ترجمة: سلوى ياسين

إن آلاف الإهانات التي أذاقها لي فُورْتُونَاتُو والكثير من الجراحات التي تكبدتها منه، تحملتها بكل ما أوتيت من جَلَدٍ وقوة، غير أنه حين تجرأ وشتمني أمام الملأ، أقسمت أغلظ الأيمان على الانتقام. وأنت، أنت الذي تعرف جيداً طبيعة روحي، لن تفترض بالتأكيد أنني أطلق هذا الكلام على عواهنه. سوف أثأر لنفسي لا محالة، طال الزمن أو قصر.
لكن، مهلاً! فمهما كان تصميمي على الانتقام حازماً وقطعياً، إلا أنه لا يحول دون وجود مخاطر. إذ أنني لا يجب أن أعاقب فورتوناتو فقط، بل عليّ أن أحصن نفسي أمام أي عقاب مضاد. لا يمكن تصحيح الخطأ إذا ما حدث وأصابتني شرارة من نار ذلك الانتقام. كما لا يمكنني تأديب ذلك الوغد إذا لم يتجرّع نفس ما أذاقه لي.

رسمة هاري كلارك لطبعة القصة سنة 1919

يجب أن يفهم ذلك بشكل واضح، فأنا لم أمنح فورتوناتو أيّ سبب حتى يرتاب في نواياي «الحسنة» سواء بالكلمات أو الأفعال، لقد كنت أبتسم في وجهه بشكل متواصل كما جرت العادة، ولم أترك له الفرصة ليكتشف أن ابتسامتي تبزغ بمجرد التفكير في أنني سأقدّمه قرباناً لأسلافي.
كانت لديه نقطة ضعف وحيدة هذا الفورتوناتو على الرغم من أنه، ولاعتبارات أخرى، كان مهيب الجانب ومحترماً من طرف الجميع، ناهيك بافتخاره بخبرته في النبيذ الذي سبر أسراره وخباياه جيداً، فالقليل جداً من الإيطاليين يمتلكون شيئاً من الذكاء والعبقرية، لأن أغلب جهودهم يصوبونها نحو أي فرصة للاحتيال على الأثرياء الإنكليز والأستراليين في مجال اللوحات والمجوهرات خصوصاً، وفورتوناتو لا يختلف عن هؤلاء في الادّعاء والخداع. لكنه يظل صادقاً إذا ما تعلق الأمر بالنبيذ المعتق، ولم أكن لأختلف عنه في هذا المجال، فأنا نفسي أعد من الخبراء المهرة في مجال النبيذ الإيطالي وأشتري كميات كبيرة منه كلّما سنحت الفرصة.
كان الوقت ليلاً، حين التقيت بصديقي فورتوناتو خلال إحدى تلك الأمسيات الصاخبة التي تتزامن مع موسم الكرنفال. أوقفني وصافحني بحرارة بسبب إفراطه في الشرب، كان هندامه سيئاً: يرتدي زياً مخططاً مشدود الياقة، يعتمر قبعة مخروطية الشكل مزينة بالأجراس وتتدلى خلف رأسه بطريقة مضحكة، كان يعطس باستمرار ربما بسبب نزلة برد ألمت به. كنت مسروراً برؤيته حتى خيّل لي أنني قد بالغت في إظهار سعادتي. أظن أنه لم يكن عليّ الضغط بشدة على يديه وأنا أصافحه.
— عزيزي فورتوناتو! محظوظ أنا بلقائك، قلت له. تبدو أروع من أن تموت في هذا اليوم، أقصد تبدو رائعاً هذا المساء. لقد توصلت بشحنة من النبيذ، لكن ما زالت تساورني شكوك حول إذا ما كان أَمُونْتْيَادُو فعلاً.
— كيف؟ أجابني. توصلت بالأمونتيادو؟ مستحيل! وفي فترة الكرنفال هذه؟
— أجل، أنا أيضاً تراودني شكوك حول ذلك وأظن أنني كنت أخرق، إذ دفعت ثمن الشحنة كاملاً دون أن أستشيرك في الموضوع، لم أعثر عليك حينها، وكنت خائفاً أن أضيّع عليّ الصفقة.
