طوبى لشجرة التوت

ثمة شعراء يكتبون قصائدهم على أوراق التوت، ثم يقدمونها هدية إلى قبيلة من دود القز لتحولها، بحكمتها الخاصة، إلى حرير أخضر ما إن تغادره الفراشات إلى مصيرها الضوئي، حتى يتحول بدوره إلى رداء يليق بيناعة الشعراء. وثمة آخرون –بفظاظة نادرة- يسقطون عنهم أوراق التوت الأخيرة فيبدون عراة حتى من جلودهم تماماً مثل دود الأرض، فطوبى لشجرة التوت التي تعرت لأجلهم جميعاً.
ثمة شعراء سطحيون يعتصمون بحبل اللغة المطاطي، عسى أن تبدو قصائدهم عميقة. فإذا طفحت الدلاء، انقطع الحبل وتوقفوا عن الكتابة: ثمة دائماً أراض لا تحتمل الماء.
ثمة الشعراء البراقع: غالباً ما ينتهون إلى خرق كالحة.
وثمة الشعراء الأوسمة، أولئك تظل قصائدهم وأرواحهم ترفرف عالياً كأحلام ترفرف.
البرقع عورة الجسد.
الشعر وسام الروح.
ثمة شعراء يعيثون عواء على بعد فراسخ من ضواحي الشعر.
ثمة شعراء يغدقون من فيروز الروح على قصائدهم فإذا هي مرصّعة بعناية كأي سماء أخرى. وثمة آخرون يغدقون من أورامهم ليس على القصائد وحسب، وإنما على الحياة أيضاً، تلك التي لم تعد تطيق أن يحيوها دون أن تكون متدثرة بما يجيرها من صديدهم.
ثمة شعراء كلما انفتحت شهيتهم على مصراعيها أمام كعكة الوهم انغلق من حولهم كل شيء وانبروا يشحذون سكاكينهم وشوكاتهم: الشوكات للكعكة والسكاكين- طبعاً – لتهديد بقية المدعوين في حال حضورهم، أما الحفل – وهذا هو المهم – فإن الجميع يعلم أنه لن يقام أبداً.
ثمة شعراء وثمة كتابة يمّمت شكلها شطر المقطع فالشذرة. القصائد القصيرة جداً، وشذرات الشعر التي يذرفها الشعراء من ألم لآخر، يمكن اعتبارها بمثابة سكرات الشعر. كلمة سكرات هي زلة قلم ربما التقطها أحد تلامذة كوستاس اكسيلوس النجباء وأهداها لأستاذه عقب إحدى محاضراته القيمة عن موت الشعر. لنستبدل إذن كلمة سكرات بكلمة لهاث، ذلك أن الشعر قد يتعب لكنه قطعاً لا يموت.
إذا كانت الغابات والأدغال هي ما يمكن أن نشبه به تلك الكتابات الكبيرة والكثيفة ذات الأغصان المتشابكة والجذور الرفيعة، والتي تنفل الأفياء لأمكنة وأزمنة بعيدة عن جذوعها، فإن الحدائق هي التوصيف الأنسب لأجمل ما يكتب الآن من قصائد، الحديقة هي إحدى المرايا التي تعكس بصدق نادر ثراء المخيلة والعين، درجة العناية والأناة.
الحاكورة، أيضاً، مرآة.
ثمة حدائق صغيرة لا تتعدى مساحتها أحياناً مترين مربعين (يستحسن أن تكون شجيرة الليمون في الوسط تماماً) وثمة الميكرو حدائق المعروفة بالأصص. وهي رغم صغرها –وربما بسببه- لا تكون في أبهى حالاتها إلا وقد تكللت بشتلات خاصة.
تشبيه الكتابة الشعرية الجديدة بالحدائق والأصص لا يخلو من مجازفات، ذلك أنه ينفي عنها، لدى البعض، صفتي الكثافة والعمق. فلا كتابة الحدائق بكثافة الأحراش التي تتطلب مغامرة الدخول إليها كلاباً مدربة على اقتفاء المعاني، ولا كتابة الأصص تملك جذوراً ضاربة في الأعماق، حيث الفحم الحجري ينتظر ما يدغدغه...
مهما يكن من أمر... إننا لا نخجل حين نحضن أصصنا الوديعة ونضعها بعناية عند أطراف الغابة، فلا الكثافة ولا الأعماق... إنما الأنساغ ما يهم الأصص.

