لدينا في التراث الجاهلي ثلاث نساء شهيرات يوصفن بأنهن زرقاوات: زرقاء اليمامة، الزبّاء، والبسوس: «كانت اليمامة زرقاء، وكانت الزباء زرقاء، وكانت البسوس زرقاء» (الميداني، مجمع الأمثال).

فمن هاتيك النسوة؟ ولم هنّ زرقاوات؟
في ما خص السؤال الأول، فإن إجابتي الشخصية أنهن إلهات، أو كاهنات لإلهة محددة. أما جواب المصادر العربية الكلاسيكية على السؤال الثاني، فإنهن زرقاوات لأنهن جميعاً بأعين زرقاء: «وهي «زرقاء اليمامة» إحدى الزرق الثلاث أعينها، والزباء، والبسوس» (عبد القادر البغدادي، خزانة الأدب).
هذه إذن هي الخصلة المركزية المشتركة بينهن: كلهن بأعين زرقاء سماوية.
لكن يمكن استخلاص خصال مشتركة أخرى بينهن عبر التعميم. فخصلة تملكها واحدة منهن هي في الواقع خصلة مشتركة، حتى لو لم يقل لنا ذلك بشكل مباشر. وبناء على هذا الفرض، يمكن القول أن الخصلة المشتركة الثانية بينهن هي أنهن متمردات. يظهر ذلك بوضوح من خلال علاقة الزباء التدمرية الطويلة مع زوجها، أو خطيبها، جذيمة الأبرش. فهي تقف نداً له، بل تتصرف كعدو له. وهي بهذا تشبه ليليث الأدب البابلي والعبري. ليليث هذه كانت في الأدب العبري زوجة آدم الأولى التي أرادت أن تعلو زوجها، رافضة أن تكون أسفله. إنها «الرجل» الفعلي.
أما الخصلة الثالثة فهي أنهن كلهن مشعرات. صفة تعكس في ما يبدو تمردهن الذي أشرنا إليه من جانب واحد على الأقل: أنهن مسترجلات بشكل ما. واسم الزباء ذاته يعني المشعّرة، أي غزيرة الشعر: «وأخذ جذيمة فأدخل على الزباء فاستقبلته وقد كشفت عن فرجها، فإذا هي قد ضفرت الشعر عليه، فقالت: يا جذيم، أذات عروس ترى؟ قال: بل أرى متاع أمة لكعاء غير ذات خفر» (الأصفهاني، الأغاني). ويرى ابن الكلبي أيضاً أن اسمها جاء من طول شعرها: «وكان لها شعر إذا مشت سحبته وراءها، وإذا نشرته جللها، فسميت الزباء لذلك» (الدميري، حياة الحيوان الكبرى). يضيف الزبيدي: «الزبّاء:.. لقبت به لكثرة شعرها؛ لأَنّها كان لها شعر إذا أَرسلته غطى بدنها كله، فَقيل لها الزبّاء، كأَنه تأنِيث الأَزبّ للْكثير الشعر» (الزبيدي، تاج العروس). لكن الشعر كان ينبت على جسدها كله في ما يبدو.

