نظراً إلى طبيعة كتاب «السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية: أداء مسرحي لإدارة سياسية بائسة» (routledge 2018) شديدة الانتقاد لجماعة رام الله، من المفيد بداية التعريف بالكاتبة والكاتب. ميشيل بيس أستاذة في قسم العلوم الاجتماعية وإدارة الأعمال في «جامعة روسكيلد»، وهي أيضاً أستاذ فخري في السياسة والدراسات الدولية في «جامعة برمنغهام» في المملكة المتّحدة. تقول إنها تعرفت إلى القضية الفلسطينية للمرة الأولى عندما كانت طفلة مستمعة إلى جدّها الذي يروي المأساة التي حلّت بالفلسطينيين نتيجة نكبة 1948. أما سومديب سين، فهو باحث بعد الدكتوراه في «جامعة روسكيلد»، وتركز أبحاثه على السياسة المكانية واستعمار المستوطنين وما بعد الاستعمار والهجرة في الشرق الأوسط وأوروبا.

يقدّم هذا الكتاب تقويماً نادراً ما تمّ التطرق إليه من قبل لسياقات يروج لكونها أكثر إلحاحاً ظاهرياً تتعلق بـ«الأمن» والسياسة الخارجية الأميركية، وكذلك تحليلاً موجزاً للواقع الفلسطيني في ظلّ سلطة رام الله، ويستند إلى أبحاث شاملة تدعمه أدلة إثنوغرافية. كما يكشف هذا العمل سبب تآمر مختلف الفاعلين السياسيين بمن فيهم فلسطينيون وإسهامهم في الترويج للمهزلة بأن السلطة الفلسطينية في صدد تحقيق دولة فلسطينية مستقلة. كما يعالج المؤلف مسألة سبب السماح لهذه المسرحيات السياسية بالاستمرار منذ ربع قرن، وكيف أن الإبقاء على هذه المسرحة يضرّ بالتطلعات الحقيقية للشعب الفلسطيني. هذا العمل تفكيك دقيق لأسطورة «بناء الدولة» التي طالما روجتها السلطة الفلسطينية ومؤيدوها من الدول «المانحة».


يقول الكاتبان: «في هذا المؤلف ينصبّ تركيزنا على كيفية تعدّي طبيعة غياب التشكّل القومي للفلسطينيين على طقوس حكم الدولة التي تنتهجها السلطة الفلسطينية وموظفوها المدنيون. نلقي الضوء كذلك على كيفية الحفاظ على هذه الطقوس اقتصادياً من قِبل متبرّع دولي، في حين أن النشطاء الفلسطينيين يواجهون تحدّياً شديداً في مواجهة الأجندة الإحصائية في الأرض الفلسطينية المحتلة. وبالتالي، فإنّ شاغلنا الأساس هو الطريقة التي يفهم بها أصحاب المصلحة هؤلاء سواء من مؤيدي السلطة الفلسطينية أو معارضيها لفنّ حكم الدولة، بينما يدركون حقيقة أن السلطة الفلسطينية تقوم في الواقع في حالة غير موجودة. السلطة الفلسطينية مستمرة كمؤسسة تعمل كأنها دولة، لكنها في الحقيقة تقوض النضال الفلسطيني من أجل إقامة دولة ذات سيادة.
باستخدام المسرح كناية عن الاستعارة التي تحدّد غياب الدولة الفلسطينية، يشير بيس وسين إلى التناقضات في اتفاقيات أوسلو التي يتم التغاضي عنها، لا سيما أنه لا إشارة واضحة إلى دولة فلسطينية نتيجة للمفاوضات. يلاحظ المؤلفان أن النص يستخدم مصطلح «الحكم الذاتي المؤقت» الذي يعيق الاستقلال ويقيّد الكفاح الفلسطيني ضد الاستعمار.
يتحدد أصحاب المصلحة المختلفون في أداء الدولة، وكلّهم ـــ كما تظهر الأبحاث التي أجراها المؤلفان ـــ يدركون أن استثماراتهم السياسية والمالية هي جزء من المسرحيات التي تمكّن السلطة الفلسطينية من «أداء دولة غير موجودة»، بينما تقوم السلطة الفلسطينية بتنسيق هذه التفاصيل وفقاً للنص المحدّد عالمياً وأيضاً من خلال دورها «انعكاساً لعلاقات القوة الاستعمارية» حيث تم إرغام الشعب الفلسطيني على الازدواجية.
من الناحية النظرية، يستلهم مفهوم «مسرحة إدارة سياسية» للسلطة الفلسطينية من مفهوم جوديث بتلر للأداء باعتباره مفهوماً يشمل العديد من الأعمال المسرحية المتكرّرة والطقوس. يستكشف المؤلفان ما يشيران إليه على أنه «الدولة الغامضة» (المتجسّدة في شكل السلطة الفلسطينية وسلوكها) وتبدو كذلك لأولئك الذين يعيشون فيها من وجهة نظر مؤسساتها والمنظمات غير الحكومية والمكاتب التمثيلية الدولية والناشطين.
وقد وصل الكاتبان إلى استنتاجاتهما من خلال مقاربة إثنوغرافية عن طريق المقابلات والملاحظات في الضفة الغربية المحتلة والقدس الشرقية.
مقاربة إثنوغرافية عبر المقابلات والملاحظات في الضفة الغربية والقدس الشرقية


