نشرت في ملحق «كلمات» السبت الماضي (31/08/2019) نقشاً كُتب فوق مغارة قرب مدينة جبلة في شمال سوريا، يقول: «أنا محمد رسول الله». وقد افترضت أن هذا توقيع النبي محمد بخط يده في إحدى رحلاته التجارية إلى بلاد الشام. وإذا صح هذا، فسوف يكون لهذا النقش أثر كبير على فهمنا لبدايات الإسلام، وعلى إداركنا للتجربة السياسية للرسول في بدايات بعثته. أكثر من ذلك، فهو سيؤثر على فهمنا لبعض الأحداث التاريخية المشار إليها في القرآن، وعلى موقف الإسلام في بداياته تجاه المحاور الدولية القائمة وقتذاك، وبشكل محدّد موقفه من الصراع بين الفرس والروم البيزنطيين.

وإذا أردت أن أكون أكثر تحديداً، فإن هذا النقش يبدو كأنه على علاقة بسورة الروم في القرآن، وعلى الأخص الآيات الأولى فيها: «ألم. غلبت الروم. في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون. في بضع سنين الأمر لله من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون. بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم» (الروم 1-5). بل إن هذه الآيات تبدو كما لو أنها نتاج رحلة الرسول التجارية التي خط فيها توقيع على باب تلك المغارة في جبلة السورية.
وهناك، كما نعلم، اختلاف ما حول وقت نزول سورة الروم. فهناك خبر يقول إنها نزلت بمكة، وآخر إنها نزلت في الهجرة إثر معركة بدر. لكن الغالبية الساحقة ميالة إلى الخبر الأول، أي إلى أن السورة مكية. وكما هو معروف، فإن كلمة «غلبت» في الآية رقم 2 يمكن أن تقرأ بضم الغين (غُلِبتْ)، أو بفتحها (غَلّبتْ). والقراءة بالضم تعني أن الروم هم من هزموا في المعركة المحددة، وأن المسلمين حزنوا لذلك. أما القراءة بالفتح، فتعني أن الروم انتصروا وأن هذا ما أكرب المسلمين الذين كانوا يودون انتصار الفرس. الاتجاه الأول هو السائد بالطبع. لكنني كنت شخصياً ميالاً في وقت ما إلى أن قراءة الكلمة يجب أن تكون بالفتح، أي إلى أن المسلمين كانوا يرغبون في انتصار الفرس. لكن توقيع الرسول على باب مغارة جبلة أثبت خطأ ميلي هذا. إذ يبدو لي الآن أن سورة الروم تتحدث بالفعل، وكما ترى الغالبية، عن واحدة من المعارك التي هزم فيها الروم البيزنطيون في بلاد الشام بين عامي 613-614.

توقيع الرسول في جبلة

وكنت قد قدرت في المادة السابقة أن نقش مغارة جبلة كتب بيد الرسول قبل الهجرة، أي في الفترة المكية، وفي توقيت يقع ما بين 610-616 ميلادية. لكنني حين فطنت إلى احتمال ارتباط رحلة الرسول وتوقيعه بسورة الروم، جعلني قادراً على تحديد السنة التي كتب فيها النقش بدقة. فقد انتصر الفرس على البيزنطيين قرب درعا (أذرعات) عام 613 ميلادية، ودخلوا دمشق منتصرين في ذلك العام. ثم استولوا بعد ذلك على القدس (إيليا) عام 614 ميلادية. بذا يمكن الافتراض أن توقيع الرسول على صخرة مغارة جبلة كتب بين هاتين السنتين. أكثر من ذلك، يبدو لي أن رحلة الرسول التجارية التي كتب خلالها النقش كانت قد بدأت قبل دخول الفرس دمشق، وربما قبل اندلاع النزاع بين الطرفين في سوريا بفترة قصيرة. ذلك أنه ما كان بإمكان قوافل مكة أن تسير إلى الشام لو أنها علمت بوقوع الحرب بين الفرس والروم، أو أن الفرس على أبواب دمشق. لذا، فالمنطقي افتراض أن الرسول كان قد وصل إلى الشام قبل دخول الفرس دمشق، بل وقبيل اندلاع الحرب ذاتها في عام 613.

توقيع الرسول في جبلة
وإذا صح هذا، فإنه قادر على أن يفسر لنا سبب وجود توقيع الرسول في جبلة في شمال سوريا، وقريباً من الساحل. فالعادة أن تفسخ قوافل مكة أحمالها في جنوب بلاد الشام، وأن تكون غزة هي نهاية رحلتهم. من أجل هذا، فقد كانت مفاجأة كبيرة بالنسبة لي أن أعرف أن النقش كتب على مغارة في جبلة. كنت أظن أن النقش عثر عليه في جنوب سوريا، لكن تبين أنه موجود قرب مدينة جبلة. انطلاقاً من هذا، يمكن الافتراض أن اندلاع الحرب هو الذي أرغم قوافل مكة، بما فيها الرسول، على تحويل طريقها والاتجاه شمالاً. لم يكن بإمكانهم أن يبقوا حول دمشق، ولم يكونوا قادرين على المضي إلى غزة. فقد قطعت الطرق، وهذا أرغمهم على المضي ببضائعهم نحو الشمال، نحو جبلة. لقد انحرفت البوصلة شمالاً لأن الجنوب كان في حالة حرب. وهذا هو الذي جعلنا نعثر على نقش للرسول في مكان غير متوقّع في شمال سوريا، أي في جبلة. لقد كانت الحرب الفارسية - البيزنطية هي التي جعلت الرسول يخط توقيعه على باب المغارة في جبلة.
الحرب الفارسية - البيزنطية جعلت الرسول يخط توقيعه على باب المغارة في جبلة


