مقالات كثيرة كُتبت عن سلطة جماعة رام الله، وكثير من وسائل إعلام البترودولار وغيرها، المضلِّلة والمضلَّلة تشير إلى ما تسميه «دولة فلسطين»، وإلى رئيس تلك السلطة، محمود عباس، بصفته «الرئيس الفلسطيني» وإلى أعضاء إدارته كونهم وزراء، وما إلى ذلك من المصطلحات التضليلية الكاذبة. لكن كتاب «بعثرة الشعب وإلغاؤه: إرث الاستبداد في فلسطين» (hurst & co. 2019) يكشف على نحو مفجع حقائق تلك السلطة الخاضعة لما يمنحها إيّاه العدو الصهيوني من صلاحيات، حيث إنّها ذراعه الفلسطينية المنوط بها إخضاع أهلنا في الأراضي المحتلة عام 1967 والقضاء على المقاومة الشعبية للاستعمار-الاستيطاني الصهيوني التي قامت قبل وصول ما يطلق عليهم شعبنا صفة «جماعة تونس».

الآن بعد مرور ربع قرن على اتفاقيات أوسلو وملاحقها التي كان يُفترض أن تقود إلى قيام دولة فلسطينية، وفق أحلام القيادة الفلسطينية اليمينية وكابوس الشعب الفلسطيني، ما زال السيد محمود عباس يحتاج إلى إذن من كيان العدو لمغادرة «أراضي السلطة» والعودة إليها. بل إن تلك السلطة في حاجة إلى أخذ موافقة العدو (قل: الموساد والشين بيت) عند تعيين أيّ موظف فيها، حتى لو كان عاملاً لتحضير الشاي والقهوة!


يوضح الكتاب أن الاتفاقيات وملاحقها، والدعم الدولي للسلطة لم تؤدِّ منفردة ومجتمعة سوى إلى تفكيك روابط سكان الأراضي المحتلة عام 67 واستقطابهم بما جعل أيّ عمل جماهيري موحّد مستحيلاً، وهو ما لم يتمكّن العدو من تحقيقه قبل الاتفاقيات.
الكاتبة الدكتورة دانا الكرد تستكشف في مؤلفها المهم الآليات التي يؤدّي بها الرعاة الدوليون إلى تفاقم الظروف الاستبدادية، وتجادل بأن المشاركة الدولية غالباً ما تخلق تبايناً بين النخب والرأي العام، ما يقود إلى عزل القيادة السياسية و«تحرّرها» من الضغوط العامة وبالتالي إلى اكتساب «السلطة الوطنية» شرعيتها من القوى الخارجية بما يسمح لها بالاعتماد على الاستراتيجيات السلطوية.
يوضح العمل أن طبيعة اتّفاقيات أوسلو ومكمّلها الاقتصادي المسمى «بروتوكول باريس» عنى أن «السلطة الفلسطينية» مقيّدة بالكامل في قدرتها على بناء اقتصاد دولة فعّال، وأن هدف تلك الاتفاقيات إظهار فلسطين متخلّفة تعتمد على «إسرائيل». على هذا النحو، يمكن وصف الوضع الفلسطيني تجاه «إسرائيل» بأنه «احتواء غير متماثل» Asymmetrical containment، يعني أنها ضمنت أمنها من خلال ضمان السيطرة على فلسطين وبقائها هشّة، لذلك من السهل فهم دوافع النخب الفلسطينية للسعي وراء افتراس قصير الأجل (short-term predation) بدلاً من المصالح طويلة الأجل، دوماً وفق الكاتبة.
في عهد عباس، تقول دانا الكرد: «عززّت السلطة الفلسطينية سيطرتها على السياسة والمجتمع الفلسطيني بأساليب قمعية متزايدة وأصبح الفلسطينيون الآن يعتمدون أكثر من أيّ وقت مضى على رواتب السلطة الفلسطينية وخدماتها. حتى شرائح المجتمع التي عارضت تقليدياً مشروع بناء الدولة تمّ إسكاتها بطرق مختلفة، والعلامة التجارية للسلطوية التي ينتمي إليها عباس تستند إلى «شبكات النخبة من رجال الأعمال والنخب التكنوقراطية» تدعمها «السيطرة المركزية على فروع الأمن ودرجة عالية من التنسيق مع الحكومة الإسرائيلية»». ثمّة نحو 80000 موظف في أجهزة مخابرات السلطة، أي عنصر أمن/ مخابرات لكلّ 48 مواطناً فلسطينياً (قارن هذا مع عنصر أمن واحد لكل 384 مواطناً في الولايات المتحدة، وحتى عنصر أمن واحد لكل 66 مواطناً في ألمانيا الشرقية التي كانت توصف بأنها نظام بوليسي!) علماً بأن ثلث ميزانية السلطة مخصص لأجهزة الأمن.
القمع السياسي المتزايد في الأراضي الفلسطينية يوضح أن التدخل الأميركي خلق وضعاً تشعر فيه النخب السياسية على نحو متزايد بأنها غير مسؤولة أمام الرأي العام. سمحت واشنطن وملاحقها الأوروبيون لعباس بتجاوز حدود ولايته إضافة إلى إلغاء مؤسّسات منظمة التحرير المفترض أن مهمتها فرض الرقابة على الجانب التنفيذي. كما ساهمت «المساعدة التقنية» الأميركية في عملية «إصلاح» القطاع الأمني في تسهيل زيادة التنسيق بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل وكذلك زيادة الظروف الاستبدادية والقمع السياسي داخل المشهد السياسي الفلسطيني خدمة لهذا الهدف.
تفكيك روابط سكان الأراضي المحتلة عام 67 بما يجعل أيّ عمل جماهيري موحد مستحيلاً


