وُلِد الشاعر والمفكر كينيث وايت في غلاسكو عام 1936 لعائلة بروليتارية كانت تتميز في التقليد الاسكتلندي الجيد بوعي سياسي وثقافي. كان في الثالثة من عمره عندما انتقلت عائلته إلى ساحل المحيط الأطلسي جنوب غلاسكو في قرية فيرلي الصغيرة، حيث عاش طفولة ومراهقة سعيدتين متجوّلاً خلالهما بمفرده على الشاطئ وفي المناطق النائية المشجرة. هناك، أمضى وقته في انسجام مع العالم الطبيعي، والأشجار، والحجارة، والحيوانات، وخلق طقوساً سيكتشف لاحقاً أنها ديانات طبيعية مثل الشِّنْتُو الياباني؛ كان يمارس الشَّمَانِية تلقائياً، يقرأ كثيراً ويكتشف أولئك الذين سيصبحون «رفقاء سفره» الرئيسيين كرامبو، وويتمان، ونيتشه، فيما اكتشف في الوقت نفسه النصوص العظيمة للهندوسية والبوذية. عاد إلى غلاسكو لِيَدْرُسَ في الجامعة — الفرنسية، والألمانية، واللاتينية والفلسفة — مما دفعه إلى البقاء في ألمانيا حيث واصل قراءة نيتشه، ونوڤاليس، وهولدرلين، وريلكه وهايدغر، وبعدها في فرنسا، بلاد سيغالين، وبروتون، وآرتو، ورامبو. كان طالباً متمرّداً ولامعاً. في عام 1963، أصبح أستاذاً مساعداً في جامعته، وعلى مدى السنوات الأربع التالية قام بتدريس موسوعيي القرن الثامن عشر والشعراء الفرنسيين في القرن العشرين. نشر في لندن مجلّدين من القصائد، النسخة الإنكليزية من «رسائل من غورْغونِيل»، ومجلّدين من ترجمته لقصائد أندريه بروتون، بما في ذلك قصيدته «نشيد إلى شارل فوريي». وبسبب معارضته الاتجاه الذي اتخذته بريطانيا في مجال النشر والتعليم والمشهد الثقافي بشكل عام، استقال من منصبه بعد أربع سنوات، وعاد في عام 1967 ليستقر في فرنسا مع زوجته ماري كلود، التي أصبحت مترجمته الرئيسية (يكتب مقالاته باللغة الفرنسية ولكنه يظل مخلصاً للغة الإنجليزية السحرية بسبب نثره القصصي وشعره). استقرّا أولاً في پُّو، ثم في منطقة بريطانيا الفرنسية في عام 1983، بالقرب من تْرِيُبورْدَن، في كُوتْ دَارْمُور. عندما عاد كينيث وايت إلى فرنسا تلك السنة، شغل منصب محاضر، وهو موقع هامشي خصوصاً بالنسبة إلى الأطروحة المميزة التي أعدها حول «الترحال الفكري»، وناقشها عام 1979 أمام لجنة علمية (كان جيل دولوز أحد أعضائها). في عام 1983، عُرض عليه كرسي شعراء القرن العشرين في جامعة «السوربون» حيث قدّم بعض الشعراء الأنكلوفونيين في القرنين التاسع عشر والعشرين، وخاصةً الأميركيين الذين كانوا، بشكل أو بآخر، قريبين منه (والت ويتمان، ويليام كارلوس ويليامز، ولاس ستيفنز، غاري سنايدر) ليرسم حولهم خريطة ثقافية، كما أنه أدار حلقة دراسية طوّر من خلالها، بكل حرية، الموضوعات المختلفة لرحلته الفكرية. إلى جانب إلقاء المحاضرات والقراءات الشعرية في فرنسا والخارج، واصل كتابة ونشر النثر، والسير ذاتية، والمقالات والأشعار، بعضها مما نال عنها جوائز مرموقة، بما في ذلك «جائزة ميديتشي للأدب الأجنبي» عن كتابه «المَحَجَّة الزرقاء» (1983)، والجائزة الوطنية الكبرى من الأكاديمية الفرنسية (1985). قرّر عام 1996 الانسحاب من الجامعة للتفرغ بالكامل لإبداعه، ولتطوير «المعهد الدولي للجيوپوِيتيكْ» الذي أسّسه في باريس عام 1989، وفتح له فروعاً في بلدان عدّة بهدف تأسيس علاقة جديدة بين الإنسان والكون، إذ يقول وايت «ليس التواصل بين الإنسان والإنسان هو الأهم، بل التواصل بين الإنسان والكون، اجعل الناس على اتصال مع الكون، وسوف يتواصلون مع بعضهم البعض». من بين أعمال كينيث وايت، مجموعاته الشعرية «أرض الألماس» (1983)، و«ضفاف الصمت»، (1997)، و«حدود وهوامش» (2000)، و«الممر الخارجي» (2005)، ومؤلّفاته النثرية «المحجة الزرقاء» (1983)، و«الفكر الرحال» (1983) فضلاً عن «حوار مع دولوز» (2007)؛ و «هضبة القطرس: مدخل إلى الجيوپويتيك» (2018).




