(**)

1. أنتِ لا تستحمّين بالماء، الماءُ يستحمّ بكِ...
يحطّ الغبارُ
يطير الغبارُ
وبإصبعٍ مبلولةٍ بلعاب الشّمسِ أحدّد جهةَ الصلْصَالِ
أدير على خشبة القمر عجين حبّ الطّلعِ
هذه السّماءُ مزهريّة والشّمسُ زهرة عبّاد.
يحطّ الغبار
يطير الغبار
تصبّ السّماء الرّصاصَ في الصّلاة
فيظهرُ نقشُ وجهي
أنا سارقُ رصاصاتِ الحسدِ
مذخّراً صومعة الانفجار في قصبة ناي
فأردي حنيني عن نفسه.
يحطّ الغبار
يطير الغبار
أيّها السّرير يا منفضتي الفارغة
الّذي أُطفئ نفسي فيه
لا تتركْها تطلقني كما «الكبش يحمل شفرة وزناداً» (1) بين الحالمين.
يحطّ الغبار
يطير الغبار.

مونيكا آرت ــ «جدارية» (زيت على الحائط ــ 2017)


2. قلْتِ: عينُكَ قاربٌ أخرقُ قاعَه بدمعةٍ؛ لأنّ امرأةً هناكَ تأخذُ البصرَ غصْباً (2)
هو:
أنا بيضةٌ في شطّها الغربيّ
وما ناداني غيبٌ
لكنْ كقلبٍ قلّبتُ مكسَر الموج
وبُعثْتُ أمّةً وحدي
أبني الفنار من أصدافٍ
أحرقُ لؤلؤَها بخوراً
كلّما كشفَتِ الرّيح عن ساقٍ.
***
للحبّ منقارٌ
أكسُرُ به قشرة مرجان القلبِ
فأخرجُ كسلحفاةٍ تشتهي الملح المظلّل
بخيال نورسٍ جائعٍ
فأحتلمُ وأقذفُ نفسي في الموج
تاركاً طاولةَ الرّملِ
التي احتضنتكِ
مذ تأوّهتِ متألمةً
من سخونةِ قهوةٍ
لسعتْ ظهر شفتيكِ
فجمحت هلالاً ... بدراً.
■ ■ ■
أعدّ أسماءَكِ الحسنى
إلّا أنّني في صحوة الموتِ
فأنا طبّاخ العزيزِ (3)
من ترشفُ الفراشاتُ من سائله العنكبوتيّ
ومن تنبَّأ له القميصُ المشقوقُ من دبرٍ (4):
ليستْ طفولةً أنْ أقصّ زرقةَ السّماءِ؛
لأصنعَ شطّاً لقدميكِ
يا ربّة التفاصيلِ الصّغيرةِ،
فأنا فأرُ الحقلِ
فأرسلي بومتكِ ذات العينِ المستديرةِ كقيدٍ.
■ ■ ■
نفَسُكِ يهبّ على صدري
يحركُ نجيلَه الأسود.
تزفرين وريقات
وريقات خضراء حارّة
كلهب قدّاحة
أستضيء بها في تحديقي في ضوءِ الغرفةِ الكهربائيِّ
الذي يشعُّ من جرّة
يبني فيها النّحل
خلايا تستقطب ضوء الزّنبق
من سماء بعيدة.
أشعل سيجارتي
وأضربُ بدخانها رصيفاً
غادرته القططُ
خلف فئران سئمتْ
من عداوة الكلاب للقطط.
هي:
وقلتُ للدّربِ
أنا حبلى
فمهّد لي النّهر سريراً من السّمك
وإذْ جاءني المخاض
مدّتِ الدّالية حيّتها تسندُ ظهري
فولدتَ بين طرفٍ وطرفٍ لم يرتدّ
كقلبٍ يهيم بي
وبقبلةٍ على ظهركَ
أخذتَ النّفَس الأوّل
وإذا جعتَ ألْقمتكَ شبعي
نبضة، نبضة
كشفتين تتفتحان في قبلة
نظرتُ إليكَ.
أعطاني العصفور عشّه
قماطاً لكَ
وشجرةُ الغار قدمتْ صابونة لشغافكَ
ونباتُ الطّيون (5) صار مهداً
تنام فيه على ساعد حكايتي.
وإذا سُئلتُ
أتحبين قلباً لا أحد يعرف أباه؟
أجبتُ: إنْ لم يكن في الحبّ كلّ الأبوة والأمومة
ليس بحبٍّ
ولا تعلقُ نطفته في رحم الزّمانِ.
أنا:
أيّها الجبان
كيفَ تترك الشّفرةَ تصدأ ورسغكَ لسانُه ممدود؟!

3. كحلكِ اللّون السّابع يوم استراحتِ الألوان...
الجّسدُ صلصالٌ من ترابِ سبع أرضِين
والرّوح من صلصلة وحي سبع سماوات.
أيّتها الأنثى
لستُ إلهاً لتكوني ملك يميني
كلّ ما أملك قلباً
يرشقُ الحنطة
يُطعم طيوراً زرقاء
كنافورة مستديرة الشّوق.
■ ■ ■
قالت: حُبّكَ كالحبل السّرّيّ
قلْتُ: اقطعيه حتى أكون سرّتكِ.
■ ■ ■
أعرفُ أنّ الحياة مقلاةٌ
تُكسَر فيها بيضة الرّوح
وتُمدَّد ثلاث من أضلع الصّدر
بجانب شمسٍ صفراء
وفي سمّ اليقين أصرخ:
يا مخلَب الفراشة
متى تصطاد أرنب الرّحيق؟
■ ■ ■
القلبُ ثمرةُ الجسدِ
اقطفيه قبلَ أنْ يسقطَ؛
يا أنثى، كلّ الدّروب تؤدي إليكِ
ولا أصل!
■ ■ ■
الحبّ أعمى يسرقُ إبرة وخيطاً
ويرتق بصره
علّه يَرى.
■ ■ ■
وقبل أنْ يكون النّظام العشريّ مقياساً
كان الجسد:
القدم لقياس الأفق
القامة لقياس الشّجر
الشّبر لقياس الشَّعر
المرفق لقياس الفستان
القبضة لقياس الدّمع.
الآن في قلب المقياس العشريّ
قلبكِ هو الميزان.
■ ■ ■
الرّوحُ سمكةٌ
إنْ غرقتْ تطفو بالوناً
أفلتَ من يدِ بائع البالونات العجوز.
تطير كما البصر
إذ يصبحُ حديداً
وإنْ أضناها الحنين
ينقرها غرابٌ
فتسقطُ كأمنية متأخّرةً
خلفَ ظلّكِ
الّذي يموج من أثر سفينةِ صيدٍ
رفعتْ شباكها كخطوط الطّول إلى القطب.
■ ■ ■
إنْ كان من اسم لكَ
أيّها القلب، فهو: ربما!

(*) مختارات من ديوان بالعنوان نفسه، صدر أخيراً عن «دار دلمون الجديدة»، دمشق
(**) صافيتا/ سوريا

1- مثل عربي
2- إشارة إلى قصة الفتى مع النبي موسى
3- طبّاخ عزيز مصر الذي فسر له النّبي يوسف حلمه بأنّه سيقتل
4 - إشارة إلى قصة النبي يوسف وزليخة
5- - نبات بري ذو رائحة طيبة