إيزيس الزرقاء

وهي في هذا تشبه بلقيس اليمن التي كانت هي الأخرى مشعّرة: «وتزوج بها سليمان ويقال بل زوجها من مقاول اليمن وردها إلى ملكها. قالوا: وكانت زباء هلباء فأمر سليمان فبنوا لها صرحاً من قوارير لتخوضه، فكشفت عن ساقيها وهي تظن أنه ماء حتى رأى سليمان الشعر عليها فأمر فاستخرجوا لها النورة والزرنيخ» (ابن المطهر، البدء والتاريخ). وهكذا عمل سليمان خدعة، فاكتشف أن ساقي بلقيس مشعّرتان. ولإزالة هذا الشعر ابتدعت النورة. وهذا الرابط بين الزباء وبلقيس يسمح لنا بأن نرى في الزباء كاهنة أو إلهة مثل بلقيس ذاتها. وهناك احتمال أن يكون الشعر على أجساد الزرقاوات عائداً إلى أنهن يتمثلن بعنزة. يؤيد هذا أن اسم الزباء هو عنز: «ذكر الجاحظ أنها كانت من بنات لقمان بن عاد وأن اسمها عنز» (الميداني، مجمع الأمثال).
وقد أخبرنا الهمداني أن بلقيس هي المقة اليمنية: «لأن اسم الزهرة في لغة حمير: يلمقه والمق» (أبو عبيد البكري، معجم ما استعجم). وهذا الرأي يضرب من الجذور الرأي الشائع الذي يقول أن المقة إله مذكر هو إله القمر. وهذا الرأي خرافة من خرافات الباحثين الغربيين. بناء عليه، فالمقة إلهة أنثى وهي نفسها بلقيس سبأ. أكثر من ذلك، فإن الهمداني يرى أن أهل الجنوب والمشرق من الكرة الأرضية يرون أن الزهرة هي إسيس: «ولذلك إنهم يعظمون الزهرة ويسمونها إسيس». وليس من شك أن إسيس هنا هي إيزيس المصرية. وإذا كانت الزباء شبيهة بلقيس وإيزيس فهي إلهة مثلهما أيضاً.
المشترك الرابع بينهن أنهن كلهن مشؤومات. فكلهن انتهين نهاية تعسة. فزرقاء اليمامة قتلت وقلعت عيناها. والزباء شربت السم بدل أن تقتل على يد عمر ابن أخت جذيمة صائحة: «بيدي لا بيد عمرو». أما البسوس فهي رمز للشؤم ذاته كما يعرف الجميع. إذا يقال في المثل «أِشأم من البسوس». ويعرف عامة الناس البسوس على أنها ناقة من قصة كليب. لكنها امرأة في الحقيقة: «البَسُوسُ: اسم امرأَة، وهي خالة جَسَّاس بن مُرَّة الشَّيْباني: كانت لها ناقة يقال لها سَرَابِ، فرآها كُلَيْبُ وائلٍ في حِماه وقد كَسَرَتْ بَيْض طير كان قد أَجاره، فَرَمى ضَرْعها بسهم، فَوَثَبَ جَسَّاس على كليب فقتله، فهاجت حَربُ بكرٍ وتَغْلِبَ ابني وائل بسببها أَربعين سنة حتى ضربت بها العرب المثل في الشؤم، وبها سميت حرب البَسُوس، وقيل: إِن الناقة عقرها جَسَّاسُ بن مرة. ومن أَمثال العرب السائرة غيره: وفي الحديث: هو اَشْأَمُ من البَسُوسِ» (جواد علي، المفصل). المشترك الخامس بينهن هو حدة الإبصار. وحدة الإبصار تتبدى في لحظات محددة كحدة بصيرة، أو كقدرة هائلة على التنبؤ بما سيأتي. إنهن متنبئات متكهنات في الحقيقة.
ويمكن القول باختصار أن الزرقاوات طراز من الإلهة المضادة التي لا تتوافق مع المقاييس الاجتماعية والدينية. إنها النسخة السلبية للإلهة.

سودة بنت زهرة
والحق، أن لدينا زرقاء أخرى من فترة نهاية العصر الجاهلي لكنها ليست بشهرة الزرقاوات الثلاث. إنها هي سوداء، أو سودة حسب بعض الروايات، بنت زهرة. وسودة هذه عمة وهب والد آمنة أم الرسول. وكانت سودة هذه زرقاء: «سوداء بنت زهرة بن كلاب وذلك أنها حين ولدت ورآها أبوها زرقاء شيماء أمر بوأدها وكانوا يئدون البنات ما كانت على هذه الصفة» (ابن سيد الناس، عيون الأثر في المغازي والسير).
وكما نرى فقد ولدت هذه البنت زرقاء، أي بعينين زرقاوين، وشيماء. والشيم سواد مع غبرة. من أجل هذا سميت سوداء أو سودة. بذا فاسمها وصف للون جلدها. وكان هذا هو مبرر فعلة وأدها: «وكانوا يئدون البنات ما كانت على هذه الصفة». أما الدميري فيقول لنا إنها كانت «ورقاء» لا «زرقاء». ومن المحتمل جداً أن هذا تصحيف وأن الأصل زرقاء. هذا مع أن الورقة تعني السواد، أي أن الورقاء تعني: الشيماء:
«وذلك أنها حين ولدت ورآها أبوها ورقاء، أمر بوأدها. وكانوا يئدون من البنات ما كان على هذه الصفة. فأرسلها إلى الحجون لتدفن هناك. فلما حفر لها الحافر، وأراد دفنها، سمع هاتفاً يقول: لا تدفن الصبية وخلها في البرية. فالتفت، فلم ير شيئاً فعاد لدفنها. فسمع الهاتف، فعاد إلى أبيها، وأخبره بما سمع، فقال: إن لها لشأناً وتركها. فكانت كاهنة قريش. فقالت يوماً: يا بني زهرة إن فيكم نذيرة تلد نذيراً، فاعرضوا في بناتكم. فعرضوا عليها، فقالت في كل واحدة منهن قولاً ظهر عليها بعد حين، حتى عرضت عليها آمنة بنت وهب، فقالت: هذه النذيرة وستلد نذيراً» (الدميري، حياة الحيوان).
طراز من الإلهة المضادة التي لا تتوافق مع المقاييس الاجتماعية والدينية


