منذ فترة، صدر كتاب للمفكر المصري الراحل وأستاذ الاقتصاد جلال أمين (1935 ــــ 2018) بعنوان «ماذا حدث للثقافة في مصر» (دار الكرمة ـــ القاهرة)، تضمن عشرة فصول يفسر خلالها أمين عوامل انحدار الثقافة في مصر، أبرزها جمود الخطاب الديني، محنة اللغة العربية، بداية الانفتاح الاقتصادي خلال حكم الرئيس الأسبق محمد أنور السادات، وأزمة الاغتراب التي يعيشها الفنان في العصر الحديث. في مقدمة الكتاب «ماذا حدث منذ مائة عام؟»، ينطلق أمين للتأريخ لقرن من الثقافة المصرية من خلال حدث اعتبره مهماً لمسيرتها. إنّه عام 1914 حين تأسست لجنة التأليف والترجمة والنشر على يد عدد من المثقفين المصريين، الذين يميزهم ـــ وفقاً لأمين ـــ جمعهم بين المعرفة الحميمة بالتراث العربي والإسلامي وبين الاطلاع على الثقافة الغربية الحديثة. ويرى أن جيل مثقفي ما بين الحربين العالميتين (1914- 1945) صنعوا نهضة ثقافية في مختلف أنواع الفنون مقارنةً بمثقفي الأجيال الأحدث الذين ــ كما يصفهم ـ هم أقل إبداعاً وفصاحة، وأضعف لغةً، وأبعد عن العقلانية، وأقل ثقة بالنفس ونقّادهم أكثر ميلاً للمجاملة.



في الفصل الأول (ثورة 1952: صعود الآمال ثم انتكاسها)، يتطرق إلى كتابين مهمين حملا عنواناً مشابهاً لكتابه. الأول لطه حسين بعنوان «مستقبل الثقافة في مصر» (1938) دعا فيه حسين إلى الالتفات للإنجازات الحضارية التي حققتها الثقافة الغربية والسير في طريقها. والثاني «في الثقافة المصرية» (1955) للمفكرين محمود أمين العالم وعبد العظيم أنيس. ركّز الكتاب الأخير على موقف المثقف من القضية الاجتماعية وقضية الاستقلال الوطني. ورداً على أنيس والعالم، رأى أمين أن الأدباء غير المنخرطين في المعركة الاجتماعية ليسوا أقل في شيء من تيار الأدب الاشتراكي. يفترض أمين في طرحه أن الانفتاح الاقتصادي في عهد السادات خلق طبقة متوسطة مشوهة وجشعة وسقيمة التطلعات، وأسوأ خُلقاً وأقل إخلاصاً لفكرة الطبقة العاملة، التي نادى بها أنيس والعالم في كتابهما. وقد أطلق على الحقبة الزمنية التي تلت الانفتاح ونتجت عنه اسم «العصر الأميركي»، لأنها تميزت بالتبعية السياسية للولايات المتحدة الأميركية وبخلق نمط استهلاكي في المعيشة.
ومن سمات هذا العصر أيضاً ديمقراطية يوليو المنقوصة التي انتقدها، وقال إنّها كانت سبباً في مجانية التعليم، وخلقت تكدساً في المدارس أضرّ بجودة تدريس اللغة العربية. ثم يعود أمين ويفترض أنّ إصلاحاً تعليمياً على الطريقة الأميركية بدأ من العراق وامتد في الوطن العربي، لتصدير النموذج الغربي في الحياة والتفكير وصناعة دعاية للقيم والنظام الأميركيين. وهذا أضر باللغة العربية التي استُبدلت بالإنكليزية. لكن أمين تجاهل أن التعليم الأميركي في مصر لا يتلقاه سوى شرائح محدودة من المصريين، وهم أبناء الطبقات الثرية.
السمة الأهم للعصر الأميركي حسب أمين هي خلق فجوة اقتصادية بين الطبقات وزيادة معدلات التضخم. وقد دعمتها وأسست ركيزتها سياسات الانفتاح الاقتصادي في السبعينات ثم تزاوج رأس المال والسلطة في عهد مبارك. ويستنتج أمين من ذلك أن السيئ الذي حدث للثقافة المصرية، هو غلبة التفكير المادي وحلول الاهتمامات المادية محلّ الأخلاقية، وهو ما أطلق عليه عصر الاقتصاد، منادياً في الوقت ذاته بحدوث ثورة روحية، قائلاً إن إصلاحاً اقتصادياً ليس حلاً للأزمة الراهنة.
