عندما تقرأ الجملة الافتتاحية لأيّ من روايات الكوريّة هان كانغ (1970)، فكأنّك دلفت إلى متحفٍ للغة. يكون انقطاعاً صاعقاً عن اليومي والصّاخب والعابر، ثمّ تحليقاً نحو النهائي والسرمدي والمطلق. كل صفحة هنا كما جدار، توارى خلف نافذة زجاجيّة لا شرقيّة ولا غربيّة، تتقاطع فوقها الكلمات بالأصوات، والصور البصريّة بالمشاعر البشرية الأعمق، والأضواء بالألوان، فتتفجر بوحشيّة أنيقة عوالم من حزن عبقريّ يقطّع القلوب. تسافر عبر الصفحات من جدار ـــ نافذة إلى جدار ــــ نافذة أخرى، ومن عالم حزن إلى عالم حزن آخر، حتى تكاد تجد ذاتك كأنك بلغت سدرة المنتهى. كل هذا الذهول، سينتهي في وقت ما، وسيتعيّن على الرائي أن يعود إلى صقيع الواقع، فالمتحف سيغلق أبوابه وينتهي النصّ. يبدأ السّحر في روايات كانغ عند تلك اللحظة تماماً. أي بعد القراءة لا أثناءها. بعد أن تغادر ذلك المكان الشاهق المنعزل وتلقي بالرواية جانباً، تحاول عبثاً أن تعود إلى اليوميّ والصّاخب والعابر. ستجد أنّك تعجز عن رؤية العالم كما اعتدته. ثمّة شيء ما تغيّر، ولا تدري إن كان العالم أم أنك أنت الذي تغيرت، أم كلاكما معاً. وإن كنت من المحظوظين ممن عندهم أصدقاء، يمكن أن تحكي لهم عن التجربة... ستجدهم يحملقون بك كمن أصابه مسّ من جنون. لقد رأيت.

عندما ترجمت إحدى روايات كانغ إلى الإنكليزيّة للمرة الأولى في 2015، تسببّت بما يشبه الصدمة في الأجواء الأدبيّة الانغلوفونيّة. فازت «ذا فيجيتيريان» (النباتي) على الفور بـ «جائزة مان بوكر» (عام 2016) الأرفع عالمياً للأعمال المترجمة، واختيرت أخرى (الكتاب الأبيض) للقائمة القصيرة عام 2018، بينما تسابقت الدور العالميّة لنقل نصوصها إلى لغات العالم. نجمة الرواية الكوريّة الجميلة صارت خلال أشهر قليلة نجمة عالميّة يترقب كثيرون جديدها.
مع ذلك، فإن روايتها الأحدث (ابني الغالي، حبيبي) لن يقرأها أحد ممن هم على قيد الحياة. إذ أن كانغ وافقت للتوّ على تقديم رواية غير منشورة لتلتحق بأربعة كتاب عالميين آخرين سبقوها، منحوا بدورهم أعمالاً ثيمتها الخيال والزمن لمشروع الفنانة الإسكوتلندية كاتي باترسون «مكتبة المستقبل». ستحفظ هذه الروايات في غرفة خاصة محاطة بألف شجرة زرعت في 2014 داخل حرم جامعة نرويجيّة ولن تفتح قبل مئة عام (2114). عندئذ، ستقطع الأشجار ويصنع منها ورقٌ تنشر عليه النصوص المحفوظة لتخاطب البشر مباشرة عبر الزمن. إنّه تصويت بالثقة بمستقبل منير للإنسانيّة رغم كل العتمة والفوضى والأزمنة المظلمة. لا يمكن وصف أيّ من روايات كانغ بأنها الأفضل أو الأهم، ذلك أنّ كلّاً منها متحف مستقلّ لا يغني أحدها عن الآخر. فذلك مخصّص للتاريخ. والآخر للنحت، وثالث للفنون التشكيليّة، ورابع للموسيقى وخامس للطبيعة وهكذا... لكن «هيومان آكتس» ربّما يكون أكثرها قدرة على إثارة الجزع من المصير الإنساني في مواجهة جبروت عنف الدولة، التي هي ذاتها أعقد ما أنتج الإنسان!