— أمونتيادو!
— لدي شكوك، لكن كما تعلم يجب عليّ أن أرضي الزبائن.
— أمونتيادو؟! كرر مندهشاً.
— ولأنني أعرف أن لديك التزامات كثيرة، اتصلت بالسيد لُوكْرِيتْسِي، وأنا ذاهب في هذه الأثناء للقائه، حتى إذا كان لديه رأي سيئ حول جودته أعدته إلى التجار، هل تظن أن بإمكانه الفصل في هذه المسألة وإخباري بمدى جودة الشراب؟
— لوكريتسي ذلك الغبي الذي لا يستطيع التفريق ما بين الأمونتيادو وشراب الشِّيرِي.
— ومع ذلك بعض الحمقى يظنون أنه أفضل منك في تذوق النبيذ، قلت له.
— هيا، هيا لنذهب!
— إلى أين؟
— إلى مخزن النبيذ خاصتك.
— لا يا صديقي، لا أريد أن أستغل طيبتك.
— يبدو أنك تعاقدت سلفاً مع لوكريتسي، أليس كذلك؟
— كلا، لم أعقد أي اتفاق بعد مع لوكريتسي، ثق بي يا صديقي، كل ما هناك أنني أرى أنك مصاب بنزلة برد قوية، وقبو النبيذ كما تعرف به رطوبة لا تطاق. إنه مغطى كلياً بالنترات وذهابك إليه سيفاقم حتماً من حالتك.
في هذه اللحظة، جذبني فورتوناتو من ذراعي وهو يضع قناع الحرير الأسود من أجل التنكر ثم لف رداءه الطويل حولي. لقد جعلته يشعر كأنه هو من يصر على الذهاب إلى قصري. حين وصلنا، لم يكن هناك أحد من الخدم، فقد أخبرتهم سابقاً أنني لن أعود حتى الصباح من اليوم الموالي وأعطيت أوامري الصارمة بألا يغادروا القصر أبداً أثناء غيابي، وقد كان ذلك كافياً لاختفائهم الفوري جميعهم دون استثناء وفي نفس الفترة حتى يتسنى لهم الاحتفال بالكرنفال.
أخذت من الشمعدان مشعلين، أعطيت واحدة لفورتوناتو ثم اتجهنا سوياً نحو القبو. في البداية، انحنينا مرات كثيرة نزولاً عبر أدراج ملتوية ومررنا من خلال غرف متتالية عبر أقواس واطئة حتى وصلنا إلى قبو النبيذ. كنت خلال ذلك أطلب من فورتوناتو أن يحترس وهو يتبعني. حين صرنا أسفل القبو، مكثنا سوياً فوق الأرض الرطبة لمدافن عائلتي آلِ مُونْتِرِيسُورْ. لم تكن الأرض صلبة تحت أقدامنا حتى إن مشية فورتوناتو بدت غير ثابتة ومضطربة، صارت معها الأجراس التي تزين قبعته ترن بصخب كلما خطا خطوة واحدة.
— الماسورة أين الماسورة؟
— ما زالت بعيدة، أجبته، لكن تمهل، عليك أن تنظر إلى شبكة العنكبوت البيضاء التي تتلألأ على جدران هذا الكهف الرطب. نظر إليّ بمحجريه اللذين تعلوهما غشاوة السكر الطافح، ثم سعل مرات كثيرة وسألني بعد جهد، هل هذه هي نترات البوتاسيوم؟
— نعم، إنها النترات التي تنتشر على طول هذه الجدران. لكن أخبرني، منذ متى وأنت تعاني من هذه الكحة؟
— كح ..كح.. كح كح.. كحه..
بدت إجابة المسكين على هذا السؤال مستحيلة مع السعال المستمر، وقد أخذ وقتاً طويلاً حتى يرد قائلاً:
— لا بأس، لا شيء يدعو للقلق.
