في 11 آذار (مارس) 2011، حطّم مقاتلو «طالبان» بفؤوسهم تمثالَي بوذا العملاقين في باميان في أفغانستان. في النهار ذاته ستنقلب رأساً على عقب حياة حمّال للماء في كابول، وحياة موازية لمهاجر أفغاني آخَر ما بين باريس وأمستردام. الإطار الزمني لرواية عتيق رحيمي (1962) الجديدة «حَمّالو الماء» الصادرة بالفرنسية (دار P.O. L) سيتحدد في هذا النهار الاستثنائي الموصوم بـ«هزيمة التاريخ». من جهة، يسمع توم في باريس صوت المطر يقرع النوافذ: لقد قرر أن يهجر امرأته ويستقلّ سيارته عند الفجر وهو يدندن مع بوب ديلان one more cup of coffee for the road ليلاقي امرأة أخرى في أمستردام. ترك توم أفغانستان في عمر العشرين ليحارب بكل قواه أي نوستالجيا تشده إلى الخلف، حتى لغته الأم و«هو الآن متنكر بزيّ مواطن فرنسي». في كابول، في الصباح ذاته، لا يرغب يوسف في هجر مرقده والابتعاد عن شيرين، امرأة أخيه المكلَّف بحمايتها وقد شغفته حباً، هو الممزق ما بين الرغبة والواجب. يعمل يوسف حمّالاً للماء في هذه المدينة الجليدية والظامئة، ويخشى في كل حين أن يرزح تحت سياط مسلحي «طالبان» إن هو تخلف عن الصلاة في المسجد من أجل الذهاب إلى عين الماء التي يعرفها وحده. لكنه «ساقي العطاشى» كما يسميه صديقه الهندي لالا باهاري. في روايته الجديدة، يستعيد عتيق رحيمي ثيماته الأثيرة كما عودنا في «حجر الصبر» و«مجنون دوستويفسكي»: التراجيديات الكبرى في التاريخ، قساوة البشر، أوجاع الهجرة غير الشرعية والتخفي وتمزق الأوطان وتشظي الهويات ليتناوب السرد على لسان البطلين وتجري الأسئلة الكبرى على لسانيهما في يوم واحد تتركز فيه الأحداث الجسام ويتم استعراض العالم النفسي والاجتماعي للشخصيات في كتابة شديدة الدقة يكاد كل حرف منها أن يكون حاسماً. سيعي كل من يوسف وتوم ماهية الرغبة التي تجتاحهما وسط عالم يضج بالكذب والخيانة والصمت.

من جهة، يقول المهاجر إن الزنا هو «تمرد حميم ضد النظام التوتاليتاري للتوحيد في الزواج»، بينما يعتبره حمّال الماء «جريمة أشد من الكفر» يمكن أن تعرضه للرجم أمام الملأ في استاد كابول لكرة القدم. الجسد لدى كل منهما سيكون بمثابة المطهَر الذي يجب عبور رغباته لتحصيل الوعي بالذات والكون، وسط عالم يتداعى وثقافة تتهافت. عند مهبط الليل، يكف توم عن سؤال نفسه عن هويتها، ليعود إلى مناداتها باسمها الأصلي: «تميم». كما يكف يوسف عن استهوال قدره بالتخفف من كل الأشياء، فيما تستمر في الخارج حفلة الجنون الكبرى للأديان والتقاليد والأفكار والهويات... الحفلة التي ستتوج بعد أشهر قليلة بمشهد الطائرات تنقضّ على برجي التجارة العالمية وجنود المارينز الذين سيجتاحون العراق وأفغانستان. «يمكننا أن نعطي للناس كل الحرية للكتابة أو السماع، لكن إن لم يكن الجسد حراً، فلا طائل من ذلك. سيبقى هناك نوع من الرقابة، يجب أولاً أن نوجد هذه الحرية الداخلية لكي نكتب بحرية» يقول رحيمي في إحدى مقابلاته. في سعيه لهذه الحرية، يدس الروائي الأفغاني المقيم في فرنسا كعادته في ثنايا كل عمل جديد سيلاً من الأسئلة حول القضايا الكبرى التي تشغل العالم السياسي والثقافي اليوم، هي أشبه بباقة من الثنائيات والبارادوكسات الصعبة حول الاندماج والتسامح والتعصب والمحبة والبغضاء. أسئلة الروائي المتوج بجائزة «غونكور» (2008) الذي يحلّ الشهر المقبل على بيروت ضمن معرض الكتاب الفرنكوفوني، لن يجد لها القارئ أجوبة كاملة بالضرورة داخل العمل الروائي نفسه. لكنها، وهنا تكمن أهمية أعمال رحيمي، محفزات لكسر الرقابة على الفكر لأننا بحسب قوله «تأسسنا على ثقافة شعرية تسمح لنا رموزها واستعاراتها بالمواربة في قول الأشياء، ومن هنا غياب التقليد الروائي في بلداننا». تقليد يضع فيه رحيمي بصمَته التأسيسية بتؤدة وثبات على طريقة كرّة السبحة في رائعته «حجر الصبر».