لا بدّ من القول إنني أصبتُ بدهشة عندما سمعت بانضمام الاتحاد القمري (جزر القُمُر) إلى جامعة الدول العربية في عام 1993. إذ لم يسبق لي قراءة أن سكانها من العرب، وهو ما لم نتعلّمه في المدارس. بل إن الاتحاد القمري يقول إن لغاته الرسمية الثلاث هي اللهجة القمرية أولاً ـــ ويطلق عليها صفة لغة ــ والعربية والفرنسية. وهذا العرض يذكرني بلقاء مع ناشر من مدغشقر أبلغني أن العربية كانت اللغة الرسمية في بلادها.

الآن وبعد مرور عقود على انضمام الاتحاد القُمُري إلى جامعة الدول العربية وعدّها دولة عربية أصيلة، ما زالت تلك الدولة أرضاً مجهولة للعرب. إذ لم أعثر على مؤلف عن هذا العضو الجديد يتحدث عن تاريخ البلاد وجغرافيتها واقتصادها وما إلى ذلك من المعلومات العامة. هذا دفعني إلى البحث عن مؤلف مخصّص للحديث عن تلك الدولة وعثرت على ضالتي في كتاب «جزر في بحر كوزموليتاني: تاريخ جزر القمر» لايان ووكر (هورست أند كومباني ـــ لندن ـ 2018). لكن لا بدّ من الإشارة إلى عدم تمكّني من التأكّد من صحة المعلومات كافة، ناهيك بالتحليلات الواردة فيه بسبب عدم توافر مراجع عربية أو غير عربية عن تلك البلاد الواقعة تحت النفوذ الفرنسي. ثمة عمل بعنوان «المفاخر السامية في ذكر تاريخ سلاطين جزر القمر من القرن العاشر ميلادي إلى القرن العشرين ميلادي» من تأليف السيد الشريف هاشم بن محمد بن علي بن أدهم المعلم باعلوي، وتحقيق الدكتور الشريف، الأمين العام لأنساب السادة الهاشميين! ولنا عودة لهذه الألقاب.


يخبرنا الكتاب أن جزر القمر تتكون من أربع جزر رئيسة هي «انجازيجياو» وفي غربيها تقع العاصمة موروني، و«انزواني» و«موالي». أما الجزيرة الرابعة «ماهوري» الواقعة شمالي القناة الفاصلة بين موزمبيق ومدغشقر، فتعد رسمياً جزءاً من الاتحاد القُمُري وإليها تشير النجمة الرابعة في العلم الرسمي، إلا أنها خاضعة للاحتلال الفرنسي، الذي فصل التصويت على الاستقلال على مقاسه وقسمته وفق الجزر ولم يعدها دولة واحدة (فرنسا تعشق مسألة التقسيم عندما يناسبها وعلى سبيل المثال نجدها تقسم معركة واترلو إلى أجزاء بدلاً من الأخذ بنتيجتها هي والحرب التي شنها نابليون وخسرها وانتهى الأمر به للموت في المنفى! – ز م).
هذه الجزر المنسية من الذاكرة العربية بقيت مجهولة بسبب فقر البلاد، لكن يبدو أنها بقيت محافظة على مكانة كبيرة في ذاكرة العرب الجنوبيين وخصوصاً اليمنيين والعمانيين. وهذا يظهر في المؤلف عند الحديث عن شعب الاتحاد القُمُري وهو القسم من المؤلف الذي سنركز عليه لظننا أنه الأكثر جذباً لاهتمام قراء هذا العرض ولأنه يسوغ وصف تلك الدولة بأنها العربية.
مؤلف الكتاب حصل على شهادة الدكتوراه في «جامعة سيدني» الأسترالية في علم الأنثروبولوجيا وعمل في جامعتها، وهو متفرّغ حالياً للتدريس في «جامعة مارتن لوثر» في مدينة هالِه الألمانية. زار إيان ووكر الاتحاد القمري وسجل ملاحظاته الشخصية عن الحياة هناك، وأثرى كتابه بمجموعة خرائط تفصيلية لجزر الاتحاد القمري. كما خصص فصلاً كاملاً عن تركيبة الشعب القُمُري نقتبس منه القسم الآتي: «في الجزر جميعها، هناك مجموعات تدّعي أن أصولها عربية ولها أجداد من نوعين. الأول هو عضوية الشريفي، الذين يدعون أنهم من أحفاد النبي وتشمل هذه المجموعة العائلات التي وصل أسلافها إلى الجزر منذ قرون، مثل بافقيه، كما يفعل أولئك الذين وصلوا في القرن التاسع عشر مثل بن سوميت.
بقيت محافظة على مكانة كبيرة عند اليمنيين والعمانيين


ويلاحظ الكاتب أنه لا يمكن تمييز كثير من هؤلاء الأفراد جسدياً عن أبناء وطنهم، مع أن أولئك الذين وصلوا الجزر مؤخراً قد يكونون ذوي بشرة أقل سماراً، خاصة إذا استمروا في الزواج من المهاجرين الحضرميين. قد يشمل هؤلاء «العرب» ذوي البشرة الفاتحة أيضاً غير «شريفي» مثل عائلة وداني موروني التي يعرف كثير من أعضائها بأنهم من رجال الأعمال الناجحين ولديهم علاقات مع ذويهم في بلدة شبام مسقط رأسهم في حضرموت، وغالباً ما يجلبون الرجال من بلدهم للزواج من بناتهم.
يُنظر إلى العائلات من أصل عربي أحياناً نظرة متناقضة، إذ ما زالت المكابيلة في انزواني، وبدرجة أقل في جزيرة ماهيوت تشكل طبقة أرستقراطية مع أنها فئة متنازع عليها، وأولئك الذين هم من أصل عربي ولا يشكلون بالضرورة اجتماعياً النخبة هناك، لكن يتم احترامهم على نطاق واسع. ننهي عرضنا بذكر تفاصيل محتوى المؤلف وفصوله: السياق: الاجتماعي والجغرافي؛ من الأصول: الأركيولوجيا والتقاليد؛ التاريخ المكتوب: ملاقاة أوروبية، القرن التاسع عشر: من سلطنات إلى مستعمرات، إهمال استعماري ونمو وعي سياسي، استقلال وثورة ومرتزِقة، اتحاد وانفصال ووحدة. أما الفصل الثامن فهو «الشعب القُمُري».

* Islands in a Cosmopolitan Sea - hurst & company, london - 2018