كتب الانثروبولوجي والفيلسوف الفرنسي جيلبير دوران محللاً الأبعاد الرمزية للمنزل وأقسامه، فقال: «يشكل المنزل إذن، بين عالم الجسم البشري والكون الكبير، مصغراً ثانوياً للعالم، منطقة وسطى يبدو شكلها وموقعها مهيمناً جداً في التشخيص النفسي والاجتماعي، حتى أننا نستطيع القول: قل لي ما هو المنزل الذي تتخيله، أقل لك من أنت». إن هذه النسبة بين عالمنا الخاص والفردي وبين العالم الأوسع، تشكلها العمارة حيناً وتعكسها حيناً آخر. فهي – أي العمارة - أبعد من التقنية وأكثر عمقاً من الملامح الجمالية. إنها بالتحديد الحبل السري الذي يصلنا بالعالم الذي نحيا فيه».



هذا بالتحديد ما يتبناه ويدافع عنه المعماري اللبناني والمعلِّم رهيف فياض في كتابه «نبض المدينة» (دار الفارابي ــــ 2019) الذي يضم بين دفتيه 12 مقالة سبق أن نُشرت في صحيفة «الأخبار»، وجاءت موزعة على أربعة أقسام.
يقدّم صاحب «وعي المكان» (2004)، في كتابه هذا، مرافعةً محكمة عن الأصالة العمرانية والإنسان، في مواجهة التمزيق والتقليد والتشويه والتغريب غير المبرر. يكتب فياض بتلقائية وعفوية ناقداً، متبرماً، غاضباً، ساخراً. كأنه يريد أن يجرب كل الأساليب الكتابية من أجل إيضاح حجّته. الإنسان عند رهيف فياض هو مركز طروحاته ومقارباته. ولذلك نجده يرفض كل إعمار لا يراعي ثقافة هذا الإنسان وحاجاته وتاريخه، سواء في بيروت التي «مزقها الإعمار» حتى صارت «بلا مركز، بلا قلب.. مجموعة أحياء»، أم في حلب المدمّرة التي يقلقه أن تلقى المصير نفسه، فتخسر روحها ونسيجها الاجتماعي. وبين بيروت وحلب، مقاربات نظرية وعملية تدفعنا للتأمل في المصير الذي قادنا إليه تقليدنا للحداثة العمرانية الغربية، وتخلّفنا عن إيجاد حداثتنا الخاصة أو على الأقل، الاستمرار في «المقاومة» حتى لا نصل إلى ما وصلنا إليه من انتصار للحضارة الكونية على حساب المحلي الخلّاق.
يضيء الكاتب على التشويش الذي يصيب مدننا وعمراننا، ويدفع إلى عزلة تصيب الجنس البشري بمقتل. يقول إن «بيروت» تقع في «اللامكان». حدودها غير معروفة: تتسلق الجبال، تتمدد في البحر.. بفوضى. مدينة لا يمكن فهمها. مدينة بلا سياسة مقاومة، لأن سياسة المقاومة لا يختزنها إلا المكان، الذي يعيد التوازن بين الثقافة والطبيعة، بين المرئي والملموس. لكن «اللامكانية» ليست قدراً وإنما صناعة، أي أنها نتاج إرادة متغطرسة، وهي لا تقتصر على المدن بل قد تواجه الشواطئ والمعالم الطبيعية تماماً كما تواجه الشواطئ اللبنانية الشمالية. وما أشد الصلة بين «اللامكان» وفقاعات العزلة التي ينتجها الإفراط في استهلاك التكنولوجيا والتجهيزات المنزلية «الذكية»، وحصر الإنسان في مجال مديني لا وجود فيه للحيز العام خارج المتاجر ودور السينما والمطاعم، أي خارج محركات عجلة الاستهلاك الأناني.
مرافعة محكمة عن الأصالة العمرانية والإنسان


لكن أنستسلم للحروب المتتالية، و«للإصرار الكولونيالي على نزع الهوية العربية الإسلامية، واستبداها، بنوع من التغريب الفج»؟ هل نتخلى عن كل مقاربة محلية نقدية لصالح مدن لا مسام في جلدها، تتخطى حدودها، ولا تعبأ بالمعطى الطبيعي، وتتفنن في مناطحة السماء وفي تدمير تراثها العمراني ومحو ذاكرتها؟ لا، يجيب المعماري المجرِّب: «علينا أن نحمي بعضَ الجيوب المبنيَّة الجميلة، المقاوِمة». من أجل ماذا؟ أيكون حنيناً ساذجاً؟ يفصِّل الكاتب في دواعي الحفاظ على التراث ـــ الذي قطعنا الاستعمار ثم أسقط فوقه تنظيماً مغرِّباً ــــ ويتبنى موقفاً مدافعاً عن القيم الاجتماعية والثقافية والتعليمية الحاضرة في تراثنا العمراني الشرقي. موقف يعكس سعي الكاتب لفتح فنون العمارة على مدى أخلاقي وثقافي أوسع، وتخليصها من التقانة التي تحوِّل المعماري إلى آلة صغيرة في معمل الرأسمالية الكبير. الكتاب مدخل ممتاز لفهم مشاغل رهيف فياض المتعددة والملتزمة. سلس، واضح، وأنيق.