«وتبقى مُعضلة الليل هي هي. هل ينتهي ويبزغ فجر جديد؟»
(هنري ميشو)



ليست الرواية من النوع الذي يخطف الأنفاس، لكنك وبمجرّد أن تتخطّى الصفحات الأولى ستجد نفسك متورّطاً بالبحث عن الإشباع، الذي لن تبلغه حقّاً حتى إتمام السطر الأخير من الصفحة الأخيرة. «سوف تُلاحقك خطيئتك دائماً». لعلّها الحكمة التي تختصر ببراعة الحكاية. إنّه الفعل الذي تمتدّ خيوطه وتكبر حتى تغدو شباكاً يعلق به جسدك، أو مشنقة تلتف حول عنقك، في حين ظننت أنها قُصّت منذ زمن بعيد.
تبدأ رواية «الصبية والليل» (2018) لغيوم ميسو التي صدرت أخيراً بالعربية عن «هاشيت أنطوان/ نوفل» (2019) بنبأ جريمة مروعة وقعت على شاطئ مدينة كوت دازور الفرنسية عام 2017. من دون الغوص في مجريات التحقيق، سريعاً تنتقل عدسة المصوّر إلى عام 1992، حين يبدأ الرواي الأبرز توماس دوغاليه (يتعدّد رواة السرد في متن الرواية) بسرد وقائع جريمة ارتكبها قبل خمس وعشرين سنة، إثر تلقّيه دعوة لحضور احتفال بالعيد الخمسين لليسه، مدرسته التي أمضى فيها سني طفولته ومراهقته، بواسطة ماكسيم بيانكارديني صديقه الأعز وشريكه في الجريمة.


هجر توماس - الذي بلغ الأربعين من عمره - كوت دازور إلى الولايات المتحدة الأميركية منذ زمن بعيد، هرباً من شبح جريمة يلاحقه، لم تنفع السنون الخمس والعشرون في طيّه ورميه في غياهب النسيان، وغدا روائياً معروفاً متأثراً بأستاذه جان – كريستوف غراف الذي مات منتحراً بعد حبّ عقيم من طرف واحد، لن يولد أبداً. فيما حاول ماكسيم أن يشقّ طريقه بعيداً عن الشبح ذاته، تزوّج حبيبَه وتبنيا فتاتين، وخطّ طريقه في الحياة السياسية ساعياً لأن يصبح نائباً إثر ترشّح ماكرون للرئاسة.
عودة توماس لحضور العيد لن تمرّ على ما يرام، إثر عاملين: أولهما، وجود ستيفان بيانيلي زميل الدراسة اليساري الذي غدا صحافياً له أنف المحققين ذوي الخبرة، ولسان لاذع لا يعرف التكتّم، وللمصادفة تبدو قضية اختفاء فينكا روكويل هاجسه الأهم. وثانيهما، أنّ المدرسة قرّرت ترميم محيطها وتوسيعه، ومن المخطّطات التي أعدّت لها هدم الجمانزيوم حيث دفن توماس الجثة بمساعدة كلّ من ماكسيم ووالده فرنسيس.
خلال ساعات وجوده الأولى في كوت دازور، ستصل إلى توماس رسالة كُتبت فيها كلمة واحدة: الثأر. وسيعلم لاحقاً أن كلّاً من ماكسيم وفاني (صديقة قديمة وعاشقة له) قد تسلّما الرسالة نفسها.
بعد علاقة عابرة تجمعه بفاني، يقع توماس في حب فينكا روكويل، وستجمعهما علاقة وقودها العشق والقلق، هي الصبية اليتيمة التي توفي والداها إثر انفجار طائرة. الفتاة الصهباء، الحلم، المختلفة، المتفرّدة، المعشوقة، حتى من قِبل أستاذها في مادة الفلسفة ألكسيس كليمان. سيكون صعباً على توماس المراهق تقبّل إهمالها له وابتعادها عنه، سيتغير مسار حياته انحداراً، لن يحقق حلم أبويه في أن يصبح طبيباً كأخيه مثلاً، وستتدهور علاقته بهما (أو لطالما اعتقد هذا)، سيعاني مرارة الهجر، ويتذوّق معنى أن يصبح المراقِب غير المرئي، بعدما كان بطل الحكاية. لكنّ الذي لن يقوى على تحمّله هو أن تُخبره فينكا، قبل ساعات من اختفائها، أن ألكسيس «أجبرها على ذلك»، وهي تحمل اختبار حمل يعلوه خطّان، إشارة إلى إيجابية الاختبار. سينفصل توماس للحظات عن واقعه كبشريّ، سيهشّم بمساعدة ماكسيم رأس ألكسيس، وسيُدفن الأخير في الجمانزيوم مساء عطلة عيد الميلاد حيث تكون المدرسة خالية. أما فينكا فستختفي إلى الأبد. وسيشيع خبر اختفاء العاشقَين معاً عنواناً لقصة حبّ، ستصبح أمثولة للأجيال اللاحقة.
يحاول توماس خلال الأيام التي تلي عودته إلى كوت دازور بمساعدة الصحافي ستيفان، أن يستكشفا سرّ اختفاء الصبية. وما بين الصور الفوتوغرافية والروايات الشفهية والمكتوبة، والحقائق والشائعات، والعلاقات المركبة، والتباس الهويات الجنسية، ودهاليز اللغة ما بين التذكير والتأنيث، والأقراص المخدّرة، ستتكشّف الحقائق التي غابت طيلة خمسة وعشرين عاماً، أو ربما منذ أربعين عاماً، وستتلمّس روحُ البطل الملاكَ الذي لطالما حرسه.
عدم الغوص عميقاً في التركيب النفسي للشخوص والتحوّلات التي يحدثها الزمن فيها


