يحاكي الهنغاري فرنتس مولنار (1878 ـــــ 1952) في روايته «أولاد شارع بَال» الصادرة عام 1906، عالماً مثالياً وأخلاقياً، ويأخذ العراك الذي يحدث بين مجموعتين من الصبية مسار الحروب النموذجية... لتكون رواية الفتيان الشهيرة درساً في القيم لا في فنون الخديعة. صدرت الرواية بالعربية أخيراً (دار فواصل ــ ترجمة نافع معلا) لتعرض مجموعة من الأمثولات، ينقسم العالم فيها إلى أخيار وأشرار. إلا أنّ الفريقين يجتمعان على النزاهة، ما يجعل من صراعهما صراعاً يجد القارئ نفسهُ يهتف للجميع فيهِ. يُقرأ النص على نحو رمزي. إذ إنّ قطعة الأرض التي تنشب عليها المعركة تمثل أوطاناً حريٌّ بالصبية الزود عنها. وطالما أنّ الكاتب قد وضع الفريقين المتقابلين على جانب واحدٍ من النزاهة، فإنّ حصيلة معاركهما تقارع الطبيعة والفتن والأخطار والقوى الكبرى. «أولاد شارع بَال»، مثال لتلك الحكايات المغلقة والمحددة المصائر، التي تغتني بالعبرة وتقدم المغزى لقارئها. إذ إنّ تلك الأوطان التي يدافع عنها هؤلاء الصبية، ويموت بسببها أكثرهم شجاعة، تذهب في النهاية ضمن صفقات عبثية وقدرية. يذكر قارئ ما وطناً ضائعاً وهو يتأمل هذا النص المؤثر عن قطعة الأرض التي يريد الأطفال اللعب بها.



يتعاركون ويخسرون بعضهم البعض، يحيكون المؤامرات ويكيدون الدسائس، يعرفون لحظات شجاعة كثيرة، لحظات شك وخيانة، مواقف خسّة، انفعالات عاطفية وتشبّثاً عقلانياً... أطفال نبيلون ومغامرون يخوضون في كلّ مفردات المعارك التي يعرفها الكبار. ثمّ أمام العمال الذين سيبنون الخرابة، ينتهي كلّ شيء على هيئة درس قاسٍ، بموت صديقهم وخسارتهم الأرض التي تصنع طفولتهم. وبإنجاز هذه الطفولة المشاكسة والمؤلمة في آن، كانوا يغادرونها إلى عالم الكبار.
تنذر المعركة بالبدء بين الفريقين بعدما استولى الأخوان الراعي على الدحل الخاص بـ «نمتشك»، وهو طفل هزيل، لا يحسب له أحد حساباً. يصوره الكاتب منذ البداية في موقع «صالح للفداء»، عدا عن كونهِ الجندي الوحيد في الجيش المؤلف من الضباط، ليصنع «نمتشك» الأحداث الحاسمة في النص برمتهِ. يجتمع أعضاء فريق العلم الأحمر والأخضر وينتخبون «بوكا» رئيساً «تام السلطات». يعرفون أنّ «آتش» قائد فريق أصحاب القمصان الحمراء، قد جاء إلى الخرابة وانتزع العلم الخاص بهم. و«نمتشك» ذلك الجندي الوحيد، هو الذي رآه، فيما راحوا يهتفون «عاشت الخرابة» إثر الانتخابات كما لو كانوا يهتفون «عاش الوطن»، وفي أذهانهم التهديد المتكرر الذي يحدق بالخرابة، وهي أرض مهجورة في جوار شارع بَال، بمثابة أرض الأحلام لأبناء المدن. يتسلل أعضاء من فريق العلم الأحمر والأخضر إلى الحقلة، حيث مقر أصحاب القمصان الحمراء، ويتركون إشارة على عبورهم أرض خصومهم في رد اعتبار لسرقة العلم وكسر السارية. إلا أنّ بوكا يرفض اقتراح تشونكوش بأخذ فؤوس الخصوم على أنّها غنائم حرب، إذ يعتبر بوكا ذلك «لصوصية». تثمر عملية التسلل عن معرفة خيانة صديقهم «غريب» لهم، وعن المعرفة الأكيدة بأنّ أصحاب القمصان الحمر يحضرون للحرب والاستيلاء على الخرابة كي تكون ملعب كرة خاصاً بهم. وبهذا حددوا أهدافهم من تلك الحرب.
مثال لتلك الحكايات المغلقة والمحددة المصائر التي تغتني بالعبرة

يستحضر الكاتب الحرب لا بالمفردات وحسب وإنّما بالأجواء التي يهتم بتصويرها على نحو دقيق وتفصيلي؛ حيث الترقب والخوف والحذر والأفكار الكبيرة التي تراود الفتيان مثل شعار فريق جمع المعاجين في بودابست «نقسم أنّنا لن نكون عبيداً بعد الآن». حتى إنّ الخرابة ذاتها، لم تكن تمثل لهم مجرد أرض خالية بين بنائين، وإنّما كانت تمثل «اللامحدود» مقابل عالمهم الضيق في المدرسة وفي البيت، أمام المعلم والأهل. تتالى الأحداث التي تجعل من اقتراب المعركة بين الفريقين اقتراباً عاصفاً، لا يتوقف فيهِ بوكا عند تقديم دور القائد المنضبط والمثالي والطموح، ولا يتوقف فيهِ نمتشك عن تقديم دور الجندي المضحي والباسل. يحاول آتش مع فريقهِ مجاراة تلك الروح العالية لدى خصومهم. وما أن ينكشف أمر خيانة «غريب» حتى ينبذه الجميع، ويلتئم إلى فريقهِ مجدداً بفضل بسالة نمتشك وحسّه العالي والشجاع. على الرغم من تعرض نمتشك للكثير من المواقف التي تدفع المهانة إليهِ، إلا أنّه بقي ذلك الجندي الذي لا يمّسه السوء متسلحاً بكرامة ناصعة. عندما تبدأ المعركة المنتظرة، يصنع نمتشك الانتصار، يغالب مرضهُ جراء اضطراره للاختباء في حوض الأسماك في واحدة من مهماتهِ. يضع الكاتب القادة بوكا وآتش متقابلين، إذ بمرض نمتشك الشديد وموته، ننتبه إلى حقيقة شعور بوكا الذي «لا يفرحه أنّه قائد منتصر» أمام موت جنديّه. وفي المقابل، نجد آتش القائد الذي خسر أمام الجندي، حائماً حول منزل نمتشك، كما لو أنّه بالخسارة أمام الجندي قد عرف معنى الكرامة. على الرغم من أنّ فرنتس مولنار قد قدم رواية فتيان في نطاق الخرابة والصراعات عليها، إلا أنّ سرده يتكشف عن مفارقات عدة كانت تشهدها المجر. بينما يخيط والد نمتشك المعطف كي يصنع بثمنه تابوتاً لابنهِ، راح يتخيل صاحب المعطف وهو يتنزه به على شاطئ الدانوب، ليتضح أنّ أفكار أولاد شارع بال في الحرية والتمرد هي رفض لواقع آبائهم وحلم بتغييره.