يعتقد كثير من الباحثين أن الزبّاء التدمرية هي ذاتها زنوبيا ملكة تدمر النبطية التي قضى على ملكها الرومان. أنا أختلف مع هذا بشدة. فليس هناك رابط حقيقي بين الملكة النبطية (بت زباي) وبين الزباء الأسطورية في المصادر العربية القديمة. الأولى كان زوجها أذينة، أما الثانية فكان زوجها، وعدوها، جذيمة الأبرش، الذي يفترض أنه حكم الحيرة لا تدمر في صحارى الشام. من المحتمل بالطبع أن ذكريات ما باهتة لزنوبيا النبطية قد اختلطت بالزباء العربية، لكنهما في الأصل كيانان مختلفان تماماً: الزباء وجود أسطوري، وزنوبيا وجود سياسي تاريخي. وترتبط الزباء في المصادر العربية بالأنفاق. إذ يقال أنها قد حفرت نفقاً كي تستخدمه في حالات الحصار، وقد أقيم هذا النفق تحت الفرات، وامتد بين مدينتين أقامتهما الزباء على ضفتي الفرات كما يقول لنا ابن الجوزي نقلاً عن ابن الكلبي: «وابتنت على [...] الفرات مدينتين متقابلتين من شرقي الفرات وغربيه، وجعلت بينهما نفقاً تحت الفرات، فكان إذا رهقها عدو أوت إليه وتحصّنت به» (ابن الجوزي، المنتظم). وحسب بعض المصادر، فإن هذا النفق كان في الحقيقة يصل بين بيتها على ضفة الفرات وبيت أختها زبيبة على ضفته الأخرى: «وكانت قد اتخذت نفقاً قد أجرت عليه الفرات، من قصرها إلى قصر أختها زبيبة» (نشوان الحميري، الحور العين). وقد خدعها قصير، الذي جدع أنفه، أو عمرو بن عدي في رواية أخرى، فاعترفت له بوجود النفق السرّي: «اتخذت نفقاً تحت سريري هذا، يخرج إلى نفق تحت سرير أختي، وأرته إياه» (الأصفهاني، الأغاني). وعلى مخرج ذلك النفق نصب لها قصير، صاحب جذيمة، كميناً أدى إلى نهايتها: «فلما دخلت الإبل القصر، خرج الرجال بأيديهم السيوف فهبت الزباء إلى نفق لها تحت الأرض كانت أعدته للحوادث فوجدت عمرو بن عدي قد كمن على فوهة السرب، فأيقنت بالهلاك، فمصّت خاتمها، وكان مسموماً، وقالت «منيتي بيدي» فذهبت مثلاً» (المطهر بن طاهر المقدسي، البدء والتاريخ). لكن الأهم هو خبر من الجاحظ يقول إن الزباء قد بنت نفقها على غرار أنقاق اليرابيع: «وزعم أبو عَقيل بن دُرُسْت، وشدَّادٌ الحارثيّ، وحسين الزهريّ أن الزباء الروميّة إنما عمِلت تلك الأنفاق... على تدبير اليرابيع في محافيرها هذه، ومخارجِها التي أعدَّتها ومداخِلها، وعلى قدر ما يفجَؤُها من الأمر» (الجاحظ، الحيوان). وانطلاقاً من هذا الخبر، يمكن للمرء أن يفترض أن اليربوع على علاقة ما بالزباء. إنه حيوانها وهي تقلده. أو في الحقيقة إنه هو الذي يقلدها، ويبني أنفاقه على غرار أنفاقها.



