أَيُّها الإمبراطور

ليسَ صحيحاً أَيُّها الإمبراطور أَن «ما لا ينفعُ السربَ،
لا ينفعُ النحلةَ»1
اسمح لنحلةٍ مثلي، أَن تُصححَ تأَمُّلاتكَ بهذا الخبر:
ما عاد هنالكَ من سربٍ لأَطيرَ فيهِ
ولا من أَزهارٍ برّية لتفهم لغتي.

رضا آرامش: «Action 143/021» (كولاج ـــ 2015)

الخليّةُ سُحقت تحت بساطيرِ البرابرة.
خانَها من خانْ،
ولو كنتُ أَحفظُ صلاةً لرتّلتها على روحِها الباسلة.

زمنُ النحلِ ولّى أَيُّها الإمبراطور
دعني أَطيرُ بأَجنحتي المتقصّفةِ إلى هاويةٍ أُخرى
فأَنا لا عَسلاً ولا شَمعاً تركتُ ورائي
وكلُّ وردةٍ حطَطْتُ عليها رطنَتْ بلغةِ البرابرة.

دعني من تأَمُّلاتكَ فأَنا لن أَنفعَ أَحداً،
وسيَّان إِنْ عادَ السربُ أَو ما عاد
سيَّان أَيُّها الإمبراطور.

المسأَلة
مِثلكم، رقبتي مشنوقةٌ بحبلِ المسأَلة.
ليسَ سؤالي تشفِيّاً، وليسَ شكّي كفراً بكم.
هنالك حبلٌ يشدّه الشيطانُ كما تقولون
وينبغي لأَحدٍ أَن يسأَلَ.
كلُّ سؤالٍ ضربةُ سكينٍ ماضية.
كلُّ سؤالٍ كَسحةٌ لجذعِ التاريخ.
يَنبغي لأَحدٍ أَن يختنقَ بين قشورِ هذهِ البصلة.
دعوني أَتلو أَسئِلتي بخشوعٍ، وكفّي على جَبينِ المسأَلة
دعوني أَسألُ فلا أَتركُ تفصيلاً
يُمكنُ للشيطانِ
أَن يَختبئَ خَلفه.

قشّة
أَنا القشّةُ التي تعلّق بها الغريقُ
أَعترفُ بجُرمي في غرقِ أَبنائكُم في المستنقع.
طوالَ سنواتٍ كنتُ متحفزاً لإِسعافِ من يغرقُ
وليسَ من أَحدٍ يغرق.
كنتُ أُصارعُ التيّارَ المتوحشَ؛ وأَرفضُ كلَّ يدٍ تَمتدُّ من اليابسةِ
وأَتجذّرُ في المستنقع.
حَسبوني جِذعاً مقطوعاً
حَسبوني حطبةً يابسةً تستعطفُ نارَكم الآفلة،
وحينما سَبحوا لاقتلاعي ممّا سَمَّيْتموهُ بالمستنقع
رُحتُ أُراقبُ تقدُّمهم البليدَ
بعَينيْ تِمساح.

نملة
تحضرُ قصّتي إِذا حضَرت قصّةُ الحرب
فلا أَحدَ يكترثُ بنملةٍ شجاعةٍ إِلا حين يتأَمّلُها قائدٌ مهزوم.

إِنّني أَسقطُ وأَسقطُ وأَنهضُ، كُلّما روى جنديٌّ قصّتي.
يقولونَ إِنّ لغةَ الحرب تخرجُ من مخازنِ الأَسلحة،
لكنّي لا أَعرفُ إِلا لغةَ القمح
تلك التي أَحمِلها منذ سنواتٍ لكي أَسقُطَ.

ليتأَمّلني القائدُ كُلّما شَاء
يوماً ما سيأتي من يروي قصّتي التي أَعرفها:
عن قائدٍ مهزومٍ تتأَمّلهُ نملةٌ شجاعة.

رفاعة الطهطاوي في باريس
الحسرةُ التي غصَّتْ بحلقكَ، تورّمتْ في حلوقِ من ابتَلَعوا قِصَّتك.
باريسُ ليستْ كما رأَيتَها، بلْ كما أَراكَ إِيَّاها الغُزاة.
ولن يفُكَّ البخورُ سحرها
وسحرَ رسائلِ البارونْ دي ساسي، الذي يكتبُ العربيةَ
ولا يتكلَّمُها.
أَنتَ مسحورٌ بين دفَّتَيْ ذهبكِ الإبريز، وستَبقى مسحوراً إلى الأَبد.
سوفَ تكرهُ المماليكَ، دونَ أَن تدري لماذا.
وستَجْتَرُّ فكرةَ الانحطاط، دونَ أَن تفقَهَ معنى الكلمة.

