‎في كل نصّ حديث يتناول تاريخ الأديان، سيطالعنا اسم مرسيا إلياد الروماني (1907 ــــــ 1986) المؤرّخ والفيلسوف والخبير في تاريخ الأفكار والمعتقدات الدينية والأساطير. كان مرسيا إلياد ثالث ثلاثة رومانيين أغنوا الثقافة الفرنسية بشكل مذهل واستطاعوا أن يحملوا معهم شعلة الإبداع والخلق من بلادهم رومانيا التي «في لحمها تسيل بيزنطة وتتسكع مرة في أوروبا ومرة في الشرق» كما يقول شاعرها مرسيا دينسكو: تريستان تزارا في الشعر، وإميل سيوران في الفلسفة، ومرسيا إلياد في تاريخ الأديان. الخيمياء كانت أيضاً في صلب اهتمامات إلياد الذي لم يكن يعتبرها أصلاً خرافياً للكيمياء ساد العصور الوسطى، لكن ظاهرة تسمح لنا بتفسير الأديان والمعتقدات كظواهر ثقافية إيجابية وجديرة بالاهتمام، ملاحقاً جذورها في المجتمعات القديمة حيث كانت النباتات والأحجار والمعادن تتّخذ طابعاً مقدساً وتنمو الخامات المعدنية مثل الأجنّة في رحم الأرض الأم. منقّباً في الأساطير الأفريقية والصينية واليونانية والهندية، يعتبر مرسيا إلياد أنّ تجربة المقدس تجربة كونية ومؤسِّسة للنوع البشري: يباغتنا صاحب «تاريخ الأفكار الدينية» (1949) و«المقدس والعادي» (1965) و«مظاهر الأسطورة» (1963) باستشهادات من أعلام الثقافة العربية والإسلامية مثل ابن وحشية النبطي وابن سينا وابن الرومي في وصفه للسيف «العضب» في كتابه «حدَادون وخيميائيون» الذي سيبصر النور قريباً في ترجمة لـ «دار الرافدين» (بيروت).



‎حين نتكلم عن «جنسنة» العالم النباتي، يجب الاتّفاق على معنى المصطلَح: لا يتعلّق الأمر بالظواهر الحقيقية لتخصيب النباتات، ولكن بتصنيف بنيوي «نوعي»، هو تعبير عن تجربة من التعاطف الصوفي مع العالم. إنها فكرة الحياة، التي حين توجَّه للكون، فإنها تجنسنه. إنها ليست مسألة مشاهدات صحيحة، «موضوعية»، «علمية»، ولكن تقييم للعالم المحيط بمصطلحات الحياة، إذن بمصطلحات المصير الأنثروبولوجي الكوني، الذي يتضمن الجنسانية، الخصوبة، الموت والبعث. ليس أن البشر في المجتمعات القديمة كانوا عاجزين عن مشاهدة حياة النباتات «بموضوعية». الدليل هو اكتشاف التخصيب الاصطناعي وتطعيم النخل والتين في بلاد الرافدين، وهي عمليات معروفة منذ القِدم، لأننا سنعثر في شريعة حمورابي على مقطعَين على الأقل يشرّعان حول هذه النقطة. هذه المعارف العملية انتقلت لاحقاً إلى العبرانيين والعرب. التخصيب الاصطناعي للأشجار المثمرة لم يكن مصمّماً كتقنية للبستنة، لكن فعالية التخصيب كانت تتبدى كقيمة بذاتها: لقد مثّلت شعيرة معيّنة، وبفعل أنها تضمنت التخصيب النباتي، كانت العملية تتضمن المشاركة الجنسية للبشر بشكل موازٍ. الممارسات المتهتكة المرتبطة بالخصوبة الأرضية وخاصة بالزراعة، سنجدها مؤكدة بوفرة في تاريخ الأديان.
