لا يعرف العالم المحكوم بالأمركة الروائيّة يوكو أوغاوا (1962) كثيراً. لكنها في اليابان أشهر من نار على علم. فازت أعمالها بداية من نصّها الأول «تحطيم الفراشة» (1988) ثم أكثر من أربعين عملاً تالياً بكلّ جائزة أدبيّة ممكنة في بلاد الشمس المشرقة رغم أنّها ربّة منزل فخورة، تطهو الطعام لزوجها، واعتنت بابنها عندما كان صغيراً وتابعت دروسه كما يليق بسيدة يابانيّة تقليديّة. تقول في مقابلة صحافيّة إنها كانت تكتب جملة أو اثنتين أثناء ممارسة نشاطاتها اليوميّة. «أضع الطعام على النار، ثم أكتب، وأغيّر الحفاظات لابني ثم أكتب. وأتسوّق حاجات المنزل ثم أكتب. لم أستهدف أن أكون روائيّة، كل ما في الأمر أنّي أسترق النّظر إلى العالم، وأدوّن ملاحظاتي».



روايتها الخامسة «بوليس الذاكرة» المترجمة أخيراً إلى الإنكليزية ترشحت هذا العام لأهم جائزة في الولايات المتحدة، كتبتها في بداية التسعينيات. لكنّ مترجمها قرّر أن موضوعها حدثيّ بامتياز في ظلّ صعود الفاشيّات الجديدة وتغوّل النخب الحاكمة. وبالفعل، فقد وصفها بعضهم بأنها «ديستوبيا أورويليّة» و«1984 جديدة تليق بعالمنا المعاصر». وللحقيقة، فإن نصّ أوغاوا الديستوبي المحض هذا، بكل تشاؤمه وتوتره اللّحظيّ وثيماته السياسيّة الشاهقة، ينساب كما دفق ماء صافٍ في حديقة أزهار يابانيّة مشذّبة، حاملاً في طيات رقته رؤى عميقة عن الفنّ والحبّ والخسارات المتراكمة والذاكرة والمقاومة والوفاء وتناثر أيّام العمر كما الهباء. مع أنّ النصّ لا يحمل إطلاقاً نبرة سياسيّة فجّة أو خطاباً صريحاً في هجاء القمع، بل يفرض فيه البوليس سطوته الحاسمة بمنتهى التّهذيب والرقيّ، فإن كلّ كلمة فيه تقطر بالنقد السياسيّ البليغ، فينحاز للنّاس في مواجهة السّلطة، ويثمّن دفء التّضامن بين البشر في مواجهة القسوة والخوف والخيانات، ويحتفل بالأشياء اليوميّة والصغيرة والاعتيادية في الحياة. ويتقاطع السرّد مراوحاً بين نصين روائيين متوازيين كما كتاب في كتاب، من دون أن تقف الكاتبة على منبر الوعظ والإرشاد ولو لبرهة. أوغاوا تقترف ذلك كله، بخفة سيف فولاذيّ موّهته بالحرير، فقطعت به، بثبات يمين ساموراي خبير، فضاء هائلاً من تراكم مستويات السرد واللغة والمعنى في أقلّ من 300 صفحة. مذهل. تحكي الرّواية بلسان روائية مجهولة عن يوميّات العيش في جزيرة بدأت تتلاشى منها الأشياء المادية شيئاً فشيئاً. العصافير، وأربطة الشعر، وأحجار الإميرالد، وحلوى الأطفال، والقبعات، والهارمونيكا، وأجهزة التسجيل، وطوابع البريد، والعطور، والبازلاء، وتذاكر صعود القطارات، والرّوايات المطبوعة. السّلطة مرمَّزاً إليها ببوليس الذاكرة، تقرّر بدون مقدمات أنّه حان الوقت للتخلص من شيء ما، فيخضع الناس ويتخلّصون من ذلك الشيء في يوم واحد تحت طائلة الاختفاء وراء الشمس إذا عثر عليه معهم لاحقاً أو ذكروه في أحاديثهم. هكذا تضمحل أشياء هذا العالم من ذاكرة الأفراد والأجيال رويداً رويداً، وتفقد الأسماء معناها وتصدأ الكلمات ويختفي الأشخاص بالموت أو بالتغييب، لدرجة أن الرّوائيّة المجهولة بطلة الرواية ــ ورغم قرارها بالاستمرار بالكتابة سراً تحت رعب الانكشاف اليومي ــ صارت تعاني من عجز تام عن التعبير، ولم تعد تطاوعها اللّغة، فيما فقدت الروائيّة الأخرى في النص الموازي صوتها، وبدأت آلتها الكاتبة التي طالما استعانت بها للتواصل مع الآخرين، بفقدان الأحرف واحداً تلو الآخر لتقادمها، من دون أن تمتلك طريقة لإصلاحها بعدما احتُجزت ـ من قبل عشيقها ـــ في برج مهجور.
«بوليس الذاكرة» كُتبت قبل ثلاثين عاماً. وربّما كانت صياغة أوغاويّة ـ إن جازت التسميّة ــ لتجربة اليابانيين المريرة تحت الهيمنة الأميركيّة عندما كانت أجزاء مهمّة من ذاكرة الناس قبل الحرب (العالميّة) مناطق عسكريّة مغلقة يُحظر الدخول إليها. لكنّك عندما تقرأها اليوم، تجدها طازجة ونابضة بالحياة والمشاعر والمعاني كأنها كتبت بالأمس فقط، وعن عالمك اليوم - الآن - هنا. أليست هذه شيمة الأدب الخالد؟