-1 فتاة المعرفة
الجسد الأصفر الذي أعشق [أغنية شعبية، لاوس]
الآن الفضاء الفسيح
هو كل شيء من حولي 
وأنت زهرة ذهبية 
بداخلي 

فن الشرق الذي درسته 
هو لحمك وعظامك 
ومنحنى عينيك 
لسانك ونغماته 

في حضرة نهديك العاريين 
يفقد الدين كل حقيقته 
وفي نعومة بطنك الجميل 
تتحقق الفلسفة.
[ضفاف نهر الميكونك]
 
-2 الفيلسوف على الشاطئ
الفيلسوف الباروكي
يمشي على الشاطئ الصخري
يتحدث إلى نفسه
مثل سحلية مختلة
يراقب خرشنة متموجة
ويفكر: شوبنهاور...
يلمح طائر الجنة
ويصيح: نيتشه!
يقيس موجات دماغه
طوال فترة ما بعد الظهر
يضع الميتافيزيقا في مشروب الجِّنْ
عندما تغرب الشمس
عندما تكون الشمس الوجودية
ينام.

-3 الجمال في كل مكان
الجمال في كل مكان
حتى 
في البيئة الأكثر بشاعة وعدائية

الجمال في كل مكان 
في منعطف زاوية 
في عيون 
وعلى شفاه 
شخص غريب
في أكثر المناطق فراغاً 
حيث لا مكان للأمل 
حيث الموت فقط
لدعوة القلب 

الجمال في كل مكان
إنه يظهر
غير مفهوم
متعذر التفسير
إنه ينشأ وحيداً وعارياً 
وما يجب علينا أن نتعلمه هو
كيف نستقبله 
فينا.

-4 أمسية فكرية
تصبح الفكرة امرأة [نيتشه]
لقد قرأت الكثير من الأدب الهندوسي
على مدى السنوات القليلة الماضية
ما يُقارب مائة كتاب مدروس جيداً
ولكن عندما وقفت هناك مع الفتاة
ذات الساري الأزرق الداكن
وربما كان من المتوقع
في هذه الأمسية الفكرية
إجراء محادثة رائعة
كان كل ما كنت أفكر فيه
هو الساري الأزرق الداكن
و عُرْيُّهَا تحته.

-5 الوادي الأبيض
قليلة هي الأشياء التي يمكن رؤيتها في هذا الوادي
بعض الخطوط، والكثير من البياض 
إنها نهاية العالم، أو هي بدايته
ربما تراجع جليد العصر الرباعي 
حتى الآن
لا حياة، لا ضجيج للحياة
لا طائر، ولا أرنب حتى 
لاشيء
غير أنين الريح 
ومع ذلك تتحرك الروح هنا بسهولة 
تتقدم في الفراغ
تتنفس
وخطا بِخَطٍّ
شيء مثل الكون 
يتشكل 
دون حاجة إلى قول الكثير 
دون كسر رحابة الصمت 
تكتماً، وسراً 
أحدهم يقول 
أنا هنا 
هنا، أبدأ.

-6 إقامة مبهمة
لقد أفرغت هذه الغرفة
من كل شيء ما عدا بعض الصور
لم يبق شيء تقريباً 
جناح نورس 
كتلة حجر جليدي 
صورة فتاة عارية 
وداخل هذا الفراغ 
ترقص كينونتي.