‎سنكتفي بمثال واحد، يتعلّق تحديداً بتطعيم الليمون والحمضيات، من أجل ترسيم الطابع الشعائري لهذه العملية. نقل لنا ابن وحشية النبطي في مؤلَّف «الفِلاحة النبطية» تقاليد الفلّاحين في بلاد الرافدين وفارس ومصر. رغم أن المؤّلف قد ضاع، فإن النُتف التي احتفظ بها ابن ميمون خاصة تمكّننا من الحكم حول «الشعوذات» المحيطة بتخصيب الأشجار المثمرة في الشرق الأوسط. يشرح لنا ابن ميمون حول التحريم، عند اليهود، لاستعمال حمضيات الأشجار المطعمة، ضمن هاجس تجنّب الممارسات التهتكية عند الشعوب المجاورة. ممارسات لا بدّ من أن ترافق عمليات التطعيم. ابن وحشية لم يكن الكاتب الشرقي الوحيد الذي انساق خلف هذه التصاوير- تكلّم حتّى عن التطعيم الخرافي و«الخارق للطبيعة» بين مختلف الفصائل النباتية (يخبرنا مثلاً، أنه بتطعيم غصن من شجر الحامض على شجرة الغار أو الزيتون، يمكننا إنتاج الحامض بأحجام صغيرة، مثل ثمر الزيتون). لكنه يخبرنا أن التطعيم لا ينجح إلا إذا تمّ بصورة شعائرية في فترة من القران بين الشمس والقمر. يشرح ابن وحشية بالتالي حول هذه الشعيرة: «قالوا من عزم على ذلك فليعمد إلى جارية حسناء يختارها بارعة الجمال، فيأخد بيدها ويقيمها على أصل الشجرة التي قد عزم أن يركب الغصن عليها، فيشق في الشجرة للغصن ثم يكشف ثياب الجارية عنها ويكشف ثيابه ثم يضع الغصن في موضعه وهو يجامع الجارية من قيام، ويركب الغصن في وقت الجماع سواء على تلك الشجرة». المعنى جليّ: من أجل تأمين اتحاد «خارق للطبيعة» في العالم النباتي، لا بدّ من اتّحاد جنسي بشري خارق للطبيعة.
‎إنه إذن نوع من التمثّل العام للحقيقة الكونية المنظور إليها كحياة، وبالتالي كحقيقة مجنسنة، فالجنسانية كانت رمزاً استثنائياً لكلّ حقيقة إنسانية. انطلاقاً من مستوى ثقافي معيّن، العالم بأسره، بما فيه العالم «الطبيعي» أو ذلك الذي يشتمل على الأدوات والأشياء التي قد صنعها الإنسان، يتمثل في الواقع كعالَم مُجَنسَن. الأمثلة التي ستلي تعمَّدنا اختيارَها من أوساط ثقافية مختلفة للدلالة على انتشار ودوام هذه التمثلات. قوم الكيتارا الأفارقة قسّموا الخامات ما بين ذكرٍ وأنثى: الفصيلة الذكرية، قاسية وسوداء، توجد فوق سطح الأرض. الخامات المؤنثة، رخوة وحمراء، تُشتَقّ من داخل المنجَم. اختلاط «الجنسين» هو أمر ضروري من أجل تأمين انصهار مثمر. يتعلّق الأمر، من دون شك، بتصنيف عشوائي موضوعياً، لأنّ لا ألوان الخامات أو قساوتها تتوافق دائماً مع مؤهلاتها «الجنسانية». لكن الرؤية العامة للواقع هي التي كانت تهم، لأنها تبرر الطقس الشعائري، معرفة «تزاوج المعادن»، وهذه المعرفة تجعل «ولادةً» ما معقولة. أفكار مماثلة سيتم توكيدها في الصين القديمة: «يو» العظيم، السبّاك الأوّل، كان يتقن تمييز المعادن المذكّرة من المؤنّثة. لأجل هذا، كان يصمم أفرانه وفق مبدأي الين واليانغ الكونيّين.
‎إلى جانب المعادن والخامات، فإن الصخور والأحجار الكريمة قد تمّت جنسنتها بشكلٍ متوازٍ. لقد قسّمها سكان وادي الرافدين إلى «مذكّرة» و«مؤنّثة» بحسب أشكالها، ألوانها ولمعانها. يخبرنا نص أشوري تمّت ترجمته بواسطة بوزون عن «حجر موزا» ذي الشكل المذكّر وعن حجر النحاس ذي الشكل المؤنّث. يحدّد بوزون أن الأحجار المذكّرة تمتلك ألواناً أكثر حيوية. الأحجار المؤنّثة كانت أكثر شحوباً (اليوم أيضاً، يميّز الصاغة بين أجناس الماس بحسب لمعانها). سنلتقي بالتقسيم ذاته يطال الأملاح والخامات منذ حقبة الأدب الشعائري البابلي لتتم المحافظة على هذا التقسيم في الصُحُف الطبيّة. العارف والصوفي العربي ابن سينا (٩٨٠ـ-١٠٣٧م) يؤكد أن «العشق‌ لا يختصّ بالإنسان‌ وحده‌، بل‌ بجميع‌ الكائنات‌، من‌ الفلكيّات‌ والعناصر، والموالید الثلاثة‌ (المعادن‌ والنباتات‌ والحيوانات‌) مجبولة‌ عليه‌ بالفطرة‌، وهي‌ منقوشة‌ في‌ ذاتها وماهيّتها». كما أن معناه لا يمكن سبره أو اكتناهه، وإنه ليغدو أكثر التباساً بفعل كل التفسيرات التي تُعطى له». إن مفهوم «العشق» المطبّق على المعادن يكمل بشكل رائع «الإحياء» المعطى لها بواسطة أفكار الجنسانية والزواج. الأدوات هي الأخرى تمّت جنسنتها. «خير ما استعصمت به الكف عضبٌ ذكرٌ حدُّه، أنيث المهزِّ»، يهتف الشاعر العربي ابن الرومي، ولقد سمّى العرب كذلك الحديد الصلب «ذكَراً» والحديد الرخو «أنثى».