البرتقال و القرنبيط
لست في صف القرنبيط، لا بسبب من شكله أو بسبب لونه والرائحة، بل بسبب الأعمال الكاملة للبرتقال.
إنني بالفطرة في صف البرتقال، ولن يملك القرنبيط سبيلاً لاستقطابي، فحتى حينما قرأت، قبل سنوات، كتاباً عن الأغذية يشيد بفضائل القرنبيط، ويثير الانتباه إلى ثروته المغمورة من الفيتامين «ج» لم أتزحزح قيد أنملة عن الصف ذاك.
قد أسلم، على مضض طبعاً، أن المقارنة بين البرتقال والقرنبيط قد تؤول لصالح هذا الأخير على مستوى الفيتامين «ج» بوصفه مضموناً، لكنها ستنتهي، لا محالة، لصالح الأول بالنسبة للشكل، فالبرتقال سليل عائلة أنيقة جداً تشهد لها شجرتها العطرة بذلك.
البرتقالة بقميصها البرتقالي أشهى من مجرد ثمرة، فما إن تجردها من ثوبها الوحيد حتى يكون لعابك قد أفصح عن نواياه. أما القرنبيط فليس ثمراً، إنه محض زهر كبير، أكبر من اللازم.
ولئن كان القرنبيط يمثل بامتياز تواضع الشكل أمام مضمونه، فإن البرتقال لا يني يتفوق شكلاً على شكله حتى كأن لا شكل محدداً له: فهو العصير والمربى وأقراص الدواء وهلم زهراً.
تستطيع برتقالة واحدة فقط أن تفاخر كل قرنبيط العالم بالصورة التذكارية الخالدة التي التقطها لها الشاعر إيلوار مع الأرض وهي في روبها الأزرق: الأرض زرقاء كبرتقالة.
فهل أحتاج بعد كل ما سبق أن أعلن تحيزي لقصيدة البرتقال ضد شعر القرنبيط؟
وهل أكون مازحاً إذا قلت إن القصائد ستنتهي إلى أقراص زرقاء، وأن الشعر سينعم بمستقبل زاهر فوق رفوف الصيدليات؟

برقية
ذات صيف دخلت أحد مكاتب البريد وطلبت مطبوع برقية، كتبت عليه شذرة شعرية من سبع كلمات ثم ذيّلتها بعنوان أحد أصدقائي وقدمتها للموظف المسؤول. لقد ذهل الرجل. لقد ذهل مع أنه ما كان ليفعل لو كان ما كتبته نعياً، فنهض من مكانه قاصداً موظفاً آخر فثالثاً... وبعد الكثير من الوشوشات ونظرات الارتياب، تم عرض الأمر على رئيس المكتب الذي عدل وضع نظارتيه، وبعد أن تملأني جيداً هز رأسه موافقاً. أما الصديق الذي أبرقت إليه شعراً، فقد أخبرني لاحقاً أن برقيتي كانت مصدر قلق لأسرته لأنه لم يكن في البيت حين وصلت.
إذا كانت برقيتي مستعجلة، فلماذا لم ألجأ إلى الهاتف؟ وإذا لم تكن كذلك فلماذا أرسلتها بالبريد العاري بدل البريد العادي؟ مع أنها في الحالتين كانت ستكلفني ثمناً أقل.
لقد فعلت ما فعلت لأزايد على اليومي بالشعر. فالشعر يستضيف اليومي برحابة صدر، حتى أنه يسمي بعض فلذاته بأسمائه. فالقصائد القصيرة مثلاً تسمى برقيات شعرية، لكننا حين نذهب بشعرنا إلى البرقية كمطبوع بريدي، نكتشف ليس كرم المجاز فقط وإنما أيضاً بخل الواقع الذي يرى الشعر ضيفاً غريباً على اليومي.

* المغرب

نصوص مجتزأة من كتاب بالعنوان نفسه، صدر حديثاً ضمن منشورات «بيت الشعر» في المغرب