إذن، فمن كانت تولد زرقاء سوداء كانت تعتبر شؤماً ما، وكان ينبغي وأدها. لذا يمكن للمرء أن يفترض أن كل الزرقاوات كن شيماوات، أي سوداوات. سوداوات بأعين زرق. وفي الحقيقة فإن هذا يتوافق مع الإلهة إيزيس المصرية التي كانت تصور زرقاء، وتدعى سيدة التركواز بسبب زرقتها، أو سوداء. ومن كانت تولد بهذه الصفة الخَلْقية في الجاهلية كانت تدفن حية. وهذه الحقيقة قد تساعدنا في فهم قضية وأد البنات عموماً. إذ يبدو أن بعض الموءودات كن يدفن حيّات لعاهة ميثولوجية (السواد وزرقة العين) لا لسبب (جندري). بالتالي، فليس الخوف من عار الأنثى هو سبب الوأد كما يزعم الزاعمون، بل هو شذوذ خَلْقِي ما مرتبط بخلفية دينية هو جذر الوأد، على الأقل في ما يخص الزرقاوات.
ومن ناحية أخرى، كنت بيّنت في كتابي «ديانة مكة في الجاهلية: كتاب الحمس والطلس والحلة»، أن بني زهرة، التي منهم سودة، ينتمون لطائفة الطلس، وأن الطلس لم يكونوا يئدون البنات. كما بينت أن الاحتمال الأكبر أن طائفة الحلة لم تكن تمارس الوأد. أما الحمس وحدهم كانوا في ما يبدو يمارسونه. وبناء على هذا يمكن الافتراض أن الوأد كان ممارسة دينية، لا اجتماعية. وعلى هذا، لم يدفن بنو زهرة ابنتهم رغم أنها كانت زرقاء شيماء لأنهم لا يئدون البنات. أكثر من ذلك، فإنه واستنادا لخبر سودة يبدو أن الزرقاوات السوداوات كن يترسمن ككاهنات. فقد نجت سودة من الدفن، عبر صوت إلهي، وتحولت إلى كاهنة.
وظني أن الطلس كانوا من عبدة العزى، في حين كان الحمس من عبدة اللات، والحلة من عبدة مناة. بذا فمن المحتمل أن سودة تكهنت للعزى. وقد تنبأت سودة بأن يكون النبي محمد رسولاً حين قالت عن أمه آمنة: «هذه النذيرة وستلد نذيراً». وكان الرسول قد قال عنه نفسه مرة: (أنا النذير العريان). والنذير العريان طراز من الكهنة المتنبئين لعلّنا نتحدث عنه في مرة أخرى.
وبناء على قصة سودة بنت زهرة، يمكن للمرء أن يفكر بأن الزرقاوات كنّ أمام واحد من مصيرَين تبعاً للطائفة الدينية المحددة:
الأول: أن يوأدن
الثاني: أن يتحولن إلى كاهنات
بذا يمكن للمرء أن يفكر أن الزرقاوات الثلاث ولدن في الأصل زرقاوات شيماوات، وأنهن تحولن إلى كاهنات بدل أن يوأدن.
بناء عليه، يبدو أن ما اعتبر شذوذاً خلقياً (السواد مع زرقة العين) كان هو الذي فتح الباب أمام الزرقاوات كي يصبحن كاهنات لإلهة أنثى. أما زرقتهن وسوادهن فيعكسان زرقة وسواد الإلهة التي يكرّسن لها.

* شاعر فلسطيني