بناء على ذلك، يمكن الافتراض أن الرسول لم يعد إلى مكة قبل عام 614، أي بعدما سقطت القدس واستقر الأمر للفرس في بلاد الشام. بالتالي، فقد كانت هذه أطول رحلاته في بلاد الشام في غالب الأمر. لقد دامت ما يقرب من عام. وحين عاد إلى مكة بعد هذه الرحلة الطويلة المرهقة نزل الوحي بسورة الروم كي يطمئن المسلمين، الذين كانت أخبار هزيمة الروم قد وصلتهم وأصابتهم بالكرب، مؤكداً لهم أن الأمور ستنقلب سريعاً وأن الروم سينتصرون خلال بضع سنين.

درس في العلاقات الدولية
وإذا صح هذا الاستخلاص، استخلاص وجود الرسول في سوريا أثناء الحرب البيزنطية - الفارسية في الشام، فهو يعني أنه أتيحت للرسول وقتها، ولأول مرة في حياته، فرصة لا تعوض كي يفهم، وبالملموس، علاقات القوى الدولية المتصارعة ونزاعاتها ومصالحها. وهذا يعني أن رحلته خرجت عن أن تكون مجرد رحلة تجارية لكي تصبح درساً تطبيقياً في العلاقات الدولية. وهذا أمر شديد الأهمية لفهم بدايات الإسلام.
لكن علينا أن نلحظ أن سورة الروم تتعامل مع الصراع بين الفرس والروم على أساس عقائدي. فهو عندها صراع بين المؤمنين وغير المؤمنين: «وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين... ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله». المؤمنون، أي البيزنطيون المسيحيون، هزموا، وهذا يحسب كهزيمة للمؤمنين المسلمين في مكة. لكن السورة تتوقع أن ينقلب الأمر في بضع سنين، وساعتها سوف يفرح المؤمنون من أهل مكة: «كان المشركون يحبون أن يظهر أهل فارس على الروم لأنهم وإياهم أهل أوثان، وكان المسلمون يحبون أن يظهر الروم على فارس لأنهم أهل كتاب» (القرطبي، تفسير القرطبي).
لكن انتصار الروم البيزنطيين أخذ وقتاً أطول من بضع سنين كما افترضت الآيات. فهم قد انتصروا انتصارهم الحاسم على الفرس عام 627. أي بعد 14 عاماً على المعركة السابقة. لكن الحقيقة أن بشائر انتصارهم بدأت بالظهور منذ عام 624 حين استولى البيزنطيون على أذربيجان. بذا يمكن القول إن تقدير سورة الروم لم يكن، بشكل عام، بعيداً جداً عن الواقع.
في كل حال، فإن الأمور جرت على عكس ذلك بعد الهجرة. فلم يعد الرسول والمسلمون ينظرون إلى الأمور على أساس عقائدي، بل على أساس سياسي بحت. فقد استشعر المسلمون في يثرب خطر البيزنطيين المؤمنين أكثر من استشعارهم خطر الفرس الوثنيين. لذا فقد كانت الغزوة الأولى التي لها علاقة بالقوى الخارجية موجهة نحو مناطق نفوذ الروم، وهي غزوة تبوك. فقد وجهت ضد حلفاء البيزنطيين الذين شعروا بخطورة الإسلام بعدما انتصر، ودفعوا حلفاءهم من القبائل العربية وغير العربية لمواجهته. وهكذا انتقلنا من الأيديولوجيا إلى السياسة.
بناء على كل هذا، فإن نقش مغارة جبلة ليس فقط أقدم نقش في الإسلام، بل واحد من أهم النقوش في تاريخ الإسلام. صحيح أنه مجرد توقيع بسيط، لكن ظروف وجوده في جبلة بشمال سوريا تفتح لنا الباب لإعادة تقييم تجربة الرسول التاريخية، وفهمه للعلاقات الدولية لعهده. كما تفتح لنا الباب لتقييم أفضل وأكثر رصانة لوعي الإسلام بذاته وموقعه بين القوى الكبرى المتصارعة في تلك الفترة.
وآمل أن تتمكن الحكومة السورية، في ظل وضع سوريا المضطرب، من العثور على حماية النقش وحمايته، لأنه نقش تأسيسي في تاريخ الإسلام.

* شاعر وباحث فلسطيني