— تعال، قلت له بتصميم واضح، سوف نعود أدراجنا، صحتك غالية عليّ ولا تقدّر بثمن، أنت شخص ثريّ، يقدّرك الجميع ومحبوب جداً، كما أن حياتك هانئة مثلما هي حياتي، قلت ساخراً. الجميع سيلاحظ غيابك، أما أنا فلا أحد سيأبه لغيابي. سوف نعود أدراجنا، لأن نزلة البرد لديك ستسوء حتماً ولا يمكنني أن أكون السبب في ذلك، ناهيك بأن لوكريتسي بإمكانه القيام بتقييم الأمونتيادو.
— كفى! أجاب غاضباً، الكحة ليست شيئاً خطيراً، لن تقتلني بالتأكيد، هل تظن أنني سأموت بسبب الكحة؟
— بالطبع لا بالطبع، أجبته، في الحقيقة ليست لديّ أي نية في إثارة قلقك، لكن يجب أن تكون حذراً. خذ، اشرب من هذا النبيذ الأحمر الذي ينتشر داخل تجاويف هذه الجدران عله يحميك من الرطوبة والبرودة.
ثم سحبت قنينة من نبيذ بوردو الأحمر من بين صف طويل من القناني وكسرت عنقها ثم قدمتها له قائلاً:
— هيا، اشرب.
أخذ القنينة من يدي ورفعها نحو شاربه بخبث، عبّ منها بنهم وحين توقف عن الشرب أومأ برأسه موافقاً على كلامي والأجراس المضحكة التي تزين قبعته ترن باستمرار.
— لنشرب نخب الموتى الذين يرقدون حولنا!
— أما أنا فسأشرب نخب عمرك الطويل يا عزيزي، أجبت.
سحبني مرة أخرى من ذراعي وتابعنا طريقنا.
— هذا القبو شاسع جداً!
— إن آل مونتريسور عائلة عظيمة وكثيرة العدد. وما رمز مخزن الشراب هذا؟ قدم بشرية ضخمة في حقل لازوردي تسحق ثعباناً زاحفاً يغرز أنيابه بداخل كاحل. وماذا يقول شعاره؟
— لا أحد يهيننا ويذهب دون عقاب.
— رائع! جميل! أجاب فورتوناتو متظاهراً بأنه يفهم اللاتينية.
لمع النبيذ داخل عينيه وجرس النواقيس على قبعته لا يتوقف عن الجلجلة. حينها تعاظمت رغبة الانتقام بداخلي مع سريان مفعول النبيذ في دمه. تابعنا طريقنا مروراً بجدران طويلة وأكوام من الهياكل العظمية، بمحاذاة دِنَانِ الخمر والأعمدة في وسط الردهات بين القبور. توقفت للحظة، حين وجدت أنه من الوقاحة أن يظل فورتوناتو ماسكاً بذراعي الضخمة التي تفوق كوعه علواً.
أمسكت بذراعه وقلت:
— النِّتْرَاتْ، أرأيت إنها تتزايد مثل الطحالب داخل الأقبية، نحن الآن تحت قاع النهر بالضبط. وتلك التي تسيل فوق العظام البشرية هي قطرات الرطوبة، فتعال لنعد قبل فوات الأوان.
— لا مشكلة، دعنا نواصل، أجابني فورتوناتو. لكن قبل ذلك أرغب في المزيد من هذا النبيذ!
هذه المرة، أخذت من بين الفجوات على الحائط قنينة من شراب ذو كراف وكسرت عنقها ثم مددتها إليه، أخذها مني وأفرغها في جوفه دفعة واحدة. في هذه اللحظة لمعت داخل عينيه شرارة شرسة، وضحك وهو يطوح بالقنينة خلفه. ثم بدرت منه إيماءة خبيثة لم أتبين معناها بوضوح. نظرت إليه باندهاش. كرر إيماءاته تلك، وقد كانت هذه المرة داعرة.
— ألم تفهم؟
— لا، لم أفهم، أجبته.
— أنت لست واحداً من الشلة إذن.
— كيف ذلك؟
— أنت لست واحداً من جماعة الماسونيين؟
— بلى، بلى، أجبته.
— أنت، أنت، مستحيل، أنت ماسوني، (بَنَّاءٌ) لا يمكن، اعطني علامة على ذلك، هيا!