رغم أن «الصبية والليل» حققت أحد أهم شروط النجاح، أي الإمتاع والتشويق، إلا أنه يؤخذ على الكاتب الإسهاب في توصيف تفاصيل الأمكنة التي يحلّ بها (يُعرب في تنويه في ختام الرواية عن رغبته منذ زمن بعيد بكتابة رواية تدور أحداثها في كوت دازور حيث أمضى طفولته) على حساب الغوص عميقاً في التركيب النفسي للشخوص والتحوّلات التي تطرأ بديهياً على النفس البشرية خلال خمس وعشرين عاماً، كما يُستغرب تعاون معظمها لصالح الراوي والشخصية الرئيسية توماس لأجل الوصول إلى مبتغاه (سرّ اختفاء فتاة من مدرسة قبل عقود). كذلك تغيب كليّاً التبريرات المنطقية التي جعلت من فينكا شخصية ذات طابع أسطوري لها من لها من التأثير على مجايليها من شبان وشابات، وإن كان لاختفائها ذي الظروف الغامضة حجّة - ضعيفة الشأن - لكلّ الجلبة التي تثيرها على مدى عقدين ونصف. كذلك يؤخذ على ميسو (وعلى الدار التي تنكّبت نقل الرواية إلى العربية) أيضاً عدم التعريف - في الهوامش - بالكمّ الهائل من الشخصيات المستقاة من الواقع (من نساء ورجال مشهورين في عالم الفن والأدب والرياضة وغير ذلك) التي يعمل على طول خطّ السرد على ذكرها وتشبيه شخوص روايته بها، إلى القرّاء الذين قد لا يحيطون علماً بكلّ من ذُكر. إلا أن الجدير بالذكر أن الرواية التي تقع في ثلاثمئة وسبعين صفحة وتكاد تلامس الثلاثين فصلاً يعلو معظمها أقوال لكتّاب آخرين تخدم محتوى الفصل (سبعة عشر فصلاً مرقّماً، وهي الفصول التي أُوردت على لسان توماس) قد تُرجمت بصياغة متينة وجميلة، ودُققت لغوياً بحرفية قد تُنسي القارئ أحياناً أنه أمام نصًّ مترجم.
«الصبية والليل» روايةٌ تستحقّ القراءة لكلّ مهتمّ باللغة الأنيقة، وتماسك التفاصيل، والحبكة المُحكمة المشغولة برويّة، ولكلّ من يستهويه التشويق، والابتسام خلسة حين يظهر ما كان متوارياً خلف غليان الحدث.