ويقال في المصادر العربية أن لليرابيع سبعة أنفاق ينقبها ويخرج من أحدها إن أُتي من الثاني: «أَسماء جِحَرَة اليربوع سبعة: القاصِعاءُ والنافِقاءُ والراهِطاءُ والدَّامَّاءُ والعانِقاءُ والحاثِياءُ واللُّغَزُ» (لسان العرب). لكن يبدو أن القاصعاء والنافقاء هم النفقان المركزيان، وأنهما يرتبطان بعقدة تدعى اللغز يقيم فيها اليربوع: «اللُّغْزُ واللَّغْزُ واللُّغَزُ واللُّغَيْزَى والإِلْغازُ، كله: حفرة يحفرها اليَرْبُوع في حُجْرِه تحت الأَرض... بين القاصِعاءِ والنَّافِقاءِ، سمي بذلك لأَن هذه الدواب تحفره مستقيماً إِلى أَسفل، ثم تعدل عن يمينه وشماله عُروضاً تعترضها تُعَمِّيهِ ليخفَى مكانُه بذلك الإِلغاز» (لسان العرب).
وإذا صح هذا الفرض، فيبدو أنه كان للزباء نفقان اثنان ينطلقان من نقطة واحدة: واحد يوصل إلى ضفة الفرات الغربية، حيث تقيم الزباء، وآخر يوصل إلى الضفة الشرقية حيث بيت أختها زبيبة. ويبدو أن أمر النفقين لا يتعلق بالحصار والحروب في الحقيقة، بل بحدث فلكي له ارتباط بالانقلابات الفصلية. يؤيد هذا خبر أن الزباء كانت «تشتو» في بيت أختها: «كان للزباء أخت يقال لها: زبيبة، فبنت لها قصراً حسناً على شاطئ الفرات الغربي، وكانت تَشْتُو عند أختها، وتَرْبع ببطن النجار، وتصير إلى تَدمُر» (ابن الجوزي، المنتظم). وابن الجوزي يخطئ، أو يخطئ من نقل عنه، في ظني بشأن الاتجاهات. فبيت الزباء هو الذي أقيم على الضفة الغربية، في حين أن بيت أختها زبيبة كان على الضفة الشرقية. وإذا كانت الزباء تشتو في بيت أختها، فهذا يعني أنها كانت (تصيف) في بيتها على الضفة الغربية. أي أنها مع الانقلاب الصيفي تكون غربي الفرات، ومع الانقلاب الشتوي تكون شرقيه.
وهذا في الواقع يشبه ما نعرفه عن الشعرى العبور اليمانية، التي ذكرت في القرآن، وعن أختها الشعرى الغميصاء. فالشعرى اليمانية تقيم على الضفة الغربية لنهر المجرة، أسفل برج الجوزاء، أما اختها الشعرى الغميصاء، فتقيم على الضفة الشرقية في كوكبة الذراع المقبوضة. لذا تسمى الغميصاء بالشامية أيضاً. أختها يمانية جنوبية، وهي شمالية لأن مقامها أقرب إلى الشمال. لكنهما كانتا في الأصل معاً قبل أن تقتسما ضفتي نهر المجرة:
«تزعم العرب في أَخبارها أَن الشِّعْرَيَين أُخْتا سُهَيْلٍ وأَنها كانت مجتمعة، فانحدَرَ سُهَيْلٌ فصار يمانيّاً، وتَبِعَتْه الشعرى اليمانية، فعَبَرت البحرَ [نهر المجرة] فسُمِّيت عبُوراً، وأَقامت الغُمَيصاءُ مكانَها فبَكَتْ لِفَقْدِهما حتى غَمِصت عينُها... وتقول العرب أَيضاً في أَحاديثها: إِن الشعرى العَبور قطعت المَجَرَّةَ فسميت عَبُوراً، وبكت الأُخرى على إِثْرها حتى غَمِصَت فسميت الغُمَيصاء. وفي الحديث في ذكر الغُمَيصاء: هي الشعرى الشاميّةُ وأَكبرُ كوكبي الذراع المقبوضة» (لسان العرب).