— ها هي! أجبته، وأنا أطلعه على مِسَجَّةٍ أخفيها بين ثنايا ردائي.
— إنك أضحوكة حقاً، ردّد وهو يتقهقر ببعض الخطوات إلى الوراء، حسناً، دعنا نمر إلى الأمونتيادو!
— ليكن ذلك، أجبته وأنا أمرر المسجة من بين طيات ردائي مانحاً ذراعي له حتى يتكئ عليها.
رمى بكل ثقله عليّ وأكملنا طريقنا باتّجاه موضع الشراب. مررنا مرة أخرى أسفل أقواس واطئة عديدة، حتى وصلنا إلى سرداب عميق. هناك حيث الهواء الرطب أحال شعلة النار التي كنا نستنير بها إلى لمعة ضعيفة بالكاد تتوهج النار فيها. ثم في أعمق نقطة، ظهر سرداب آخر أصغر، تتكدس على جدرانه بقايا هياكل عظمية كثيرة وصلت حتى السقف. إنها تقاليد المدافن الباريسية، ثلاثة جوانب من القبو زخرفت بنفس الطريقة وفي الجانب الرابع يتم ترك رفات الأجساد مبعثراً على الأرض مشكلاً بذلك كومة ضخمة. تبدى لنا سرداب آخر جراء تحويل مكان العظام، وقد كان بعمق أربعة أقدام وعرضه حوالى ثلاثة. أما طوله فكان بين سبعة أو تسعة أقدام. يبدو أنه لم ينشأ لغرض خاص، بل هو بمثابة استراحة بين ساريتين ضخمتين تدعمان سقف المدفن، وتم ترصيص واحدة منهما بالغرانيت. لم يكن مجدياً لفورتوناتو أن يرفع المشعل الباهت عالياً لينير ما حوله حتى يتجسّس على ما تضمه تجاويف الجدار.
— اُدخل، قلت له، ها هو الامونتيادو! أما بالنسبة للوكريتسي..
— لوكريتسي، إنه شخص مدع جاهل، قاطعني صديقي وهو يخطو باضطراب، وأنا أتبعه.
في لحظة ما اكتشفت أن فورتوناتو بسبب الإفراط في الشرب قد وصل بسرعة إلى أقصى نقطة في هذا القبو، فلم يحل دون مسيره سوى الحجر الضخم عند نهاية السرداب. ظل هناك وبغباء محتاراً وضائعاً، حينذاك كبلته بسرعة إلى الصوان الذي كان يضم بداخله مسمارين مغروزين ومتباعدين بمسافة قدمين تقريباً. كانت هناك سلسلة قصيرة من الحديد أحكمت تقييده بها عبر ربط طرفيها بالقفل عند خصره. حدث كل ذلك في ثوان وبسرعة ظل معها فورتوناتو عاجزاً عن المقاومة من أثر الصدمة. ثم طوحت بالمفتاح بعيداً وأنا أخطو نحو الخارج.
— ضع يدك على الجدار، قلت له، هل تشعر الآن بالرطوبة والنترات؟
— صحيح، معك حق إنها رطبة جداً، أجابني.
— لقد كنت أتوسل إليك لنعود أدراجنا يا صديقي وكنت ترفض باستمرار، الآن يمكنني أن أتركك هنا بضمير مرتاح. لكن قبل ذلك دعني اعتني بك حسب مقدرتي.
— الأمونتيادو، صاح صديقي وهو لم يستفق بعد من هول الصدمة.
— نعم، أجبته، الأمونتيادو.