لا يرسم أمين ملامح الثورة الروحية، لكنه يكتفي بتحليل عوامل الأزمة على رأسها تشدد الخطاب الديني، الذي يرجع أسبابه إلى انتشار حركات الإسلام السياسي المتطرفة التي تصاعدت نتيجة الهجرة إلى دول الخليج، واستيراد المذهب الوهابي في تفسير الدين، والحراك الاجتماعي السريع الذي أحدثته التطورات الاقتصادية التالية لـ «ثورة يوليو»، والتغييرات في المراكز النسبية للشرائح الاجتماعية المختلفة، وولادة طموحات مفرطة لدى البعض للصعود الاجتماعي من ناحية، وشعور بالإحباط والإخفاق لدى من عجزوا عن تحقيق ذلك الصعود من جهة أخرى. أضف إلى ذلك حالة التغريب التي صنعها الانفتاح وقبلها النكسة والهزيمة أمام إسرائيل في 1967. والسبب الأهم لتشدد الخطاب الديني، وفقاً لأمين، هو رخاوة الدولة المصرية في ميدان الاقتصاد وفي مواجهة والفساد وأعدائها الخارجيين، بالإضافة إلى فتح السادات المجال العام أمام الإسلاميين لمواجهة الشيوعيين وتيار اليسار بأكمله الذي كان ضد سياساته الاقتصادية والخارجية، بخاصة سياسة السلام الذي عقده مع إسرائيل.
يدلل أمين على تحول نوعي للخطاب الديني إلى الأسوأ مقارنة بحقبة ما قبل نظام يوليو 52. ويستذكر هنا حين استقبلت مصر عام 1926 الشاعر الهندي طاغور الذي صرّح لجريدة «الأهرام» خلال الزيارة، عن فكرة الأديان. إذ سأل الصحافي طاغور: «ألم تفكر في توحيد المسلمين وغيرهم من أهل الهند من الناحية الدينية، أي أن يتوحد مذهب هؤلاء وأولئك في الدين مثلاً؟» جاء رد طاغور: «كلا ما فكرت في ذلك، وما ينبغي أن يفكر فيه أحد... وهو إن تحقق، أضر أكثر مما ينفع، ولا يعود على الإنسانية إلا بالخسارة الشديدة، فأنتما تعلمان أن الدين هو لون من ألوان التعبير الإنساني عن العواطف والميول والمثل العليا، وإن هذا اللون من ألوان التعبير متصل أشد الاتصال بأمزجة الأفراد والأمم (....) فمن الثروة للإنسانية أن تحتفظ بهذه الألوان المختلفة التي عبرت بها الأمم والشعوب عن عواطفها وميولها إلى الحق الذي لا حد له، ومن يحاول محو دين من هذه الأديان إنما يبدد نوعاً من الثروة التي تحرص عليها الإنسانية». يرى أمين أن الزيارة بحد ذاتها دليل على انفتاح الخطاب الديني وقبوله التنوع في ذلك العصر، لكنّه تجاهلَ سؤال الصحافي الذي يعكس جانباً من التعصب الديني ورغبةً في فرض دين أو مذهب واحد. في السياق نفسه، يقبل أمين الخطابات والمواعظ السلفية السمحة والمبتسمة ويضعها ضمن شروط إصلاح الخطاب الديني الذي رهن مسؤوليته للطبقة الوسطى، إلى جانب تلبية الحاجات الأساسية، وتحقيق العدل في معاملة الناس، والشعور بالاطمئنان لناحية المستقبل، والارتقاء بحالة التعليم.
الانفتاح الاقتصادي في عهد السادات خلق طبقة متوسطة مشوّهة وجشعة


يبدو جلال أمين في هذا الكتاب مرتبكاً حيال أسباب المشكلة وحلولها، متناقضاً ومكرراً في مواضع كثيرة. ربما يعود ذلك إلى أن فصول الكتاب كانت مقالات منفصلة نشرت في الصحف في فترات متقطعة، فأخفق أمين من حيث وحدة الموضوع وتسلسله، ووضع التطورات التي مر بها المجتمع سواء في الفنون أو استخدام اللغة العامية المصرية في سلة واحدة مع عوامل انحدار ثقافي، مقارناً دائماً بين الحاضر وبين زمن اعتبره ذهبياً كأن الوقوف عند هذه النقطة هو قمة التطور. لم يتطرق أمين مثلاً إلى الروح المحافظة التي تحكم مؤسسات الدولة ومؤسسات المجتمع، وما يتزامن معها من تخلف سياسي واقتصادي. ولم يتطرق أيضاًَ إلى تاريخ مصر الحديث في قلب المنطقة العربية ككل خلال الحقبة الحديثة التي امتدت منذ ما قبل الاستعمار، ولم يقف على أهمية الدين كحامل للحركة الوطنية والسياسية في هذه المجتمعات خلال أواخر القرن التاسع عشر والقرن العشرين وإلى الآن. وبالغ في التغنّي بعصر ذهبي للثقافة قد لا يكون أكثر من موجة من موجات التحرر في حقبة طويلة لم يكتب لها النضوج والاستمرار لأنها لم تجد مقوماتها الاقتصادية والسياسية. وأرجع كل مشكلة التدهور الثقافي إلى نظام يوليو 52 وما تلاه. وقال إنّ إصلاح الخطاب الديني يحدث في حمله «مواعظ مبتسمة». ورغم أن أمين أستاذ للاقتصاد، إلا أنه عظّم من العوامل الثقافية باعتبارها حلاً لمشكلات المجتمع، وبدا متردداً حيال الحديث عن حل اقتصادي واضح، معتبراً أن الإصلاح من الداخل هو أداة التغيير، رغم عطب الداخل بأكمله.