوبة الدمج نظراً لغموض مفهوم الحقوق الثقافية أو مفهوم الحق في الاختلاف «لا يعني استقبال البشر تكديسهم فوق بعضهم بعضاً في أحياء مغلقة، وإنما يعني جعلهم يشاركون في عالم مشترك، فالجمهورية العلمانية تشكّل الإطار الملائم لأرض الملاذ» يقول.
تلاعب بمصير العلمانية في ظلّ هيمنة العولمة الرأسمالية والمنطق الإمبريالي

هذه الفسيفساء البشرية المكدسة خلقت نزاعات مأساوية بسبب عدم التمييز بين التراث الثقافي والعلاقات السلطوية والقواعد المعيارية المرتبطة بها، بالإضافة إلى «سوء الفهم حول الهوية الجماعية» في ما يخص الحجاب أو الختان مثلاً، سواء لجهة الرفض أو الإكراه بذريعة الدفاع عن الهوية الثقافية لهذه الجماعة أو تلك. وإذا بمفهوم الهوية الجماعية يتأسس كتأكيد حصري متبلور في وهم سياسي. في مثل هذا المنظور، يؤكد هنري بينا رويز، بأن العلمانية تحدّد الإطار الأكثر ملاءمة لتلقي الاختلافات الثقافية من دون التسليم بأيّ شيء لسلطات السيطرة وللولاءات التي تدّعي أنها تستند إليها، كما لا يمكن الخلط بين الاقتلاع من الجذور، المؤلم دائماً حينما يعني الانتقال من أفق معيّن إلى أفق آخر غريب عنه، واضطهاد ثقافةٍ ثقافةً أخرى، إلا عبر تعميم ومزج قليلي الحصافة. ويخلص الباحث إلى أن هناك تلاعباً بمصير العلمانية في ظلّ هيمنة العولمة الرأسمالية والمنطق الإمبريالي الذي يخفي فظاظته تحت لغة منمّقة عديمة الطعم تتحدث عن حقوق الإنسان، وتجهر بعقيدة أخلاقية تنطوي في العمق على انحرافات تجتاح العالم «في العالم العربي الإسلامي، حلّت الأسلمة من تحت محلّ الأسلمة من فوق، حين فشلت هذه الأخيرة. ومن مظاهر التقهقر الأخرى التي جرّتها معها العودة العنيفة للأديان المتعطشة للسيطرة على القانون والدول، تراجع تحرّر المرأة كنتيجة لنمو نزعات التعصب الديني في الميدان السياسي». ويتوقف الباحث أخيراً، عند عناوين شائكة مثل «الهوية، أفيون الشعوب المجروحة»، و«من حرب الآلهة إلى الحرية الروحية»، و«من الدين المدني إلى حس المواطنية العقلاني».