يشير هارولد بلوم، في معرض حديثه عن تيّار الأدب السّاخر في أميركا، إلى أنّ السخرية لم تعد ذات جدوى في أيّامنا، إذ وصل الواقع إلى أشواط تتخطّى أقصى حدود السّخرية. بعد عقد أو أكثر على كلام بلوم، هل ما زال تحليله صالحاً؟ والأهم: هل يسري كلامه على الواقع العربي الذي لا يشكّل الواقعُ الأميركيّ بكل تطرّفاته حين نقارنه به إلا نكتة سمجة؟ هل يمكن للأدب السّاخر أن يصمد أمام هزليّة الواقع العربي التي تجاوزت حدود العبث؟

مجال السّخرية مفتوح إلى أقصاه، إذ هي كالخيال لا حدود لها. وطالما أنّ إشارات الكتّاب أصحاب النبوءات عن الحياة التي تُحاكي «التّخييل» تجد أصداء لها في ما حدث ويحدث في حياتنا، ستبقى للسخرية مكانتها التي هُمّشت وقُزّمت في الأدب والصّحافة.
تنطلق رواية علي سعيد «كونيكا 19» (دار أثر) من حادثة بسيطة تتحوّل مع مسار الرواية إلى فانتازيا ساخرة بديعة. لا يغيب الحسّ الصحافي من الرواية، حتى بعدما توقّف سعيد عن الكتابة الصحافية المباشرة. إذ تتشكّل الرواية من مجموعة فِخاخ متعاقبة تنفتح وتنغلق بالتّتابع وصولاً إلى النهاية. تبدأ الحبكة من فيلم كونيكا فوتوغرافيّ قديم يبدو مثل رسالة منسيّة من الماضي، لم يعد لمُستقبِلها وجود في الحاضر.


من يتذكّر الصور الفوتوغرافيّة أساساً؟ لولا دراسات فالتر بنيامين وغرترود ستاين وسوزن سونتاغ وغيرهم التي تواصل حضورها في المشهد الفكريّ لما بقي للفوتوغرافيا معنى اليوم ربّما في ظل طوفان الديجيتال و«فوريّة» الحدث. إذن تبدأ الرواية بفخّ من الماضي بالتّوازي مع عناد الراوي في معرفة محتويات هذا الفيلم القديم في ظلّ تلاشي جميع محلات التصوير الفوتوغرافيّ القديمة. وبما أنّ الصورة بمثابة ذاكرة ثابتة كامنة، تتداعى ذكريات متشابكة للراوي الأساسي وللمصوّر الفوتوغرافي الوحيد الذي ما زال يواصل مهنته (سيصبح هو الراوي الثاني) وللصور نفسها (لا صور الفيلم القديم، بل صور أخرى. فلنتذكّر دوماً أنّ الرواية مجموعة فِخاخ متراكبة) وللشخوص التي تضمّها الصور ولذكرياتهم التي تحرّض ذكريات أخرى.
تنفتح الحبكة الأولى على حبكة ثانية تأخذ المساحة الأكبر من الرواية. يصبح عبد الكريم، المصوّر الفوتوغرافيّ العنيد، هو محرّك الأحداث مع وصيّة أبيه الذي يطلب منه تأدية صلوات أهملها الأب طوال 19 عاماً، ومن هنا تنطلق فانتازيا الأحداث في فصول ساخرة مضحكة نتابع فيها ــ على التوازي ـــ رحلة تأدية الصلوات ورحلة أخرى أجمل وأعمق، هي رحلة الذاكرة التي يتضافر فيها الماضي مع الحاضر، وتقنيّات التصوير مع جماليّاته، والفردانيّة شبه المستحيلة لدى الفرد العربي مع معنى العائلة، وألوان حاضر الديجيتال مع الماضي حيث لا مكان إلا لجلال الأبيض والأسود وضبابيّة السيبيا. يُواصِل سعيد رحلة الذكريات التي تحفر في الزمن مع تشريحٍ خفيٍّ للمجتمع السعودي عبر جيلين، جيل الآباء وظروفهم الأكثر تحرّراً وجيل الأبناء الذين ورثوا وطأة قيود النزعة المحافِظة التي تبنّاها الآباء في أواخر حياتهم، ودمغوا بها جيلاً ولد وعاش ويواصل حياته يدفع ضرائب «صحوة» لا ذنب له فيها. هل نحن في الحاضر حقاً أم أنّ آثار الماضي تنتقل بالجينات، بكل أخطائها وجماليّاتها وتعقيداتها؟ هل نعيش سياق الحاضر كأبناء أم أنّنا نعيش سياقنا وسياق آبائنا؟ هل نقترف أخطاءنا فقط أم نرث أخطاء آبائنا أيضاً؟ تتلاحق هذه الأسئلة كلّها، وغيرها في «كونيكا 19» التي تبدو ـــ في آن ـــ مثل شريط وثائقي يعرض حياة جيلين، ومثل قطرة زيت تبدأ بتفصيل صغير عابر، وتتضخّم أكثر فأكثر لتغطّي خريطة كاملة، خريطة ترسم حدود الواقع والخيال، الماضي والحاضر، الذكريات وتداعياتها، خريطة مائيّة رجراجة لا سبيل إلى توصيفها بدقّة مع تسارع الأحداث وتصادم المصائر وتداخل الذكريات.
تشريح خفيّ للمجتمع السعودي عبر جيلين

بين أيدينا رواية تبدأ من الحنين ولا تكتفي به، بل تستثمر هذا الحنين لوضع الأصابع على الجراح الكثيرة التي تُثخن جسد الحاضر. رواية تطرح الأسئلة الصحيحة في زمن الأسئلة الخاطئة. رواية تخدع القارئ الباحث عن الحبكة البسيطة، وتقدّم عالماً ظاهرياً خادعاً يخفي خلفه عوالم عديدة متباينة تستند إلى السخرية من أجل كشف بشاعة الواقع الذي نسف احتمالات الضّحك كلّها، أمام جيل شاب انتُزع منه كلّ شيء باستثناء إمكانيّة الضحك والسخرية.
يميل الكتّاب عادةً إلى الطريق الأقصر في كتابة الرواية الأولى، عبر اختيار حدّوتة بسيطة تتشابك مع السيرة الذاتيّة. ولكنّ علي سعيد اختار الطريق الأصعب عبر تقديم رواية مركَّبة حاولت مقاربة أسئلة شائكة كثيرة. وقد انفرطت الخيوط أحياناً من يد الكاتب الذي وقع في الثلث الأخير من الرواية في مطبّ التطويل، وإدخال العالم الساخر الأول (الصلوات المنسيّة)، الذي نسيه القارئ، مع العالم الثاني التشريحيّ الأعمق (رواية الأجيال والعائلة وتداعي الذكريات) الذي أوصل السرد إلى مستوى ناضجٍ عالٍ بالمقارنة مع البواكير الروائيّة المعتادة. ولكنّ المهم هنا هو ولادة روائيّ جريء لا يهاب المغامرات، وهذا هو الشرط اللازم والكافي لإدراك أنّ صاحب «كونيكا 19» يضع رهاناً كبيراً أمام نفسه ككاتب في شقّ مسيرة روائيّة واعدة، وهذا ما سنراهن عليه نحن أيضاً.