الأولى:

فوق العشب اليابس وأوراق الصنوبر الذهبية كان يسير إلى غير وجهة. يمر حبيبان فتنقدح الخاطرة: أنا كائن لا مرئي. لماذا لا يصوبان إليَّ نظراتهما؟ سأل متشفعاً ربّه. لمَ لا يحثان الخطى لينطويا في عزلتهما عن مرأى الغرباء الذين يثقبون بنظراتهم ستاراً يغزله المحبون فلا تنفذ إليهم الدواخل؟ وعلى سجيته في الحكم على نفسه بإبرام قال مجازفاً: أنا لا مرئي. كان ذلك موحشاً إلى حدٍّ لا يطاق.

الثانية:
ذاك الصباح ركن السيارة دون إضاعة وقت وتوتر، فالمرأب خال إلا من سيارات قليلة. دخل مبنى الشركة فذهله غياب فاطمة؛ موظفة الاستقبال التي يطرب لوجودها من غير أن تبادله بأيّ اهتمام يُذكر. صعد إلى مكتبه، حرك قبضة باب المكتب فلم ينفتح. بدأ القلق يتملكه: ما الذي يحدث؟ القلق هذا حجب عن أذنيه خطوات العم أحمد الذي وقف خلفه وقال: لم يبلّغوك بالإجازة؟

اريك سان جورج ـــ «يأس» (38.1 × 10.2 × 7.6 سنتم ـــ 2016)


الثالثة:
سأله البقّال: أنت متأكد من أن لي عليك ديناً؟ هزّ صاحبنا رأسه.
-لكنني لا أذكر ذلك. حقاً، أنت رجل شريف. أطارد زبائني ليسددوا جزءاً من المستحقات وأتحول إلى رجل كريه يأنفونه. يتوقوني كما لو أني أريد تشليحهم يا رجل! وها أنت لا يفوتك أن تسدد عشرة آلاف ليرة كنتُ قد نسيتُ أمرها.
قبض البقّال على يد الرجل وصافحه بحرارة. لكن برودة مخدّرة كانت تسري في عروق صاحبنا.

الرابعة:
اكتشف صاحبنا أن ابن عمه رزق بطفلة ساحرة. حين صادفه اليوم في قاعة انتظار الأطباء، يحمل طفلة كالتفاحة سأله: ابنة من هذه الحلوة؟ رماه ابن عمه بنظرة حادة أصابته بذعر. وقد انتهى الموقف بعتاب وأشجان لا أعرف كيف جرت على صاحبنا دفعة واحدة فأحمّته. لكن الحق معه: من أين سيخبر أن ابن عمه رزق بطفلة وهو أبعد ما يكون عن أخبار الأقرباء.

الخامسة:
اليوم حدث ما لم يكن متوقعاً. مفاجأة أقرب ما تكون لنهايات القصص الهابطة. لقد أعاد صاحبنا النظر بالأفكار التي تملكته لشهرين متعاقبين ودفعته لأن يعتقد بأنه كائن لا مرئي، وذلك إثر اتصال واحد لا غير. من كان ليتوقع ذلك؟
-آلو. أنا نسرين من بنك (..) أتصل لأذكرك بالدفعة المستحقة نهاية هذا الشهر.
- (صمت)
-أستاذ هيثم طبريه، أنت على الخط؟

* لبنان