-7 جدران غرفة قديمة
على الجدار الأول 
كان هناك رسم لهوكوساي

على الثاني
كانت هناك صورة سينية لأضلاعي

على الثالث 
كان هناك اقتباس طويل لنيتشه 

على الرابع 
لم يكن هناك شيء على الإطلاق —
هذا هو الجدار الذي عبرته 
قبل وصولي إلى هنا.

-8 نَفْيُ سِينِيكَا
هناك رؤوس ورؤوس
(لقد عرفت القليل منهم)
كان هذا هو الأبعد

كنت في المنفى
(يحدث هذا لأفضل الناس)
لأنني كنت قد أَغْوَيْتُ
(تلك كانت الكلمة التي استخدموها)
ابنة أخت الإمبراطور

صخرة رمادية بيضاء
تجول الماعز —
رائحة الزعتر البري
لا تهمل أجبان ومحار أَلِيرِيَّا
حيث لا يزال بإمكانك سماع اللغة اليونانية

هناك كتبت كتاباً تلو الآخر

أنا الذي تدرب
على الفلسفة والخطابة
شعرت الآن بالانجذاب إلى الجيولوجيا
و— على نحو غريب — إلى الأرصاد الجوية

تَكَهَّنْتُ بالسحب
تأمّلت على شاطئ البحر
قرأت الخطب في الحجارة

العديد من هذه القصائد
(هل كانت إشارة صوفية أم مجرد يَأس؟)
دفنتها تحت الخَلَنْجِ
بجانب برج المراقبة القديم
حيث لا شك أنها لا تزال هناك

في وقت لاحق كتبت هِجَاءً عن الإمبراطور:
كْلاَوْدْيُوس اليَقْطِينِي
(كان الأدب الهزلي كل ما يمكن أن تقبله روما)
واصفاً وصوله في الجنة
ويَقْطَنَتهُ الإلهية
لاحقاً مرّة أخرى
كنت مدرساً لقاتل أحمق
الدُّوتْشِي، نيرون
ولكن هذه صفحة من التاريخ أفضل أن أنساها

أَطَعْتُ الأمر لفترة من الوقت
وفي النهاية انتحرت
في سن التاسعة والستين.

-9 رسالة من أمستردام
Vagorum scolarium itinerarium
[مسار العلماء العابرين]
إنها تمطر
لقد كانت ثمانية أسابيع طويلة من المطر الأسود
وكنت جالساً في هذه الغرفة الفارغة
أستمع إلى المطر
إنها أوروبا المطر
(كل هراء أوروبا جرفه المطر)
وإذا كنت أتحدث عن أوروبا
فلأنني أفكر في الهند
أنظر إلى صورة
مقطوعة من صحيفة
مثبتة على حائطي:
صورة امرأة
امرأة هندية
امرأة منبوذة
وجهها الداكن، الداكن جداً
مضاء بابتسامة
ابتسامة عارية جداً
الضحك الأبيض لِشِيڤَا !

الأيام الأخيرة للأكاديمية
بأمر مسيحي
أُغْلِقَت الأبواب

لذلك لجأ
هؤلاء السبعة الأواخر
إلى المنفى

دَامَاسْيُوس السوري
سِيمپْلِسْيُوس القِيلِيقِي
يُولاَمْيُوس الفْرِيجِي
هِيرْمِيس ودْيُوجِين، الفينيقيان
وإِزِيدُورُوس، الذي كان من غزة

ذهبوا أولا إلى بلاد فارس
ثُمَّ تَفَرَّقُوا
كل واحد منهم،

يتقدم وحده في الفراغ.
(أثينا، القرن 6م)

-10 كَافِيه دُو مِيدِي
Lo cors a fresc, sotil e gai1
[جسدها المبتهج، نحيل وغضّ]
جالس هنا
في الظل
مع الأدب

أرى ميراي
جمال حادٌّ
يعبر الساحة

يا ليل
من فضلك أحضرني
إلى جسدها العاري.

عقاراتي
[تَحَايَا لهنري ميشو]
أنا نفسي مالك أرض في النهاية —
لدي اثنا عشر فداناً من الصمت الأبيض
في الجزء الخلفي من جمجمتي.