‎حين ينزل الماء من السماء بغزارة، كان قوم الداياك في جزر الهند يعرفون أنه ماء «مذَكَّر». أما بالنسبة للمياه الكونية، فإن كتاب اينوخ يقسّمها كالتالي: «المياه العليا تؤدّي دور الرجل؛ المياه السفلى تؤدّي دور الأنثى». إنّ بئراً مغذاة بينبوع تمثّل الاتّحاد بين الذكر والأنثى (كتاب الزوهار).
‎الرمزية الجنسية والتناسلية النسائية الأكثر شفافية سنجدها في صُوُر الأرض-الأم. يهمّنا خاصة أن نضيء على المعتقدات المتعلّقة بالولادة التناسلية للمعادن، وبالتالي المقابلة بين الكهوف والمناجم وبين رحم الأرض - الأم. الأنهار المقدسة في بلاد الرافدين كان يفترض بمنابعها أن تنبثق من العضو التناسلي للآلهة الكبرى. العين التي تغذي الأنهار كانت تعتبر بمثابة «فَرج» الأرض. في اللغة البابلية، مصطلح بو، كان يعني في الوقت ذاته «عين النهر» و«الفَرْج»... في العبرية، كلمة «بئر» تُستعمل مع معنى «المرأة» أو «الزوجة». لنذكّر أيضاً أن الكهوف والمغاور كانت تشبّه برحِم الأرض-الأم. الدور الشعائري للكهوف، المؤكّد منذ ما قبل التاريخ، يمكن أن يفسّر بشكل موازٍ على أنه عودة روحانية إلى «الأم»، وهو ما يفسّر جيداً المدافن المحفورة داخل الكهوف والتي كانت تفتعلها الطقوس البدائية في قلب هذه الأماكن.
‎إذا كانت العيون، والمناجم والكهوف تتم مقارنتها برحم الأرض-الأم، فإن كلّ ما يضطجع في «بطن» الأرض هو حيّ في مرحلة الحَمل. الخامات المستخرجة من المعادن هي بشكل أو بآخر أجنّة: إنها تنمو ببطء، كما لو أنها تخضع لنمط زمني آخر مختلف عما هي عليه الأجسام الحيوانية أو النباتية- هذه الأجسام لا تنمو بشكل أقل، بل «تنضج» في الظلمات الترابية. إن اقتلاعها من باطن الأرض يمثّل عملية منفّذة قبل أوانها. لو تركنا لها الوقت لتتطور (على الإيقاع الجيولوجي للوقت)، ستتحول الخامات إلى معادن ناضجة، «مثالية». يمكننا منذ الآن أن نقدّر حجم المسؤولية الملقاة على عمال التعدين أثناء انخراطهم في العملية الغامضة لتطور المعادن. كان يجب عليهم بأي ثمن تبرير تدخّلهم، ومن أجل ذلك، ادّعى هؤلاء أن قيامهم بالعمليات التعدينية ما هو إلا استبدال لدور الطبيعة. بتعجيل عملية تطور المعادن، كان عامل التعدين يستبق الإيقاع الوقتي: الزمن الجيولوجي كان ليستبدَل من هذا العامِل بالزمن الحيوي. هذا التصميم الجسور، حيث يتحمل الإنسان مسؤوليته الكاملة أمام الطبيعة، سيولّد من الآن فصاعداً انطباعاً مسبقاً حول الأثر الخيميائي: إن نهاية غاية الطبيعة هي اكتمال النظام المعدني، «نضوجه» النهائي. التحول «الطبيعي» للمعادن نحو الذهب هو أمر مكتوب في أقدارها الخاصة. وبما أن الذهب حامل لرمزية روحية عالية [«الذهب هو الخلود»، تردّد النصوص الهندية]، من الواضح أنه بتمهيد من بعض التكهنات الخيميائية-الخلاصية، فإن فكرة جديدة سترى النور: فكرة الدور المفترض للخيميائي كمخلّص أخوي للطبيعة: إنه يساعد الطبيعة في تحقيق غايتها النهائية، لبلوغ «كمالها»، الذي هو إنجاز نسلها -المعدني، الحيواني أو البشري، حتى «النضج» الأقصى، أي حتى الخلود.

‎المرجع:
Mircea Eliade, Forgerons et alchimistes, Champs ESSAIS, Flammarion 2018.