والحال أن الشعرى العبور، التي هي نظير إيزيس المصرية، تظهر على الضفة الغربية لنهر المجرة في نهاية حزيران من كل عام. وظهورها هو بداية الصيف منذ القدم. وهي تظهر بعد غياب يدوم 72 يوماً. ويبدو أن فترة الغياب هي فترة عبورها النفق المعتم تحت نهر المجرة. فهي تكون في فترة غيابها في الشتاء عند أختها الشعرى الغميصاء، ثم تغادر إلى الضفة العربية لنهر المجرة. رحلة المغادرة هذه تستغرق 72 يوماً تكون الشعرى العبور فيها مختفية. اختفاؤها مُثّل كعبور لنفق تحت نهر المجرة قبل أن تصل إلى الضفة الغربية. وحسب المصادر العربية فـ«الشعرى يقطع السماء عرضاً... والعرب تسميها: العبور لأنها تعبر السماء عرضاً» (ابن الجوزي، المنتظم).
الزباء وجود أسطوري، وزنوبيا وجود سياسي تاريخي


إذن، فثمة ما يوحي بأن الزباء والشعرى اليمانية أسطورة واحدة باسمين اثنين. فكل منهما تقيم على الضفة الغربية، لكنهما تقضيان الشتاء عند أختين لهما على ضفة النهر الشرقية. وهما تعبران النفق بين الضفتين ذهاباً وإياباً. والفارق الزباء وزبيبة وبين الشعرى اليمانية والشعرى الشامية، هو اسم النهر. فهو مع الزباء وأختها يدعى الفرات، ومع الشعرى وأختها يدعى نهر المجرة. بذا فالفرات هنا هو في الواقع اسم آخر لنهر المجرة. أي أننا مع أحداث فلكية هنا لا مع أحداث سياسية تاريخية.
ويمكن القول إن إيزيس المصرية وأختها نفتيس نموذج مصري من هاتين الأختين:
الزباء زبيبة
الشعرى اليمانية الشعرى الشامية
إيزيس نفتيس
ونريد أن نقدم فرضاً أبعد من هذا بكثير، وهو أن مدينتي الزباء وأختها على الفرات على علاقة ما بجنتي أهل سبأ، أي جنتي قوم بلقيس، اللتين ورد ذكرهما في القرآن الكريم: «ولقد كان لسبأ في مسكنهم آية؛ جنتان عن يمين وشمال. كلوا من رزق ربكم واشكروا له؛ بلدة طيبة ورب غفور. فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم، وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وشيء من سدر قليل» (سبأ 15-16).
جنتان عن يمين وشمال: أي عن يمين مجرى الماء، أو نهر المجرة، وشماله. وبالمناسبة فإن بلقيس كانت زباء، أي مشعّرة، مثلها الزباء صاحبة جذيمة. أكثر من ذلك فإن اسم «الشعرى» ربما إشارة إلى الشعر الكث. لكن من المحتمل أنه يشير إلى الشعير أيضاً. والشعير بسنبلة تبدو مشعّرة بل وكثة الشعر.
فوق ذلك، فنحن نعرف أنه كان لأيوب ثلاث بنات، الوسطى منهن تدعى قصيعة: (وكان له سبعة بنين وثلاث بنات. وسمى اسم الأولى يميمة واسم الثانية قصيعة واسم الثالثة قرن هفوك ـــ أيوب 42: 14، دار الشرق الأوسط للكتاب المقدس). الاسم الأوسط يذكر بنفق اليربوع (القاصعاء). بذا يمكن الافتراض أن «قصيعة» سفر أيوب هي التي تختفي في النفق أو تقيم فيه في لحظة ما ثم تعبره: «قَصَّعَ الرجلُ بيته إِذا لزمه ولم يبرحه؛ قال ابن الرُّقَيّاتِ: إِنِّي لأُخْلي لَها الفِراشَ، إِذا قَصَّعَ في حِضْن عِرْسِه الفَرِقُ. والقُصَعة والقُصَعاءُ والقاصِعاءُ: جُحْر يَحْفِره اليَرْبُوعُ، فإِذا فرغ ودخل فيه سدّ فمه لئلا يدخل عليه حية أَو دابة» (لسان العرب).

* شاعر فلسطيني