وأنا أنطق بهذه الكلمات، شغلت نفسي برمي أكوام العظام جانباً حتى عثرت على كمية من الأحجار وهاون للبناء، وبالاستعانة بالرفش بدأت ببناء جدار بيني وبين السرداب الذي يقبع بداخله فورتوناتو. حين انتهيت من بناء الجزء الأول اكتشفت أن اختناق فورتوناتو يحدث بشكل متسارع وبدأت مؤشراته تظهر عبر صراخه الواهن القادم من عمق القبو، لم يكن أبداً صراخ رجل ثمل، عمّ بعد ذلك صمت ممتد. بسطت الصف الثاني من الحجر وأتممت الجزء الثالث من الجدارِ فالرابعَ، حينها سمعت اهتزازاً عنيفاً للسلاسل، استمر لعدة دقائق محدثاً جلبة كنت أنصت إليها باستمتاع متزايد. حين توقفت جلجلة الأغلال، توقفت أنا أيضاً عن البناء وأخذت استراحة فوق كومة العظام. ثم استأنفت العمل على الجزء الخامس ثم السادس فالسابع حتى صار الجدار في مستوى صدري. توقفت للحظة ورفعت المشعل أعلى البناء ثم وجهت الضوء الخافت باتجاه وجه ذلك الآدمي الذي بداخله.
ومن تلك الهيأة المكبلة بالداخل انفجر فجأة صياح قوي ومتعاقب جعلني أتراجع إلى الوراء وللحظات قصيرة تملكتني الشكوك. ارتعدت، وجعلت أستل سيفي وأتلمس طريقي داخل الردهة، لكنني تذكرت شيئاً أدخل الطمأنينة إلى نفسي حين وضعت يدي على السطح المتين للقبور، سرت بداخلي بهجة عارمة. اقتربت من الجدار ثم أجبت على صرخات فورتوناتو بتكرارها مرة، ثم ترديدها وإعادة صداها حتى تجاوز صوتي قوة صوته، وكلّما قمت بذلك كانت صرخاته تهدأ وتضعف تدريجياً.
كان الوقت منتصف الليل حين أوشكت على إنهاء العمل، ومع إتمامي للجزء الثامن من الجدار فالتاسع ثم العاشر وصلت للجزء الحادي عشر والأخير، لم يتبق سوى وضع لبنة ثقيلة بالكاد استطعت رفعها ووضعها في مكانها المناسب، وبدأت في رص وتجبيس الجدار. صدرت ضحكة خافتة من داخل السرداب أوقفت شعر رأسي، تلاها أنين حزين وجدت صعوبة في التعرف على صاحبه، هل هو حقاً صادر عن فورتوناتو سليل النبلاء حين صاح قائلاً:
— ها ها ها ها، هيء هيء هيء هذه مزحة جيدة في الحقيقة، مزحة رائعة، سنضحك عليها كثيراً حين نحكيها للأصدقاء في البالاتزيو، أليس كذلك؟ ثم استمر مقهقهاً:
— سنحكي لهم عن كل هذا ونحن نحتسي النبيذ ها ها ها ها!
— سنحكي ذلك ونحن نشرب الأمونتيادو، أردفت قائلاً.
— هاها ها ها هيء هيء هيء، نعم الامونتيادو، لكن أليس الوقت متأخراً، سوف يفتقدونني في القصر، زوجتي السيدة فورتوناتو والأولاد، هيا دعنا نذهب يا صديقي.
— أجل، دعنا نذهب، أجبت.
— بحق السماء يا مونتريسور.
— نعم، صحيح.. «بحق السماء».
عند هذه الكلمات التي لم أكن أرغب في الرد عليها، بدأ صبري ينفد فصحت فيه قائلاً:
—فورتوناتو! توقف عن هذا الهراء.
لم أتلقّ أيّ رد، صحت مرة أخرى:
— فوووورتونااااتو!
دفعت بشعلة النار في الفتحة المتبقية على الجدار وجعلتها تسقط بالداخل والنواقيس التي تزين قبعة فورتوناتو ما زالت ترن. شعرت بألم شديد في قلبي تسببت فيه رطوبة المدفن. سارعت بإنهاء العمل، وضعت اللبنة المتبقية في مكانها المناسب. ثم جعلت أطلي البناء الحديث بالجبس. ثم أعدت لصق العظام على الجبس الطري.
لقد مر نصف قرن على هذا، كانت تلك هي المرة الأخيرة التي يزعج فيها بشري الرقاد الأبدي لأسلافي الإيطاليين.
— فليرقدوا بسلام !فليرقدوا بسلام.