سوفَ تُفضّلُ القلمَ على السَّيف.
ستتذكَّرُ جومار رسّامَ الخرائطِ، وستَنساهُ جُندياً في جيشِ نابليون.

رأَيتَ القلمَ ولمْ ترَ السيف
رُغمَ أَنَّ البارجةَ الحربيةَ «لا ترويت»، هي من أَرسَتْ بقدميكَ
في مارسيليا.
رأَيتَ القلمَ
وفاتَكَ مشهدُ الفِرنجَةِ فوقَ باخرةٍ سياحيّة
وهُم يتفرَّجونَ على قصفِ الجزائر.
فاتكَ مشهدُهُم أَمامَ شاشةِ الـ«سي. إن. إن»
وهُم يتفرَّجونَ على قصفِ بغداد.
أَحسبُكَ كنتَ تتنزَّهُ في بوليفار الشانزلزيه عام 1830؟

مَنْ وصفوا مِصرَ، يقُودونَ الدبّاباتِ في شوارعِ القدس.
مَنْ كَتبوا العَربيةَ، صاروا يتحدَّثُونها في زنازينِ التعذيبِ
في أَبو غريب.
و«لا ترويت» عادَت لِتَرسو في عكّا
والنيلُ يسكُبُ أَوجاعَهُ في قلبي.

لأَنَّها بلا جغرافيا ولا تاريخ
الحياةُ أَرحَبُ في الجحيم.

أَنا سَجينٌ في الخرائطِ، ولا وقتَ لديَّ لكُرهِ المماليك.
لو كانَ في التاريخِ «مرّةً أُخرى»، لتَمَنَّيتُ أَنْ تَختَنِقَ بالغَصَّةِ وحدك.
لتمَنَّيتُ أَن تَرى ما أَراهُ الآن، وقدمي تغوصُ أَعمقَ في الحرب.
لو آمَنتَ بالسَّيفِ قليلاً.
لو انتَبهتَ قليلاً للأَقلامِ المطْعونةِ في رأسِكَ
أَقلامِ جنودِ نابليون.

حاجز بيسان
كِدْنا نمشي على بحيرةِ طبريّا
لولا صَلْبُنا على حاجزِ بيسان.
ساعاتٌ من الصَلبِ المُقدّس
ساعاتٌ من ترقب يدٍ جبّارة لتُنَجّينا.

عشاؤنا الأَخيرُ طبختهُ الشمسُ
وأَقداحُنا سَكرَ بها جنودُ البرابرة.

طالَ صَلْبُنا بين القدس وطبريّا،
دون أَخشابٍ ومسامير
لن يُصدقَ أَحدٌ صرخةَ المصلوبين،
دون أَخشابٍ ومسامير
لن تُردّدَ صَرختَنا الكتبُ والتراتيل
وسوف تشوي الشمسُ أَجسادَنا لجنود البرابرة.

الزّنْزانة رقم 8
وَحْدهُ أَبي يعلمُ
أَيّةَ أَخبارٍ سَمِعَها من هذا الترانزستور الصغير.
وَحدهُ وبضعةُ رفاقٍ آخرون.
فأَنا لم أَكُنْ في سجنِ الرملة لأَشهدَ على ذلك.
لا أَحدَ كانَ هناك
سوى أَبي ورفاقٍ آخرين.
وليسَ أَمامي إِلا أَن أُخمِّنَ الأَخبارَ التي سَمِعها:
الانسحابَ من بيروت
كلمةَ السادات في الكنيست
«الرد في الزمانِ والمكانِ المناسِبَيْن»
قصفَ مُفاعلِ تمّوز
وهذا وذاك «خَطٌّ أَحمر».
ليسَ أَمامي إِلا أَن أَراهُمْ في الزّنْزانة رقم ثمانية
وهم يُحاولون قتلَ الوقتِ بترانزستور أصْفر.
أَنْ أَرى الأيام تسيلُ من ظهرِ السنين
وأَبي يحفرُ على ظهر الترانزستور
رقمَ الأَسر.

وحدَهُ أَبي يعلمُ اللعناتِ التي كيْلت لهذا الترانزستور الأَصفر.
وحدهُ يعلمُ الليلَ والقمر، والنهارَ والشمس،
وعددَ النجومِ وشكلَ الغيوم
في سجنِ الرملة.
فأَنا لمْ أَكنْ هناكَ لأَشهَدَ.
لا أَحدَ كانَ هُناك
سوى أَبي ورفاقٍ آخرين.
وليسَ أَمامي إِلا أَنْ أَراهُم في الزّنزانة رقم ثمانية
وهُم يوقِظونَ الصَّبَاح
ويسقونَ السماءَ ماءً من حَنَفيَّةِ السّجن.
أَن أَرى صخرةَ الانتِصَار التي حمَلوها على ظهورهم
عاماً بعدَ عام
وهُم يستمعونَ إلى أَخبارِ الهزائِم.