استهلّت الكاتبة عملها بمقدمة «تأخر نشوء الدولة: فلسطين قبل اتفاقيات أوسلو وبعدها» حيث تشرح دور المشاركة الدولية في زيادة الاستبداد وإضعاف التماسك والتعبئة المجتمعية في المجتمع الفلسطيني.
الفصل الأول (نظرية المشاركة الدولية وآثارها المجتمعية) يضع النظرية ضمن المراجع على المشاركة الدولية والقمع والتعبئة وكذلك يستنتج الآثار التجريبية الرئيسة لهذا العمل.
تناقش الكاتبة في الفصل الثاني (الأميركيون علمونا: ثمة فرق بين الديمقراطية وخلق المشاكل) مدى تأثير المشاركة الدولية في تفضيلات القيادة الفلسطينية مقابل تفضيلات الجمهور الفلسطيني، وفيه تجيب عن هذا التساؤل بدعم حججها أن للمشاركة الدولية تأثيراً في كيفية عمل السلطة الفلسطينية وفي علاقتها بالمجتمع. وتوضح أن تلك المشاركة تخلق اختلافاً بين النخب السياسية والمجتمعات التي يزعمون أنّهم يمثلونها.
الفصل الثالث «تركة القمع» مخصّص للحديث عن تأثير الاستبداد المتزايد للسلطة الفلسطينية في المجتمع الفلسطيني وتأثير الاستراتيجيات السلطوية للسلطة الفلسطينية في الاستقطاب داخل المجتمع وتأثيره السلبي في العمل الجماعي.
الفصل الرابع (تسريح مجتمع كان معبأً) مخصّص لتوضيح تأثير سلطوية السلطة الفلسطينية في التعبئة السياسية. أما الفصل الخامس (تأثير المشاركة الدولية عبر طيف سيادة الدولة)، فيعمد إلى تعميم النظرية الشاملة للمشاركة الدولية وآثارها المجتمعية على حالتي كردستان العراق والبحرين لا سيما المشاركة الأميركية في تطوير ومسارات هاتين الحالاتين وتقديم أدلة على الآثار النظرية العملية خارج فلسطين.
تختم الكاتبة عملها المدعوم بإحصاءات ورسوم بيانية وجداول وتلخيص موجز لنتائجه وتوجز مساهماته في دراسة الروابط الدولية والمحلية والاستبداد على نطاق أوسع وتقدّم أيضاً بعض التحليلات والتنبؤات لمستقبل القضية الفلسطينية.

* Polarized and Demobilized, legacies of authoritarianism in palestine. hurst & co. 2019, 240pp. dana elkurd