أود أولاً الاعتراف بأني فوجئت بالمحتوى الفريد لكتاب «المسيحية الإفريقية القديمة: مقدمة إلى سياق وتقليد فريدين» (routledge 2017) لديفيد اي. ويلهيت لأن عنوانه يشير إلى المسيحية الإفريقية، ما دفعني للظن بأن المقصود هنا المسيحية في الحبشة كما قرأنا عنها في تاريخ العرب قبل الإسلام وبعده. لكن مقدمة المؤلف توضح أن المقصود هنا إفريقيا الرومية Africa Proconsularis، أي التي شكلت أحد أقاليم الإمبراطورية الرومانية، والمقصود به شمالي إفريقيا إلى الغرب من مصر. فالكاتب، وهو أستاذ مساعد لمادة اللاهوت في «جامعة بايلر» الأميركية كتب: «أحاول في هذا العمل سرد قصة المسيحية في شمالي إفريقيا منذ بدايتها حتى اختفائها، وهدفي الأساس في هذا هو التعامل مع هذا التاريخ كتقليد فريد من نوعه».

لذلك، فإن هذا المؤلف مكرس لدراسة مجمل المسيحية الإفريقية القديمة. بكلمات أخرى، يجب سرد قصة المسيحية في هذه المنطقة الجغرافية خلال الألفية الأولى كقصة واحدة مستمرة. هذا يعني أن الرواية تحتاج إلى البحث في ما يشاركه المسيحيون الأفارقة القدماء مع الكنيسة الأوسع، وما الذي كان فريداً في تجاربهم، وهو أمر نادراً ما تم القيام به. هذا يعني في ظن الكاتب أنّ ثمة حاجة إلى الإجابة عن بعض الأسئلة الأولية وهي:
ما المقصود بالقول المسيحية الإفريقية القديمة؟ لماذا دراسة المسيحية الإفريقية القديمة؟ ما الذي يجعل المسيحية الإفريقية أمراً فريداً؟ ما هدف هذا المؤلف؟
لقد قرأتُ من قبل عن التأثير السوري/ السرياني الكبير في الإمبراطورية الرومانية وسأتناوله بالتفصيل في عرض منفصل، لكنني لم أكن على معرفة بأي تأثير قرطاجي/ بوني (أي: فينيقي) ومسيحي شمال إفريقي في روما. وهذا المؤلف يلقي الضوء على هذا الجانب المهم. فالكاتب يقول: «ما يتعلق بمعظم القرن الثاني، كان الأفارقة يسيطرون على الحياة الفكرية للإمبراطورية، وبحلول الثمانينيات كان ما يقرب من ثلث مجلس الشيوخ الروماني من أصل إفريقي». ويضيف: «لم يتفوق الأفارقة في السلم الاجتماعي لروما عن طريق الوضع السياسي والتعليم والخدمة العامة، بل سيسمحون أيضاً للعديد من الأفارقة الأصليين بالوصول إلى الصدارة في المجتمع الروماني. وكلما توسعت روما جنوباً وشرقاً، نشأت حركة عرفت باسم Second Sophistic ملخصها استرجاع الخطابة اليونانية الكلاسيكية، التي تعني المهارات الشفوية المصقولة والقدرة على الاعتماد على أساطير هومر. وغالباً ما كانت تعمل كوسيلة لتأكيد الشرعية الاجتماعية. على الرغم من أن الرومان غزوا الإغريق، إلا أن الأخيرين تمكنوا من المطالبة بالتفوق من حيث مهاراتهم الفنية وهو شيء ذو قيمة عالية في مختلف أنحاء العالم المتوسطي، والأفارقة أيضاً قدّروا ممارسات تلك الحركة واعتمدوها».

انتشرت في مختلف أنحاء شمالي إفريقيا في وقت مبكر


أخيراً، نلخص بأن المؤلف يوضح أن المسيحية انتشرت في مختلف أنحاء شمالي إفريقيا في وقت مبكر، وبقيت ذات قوة ووزن معتبر أطول بكثير مما يُظن. ومع أن هذا الشكل الإفريقي من المسيحية يتشارك مع الإمبراطورية الرومانية إلى حد كبير في اللغة اللاتينية والثقافة الرومانية للإمبراطورية الأوسع، فإنه يمثل أيضاً تقليداً فريداً شكله السياق.
هذا المؤلف يسرد قصة المسيحية في إفريقيا منذ بدايتها وحتى اختفائها في نهاية المطاف. والكاتب يدرس الكُتَّاب المعروفين مثل طرطليان ‹Tertullian› وقبريان Cyprian وأغسطين Augustine في ضوء هويتهم الإفريقية، ويتم استكشاف هذا التقليد بكل تعبيراته المختلفة. أما فصول المؤلف فهي: مقدمة، خلفية المسيحية الإفريقية المبكرة، أقدم بينة للمسيحية الإفريقية، طرطليان، قبريان وأواخر القرن الثالث، بواكير القرن الرابع في إفريقيا، الخلاف الدوناتي، أغسطين الإفريقي، العهد الوندالي في إفريقيا، العهد البيزنطي المتأخر في إفريقيا، الغزو العربي لإفريقيا، استنتاجات: ما الإفريقي في المسيحية الإفريقية العتيقة؟
هذا مؤلف مثير للغاية ومنهل رئيس لأي شخص يريد معرفة المزيد عن التاريخ والدين والفلسفة في المشهد الإفريقي.

Ancient African Christianity: An Introduction to a Unique Context and Tradition. routledge 2017. 426 pp. David E. Wilhite