ليست المرّة الأولى التي تحتفل فيها الجزائر بمحمود درويش (1941 ــ 2008) وشعره. بعد عام على رحيله، أقامت احتفاليّة بالشاعر الفلسطيني الراحل، من خلال لقاءات مع مترجميه ومعارض فنية نظّمتها «الوكالة الجزائريّة للإشعاع الثقافي»، وأطراف ثقافية أخرى من بينها «منشورات البرزخ» التي أصدرت حينها كتاب «أمّة في المنفى» (بالتعاون مع «آكت سود») الذي جمع بين قصائد درويش وتصاميم التشكيلي الجزائري رشيد قريشي. أخيراً، استعادت الدار الجزائرية التجربة الشعرية الطويلة، والمتجدّدة دائماً لدرويش من خلال إصدار كتابين مترجمين لقصائد البدايات وصولاً إلى مجموعاته الأخيرة، بالتزامن مع الذكرى الحادية عشرة لرحيله في التاسع من شهر آب (أغسطس) في أميركا. ولعلّ المؤلّفين اللذين يحملان توقيعي المؤرخ الفلسطيني الياس صنبر، والشاعر المغربي عبد اللطيف اللعبي، يأتيان كدعوة إلى إعادة قراءة أعمال درويش، خصوصاً أنّ الاختزال والشعارات انتقصت كثيراً من تلك التجربة التي وصف الشاعر عباس بيضون تنوّعها وتجدّدها يوماً: «كان هنا بالتأكيد أكثر من السهولة الممتنعة. كان هنا فن مركب ولعبة من دقائق وظلال لافتة وظاهرة، لكن الذين يستعجلون الوصول إلى النهايات الخادعة أيضاً كانوا يمرون عليها ولا يبالون بإرادة الشاعر الصريحة بأن يقفوا بل وأن يتحيّروا. أن يتأملوا هذه الفوارق الخفية، والتي هي عذاب مكتوب، الفوارق بين المرء ونفسه، بينه وبين آخره، بينه وبين جسده وموته وإقامته، بينه وبين عدوه العالق معه في ذات الحفرة».

كتاب «سنة أخرى… فقط ـــ أنطولوجيا شعرية 1966 ــ 1982» (Rien qu’une autre année. Anthologie poétique 1966-1982) الذي يضمّ مجموعة من قصائد البدايات التي اختارها وترجمها عبد اللطيف اللعبي، ليس جديداً، إنما صدر للمرّة الأولى خلال الثمانينيات في باريس. يركّز المؤلفّ على الفترة الأولى من تجربته في الستينيات والسبعينيات وبداية الثمانينيات منها قصائد المقاومة التي تلت النكبة، وبعض أشهر قصائده المغناة وقصائد أخرى من تسعة دواوين نُشرت بين 1966 و1982، هي «عاشق من فلسطين»، و«آخر الليل» و«العصافير تموت في الجليل»، و«حبيبتي تنهض من نومها»، و«أحبك أو لا أحبك» و«محاولة رقم 7» و«أعراس»، بالإضافة إلى «أقبية، أندلسية، صحراء» و«قصيدة بيروت» و«سنة أخرى فقط». أما المؤرّخ الفلسطيني إلياس صنبر الذي كان قد أصدر في السابق كتاباً مترجماً لنصوص ومقالات درويش بعنوان «المنفى معاداً» (دار أكت سود- سندباد)، فقد أنجز أنطولوجيا «حالة حصار»، وضمّنها قصائد بالعربية وأخرى ترجمها إلى الفرنسية من سبع مجموعات لدرويش نشرت بين 1992 حتى 2005، منها «لماذا تركت الحصان وحيداً»، و«سرير الغريبة» ومقتطفات من الـ «جدارية»، و«حالة حصار» و«لا تعتذر عما فعلت» و«كزهر اللوز أو أبعد».