يوضح الكاتبان أن مهمّة المؤلف الكشف عن أن مسرح حكم الدولة السائد في الأرض الفلسطينية المحتلّة، لا يهتم بتطلعات الفلسطينيين الوطنية. ذلك أن السلطة الفلسطينية تأسّست آلية للحكم الذاتي (المؤقت)، وأن «الغموض» في صورة الدولة التي تنضحها، أمر متعمّد لأنه يعمل على عرقلة أيّ احتمال لمساهمة السلطة الفلسطينية في إقامة دولة فلسطينية ذات سيادة. ومن دون وجود طريق واضح نحو السيادة، فإنّ السلطة الفلسطينية تخدم أيضاً الاستعمار الاستيطاني الصهيوني.
المؤلّف يوضح أيضاً أن الاستثمارات السياسية والاقتصادية لأصحاب المصلحة الدوليين في آليات بناء الدولة في الأراضي الفلسطينية المحتلّة عام 67، لم تنتج فوائد مثل السير نحو تولّي الفلسطينيين لقيادة دولة ذات سيادة. بدلاً من ذلك، فقد ساعدت تلك الاستثمارات في تنمية هوية أصحاب المصالح الدولية وموقعهم بطريقة تتزامن مع تصورهم الذاتي. في حالة النرويج على سبيل المثال، كان هذا يعني زراعة «وتسليط الضوء» على هويتها باعتبارها نذيراً لبناء السلام الليبرالي. كما يؤدّي مسؤولو الاتّحاد الأوروبي المعروفون بالدافعين بدلاً من اللاعبين في «نزاع الشرق الأوسط»، دورهم في إنتاج خيال لدولة تكنوقراطية عن طريق الاستثمار في مؤسّسات السلطة الفلسطينية لإيجاد وهم دولة يلعبون فيها دوراً مهمّاً في إبراز هوية الاتّحاد الأوروبي المحدّدة لجمهور معيّن ألا وهو الجمهور الأوروبي.
هذه بعض الجوانب التي يتناولها هذا العمل الفذ بالتحليل، ومن المفيد أخيراً الإشارة إلى فصوله: مدخل؛ مسرحية «الدولة»: مقدمة؛ فلسطين والإكراه العالمي لضرورة بناء الدولة؛ السلطة الفلسطينية وموظفوها «القلقون؛ العمل في ظل «الدولة»: حالة منظمات المجتمع المدني؛ «الدولة» ورعاياها «غير الراغبين»؛ الخاتمة.

*The Palestinian Authority in the West Bank, The Theatrics of Woeful Statecraft (2018). routledge 2018, 116 pp. michelle pace, somdeep sen