القنابلُ في بغداد تنفجرُ دائماً في القدس
قيلَ إِنَّ فلاحاً عراقياً أَسقَطَ مروحيةَ أَباتشي ببُندقِية الـ«بَرْنو»
في «معركةِ الحواسم».
فلاحٌ عراقيٌّ من كَربلاء، واسمه «علي عبيد منقاش».
تكرْكَبت القدسُ بهذا الخبر.
قيلَ إِنَّ الأَباتشي أَلقَتْ مناشيرَ للاستِسلام، مع أَوراقٍ نقديةٍ
من فئة الـ25 أَلف دينار.
وقيلَ إِنَّ الـ«بَرْنو» تشِيكية، صُنعت في 1924 أَوّلُ قطعةٍ منها.
من يُحبُّ صدّام حسين ومن يكرهه، صدَّقَ خبرَ التلفزيون العراقي.
حتى أَنا صَدّقت؛ وأَنا أُصغي للمَطرِ التَّعيس يتهاطلُ
دونَ أَن يسقي شجرة.
عائلتي كُلُّها صدَّقت؛ وراحت منذُ آذار 2003
تحجزُ للمَوتِ كرسياً على العشاء.

هذه القصيدةُ من أَكاذيبِ تلكَ الحرب.
كاذبةٌ هذهِ الحُروفُ والكلمات
وكاذبٌ ذلكَ الفلاحُ العراقي
لأَنَّ
للشهداءِ دائماً وجهَ الله
ولأَنَّ
القنابلَ في بغداد تنفجرُ دائماً في القدس.

في شارعِ نابلس
كان اعترافاً بلا كلماتٍ.
أَتذكّرُ الشمسَ تغرقُ في ظُلمةِ المستوطنة،
والجنودَ بالبنادقِ يضربونَ الغروبَ
حتى يُغمَى عليه.

صَبٌّ يسرقُ القصائدَ من نزار قباني
ورسائلَ الحب من «الثلجِ (الذي) يأْتي من النافذة»2.
وما زلتُ صَبّاً
رُغمَ أَنَّ الشمسَ غرقَتْ في المستوطنة
رغمَ أَنَّ اعترافي بالحُبِّ لأَوّل مرّةٍ
كانَتْ تُهدّدهُ بنادقُ الاحتلال.

فتحُ القدس
عَلّمنا اسماً جديداً
لم يتلّوث بحروفِ الغُزاة.
اسماً نردِّدُه ببهجةٍ للمرّة الأولى في عيد الفتح.

اسماً شهيّاً مثل «المقلوبة»؛
التي ما زالت أُمي تُعدّها لكَ
منذُ ليلة المعراج
عام 583 هـ.

الشهداءُ كتبوا أَسماءهم على حبّاتِ الأَرز البيضاء.
لو كانوا هنا
لأَعدّوا لكَ سُفرةً من طعامِ الجنّة.

«المقلوبة» جاهزةٌ
والأَفراحُ قُطِفت من دوالي العنب.
فلتتفضل إلى مائدتنا الفقيرة
إلى مائدتكَ،
أَنتَ وجنودكَ يا صلاح الدين.

سوريا
إِنّهم يُردِّدُونَ اسمكِ في البرلمانِ البريطاني
في صُحفِ المترو وتويتر، ونشراتِ الأَخبارِ النافقة
يردِّدُونهُ في تاريخِ هيرودوت
سوريا
سوريا
هؤلاء الإغريقُ الجُددُ
لا يُسلّمونَ أَن أَثينا التي بنيناها بكلماتنا
كانت أَثينا السوداء.

سوريا
أَمامي الكثيرُ من البحارِ لأَغرقَ فيها
وكثيرٌ من الغيومِ لأَسقيها كؤوساً مُرّةً من المطر.
وما عاد إِلا اسمُكِ يدلُّ علي
اسمُكِ الذي أَسمعهُ يخرجُ من بين أَسنانِ قراصنة ومرتزقة
ومن بين أَسنانِ هيرودوت.

1- من كتاب «التأمّلات» للإمبراطور الروماني ماركوس أوريليوس (121-180).
2- عنوان رواية للروائي السوري حنا مينه.
* فلسطين
قصائد من مجموعة «غيمة سوداء في نهاية السطر» («دار الأهلية» في عمان ـــ 2016)