قصر عمرة، أو قصير عمرة، منشأة أموية في البادية الأردنية على بعد 80 كيلومتراً شرقي العاصمة عمّان. وهي في الواقع مجمع يضم قصراً، وبرج مراقبة، وحماماً، ونظاماً مائياً. وعلى جدران الحمام والقصر، هناك جداريات تعكس عالماً بكامله: قصص دينية، رسوم ملوك، مغنون ومغنيات، ونساء عاريات، طيور وحيوانات، وما إلى ذلك. كان الظن دوماً أن الجانب «الخليع!» في الرسوم يتوافق مع مزاج الوليد بن يزيد، أو الوليد الثاني كما يسمّى كي لا يختلط بالوليد بن عبد الملك. وفي عام 2012، وفي أثناء عملية ترميم لوحات القصر، عثر على عدة نقوش. النقش الأهم والأطول منها يذكر اسم الوليد بن يزيد بالفعل. وهكذا، فقد ثبت ما كان يُحدس به حدساً، هو أن الوليد الثاني هو من شاد القصر. وقد حكم الوليد سنة واحدة فقط. بذا، فالظن أنه بناه أثناء حكم خاله هشام بن عبد الملك، في وقت ما بعد سنة 730 ميلادية (111 هجرية). وقد قدم فردريك إمبيرت قراءة للنقش كانت على الوجه التالي:



من النظرة الأولى، يستطيع المرء أن يقدر أنّ هذه القراءة المتقطعة تحوي مشاكل في أكثر من موضع. وهذه المشاكل نابعة في غالبيتها الساحقة من الحالة السيئة جداً للنقش. وهو ما جعل إمبيرت يقول: «إنها لمعجزة أن نتمكن حتى من قراءة الكلمات الأولى في النقش. ويبدو أننا لن نتمكن من قراءته كاملاً». لكن يبدو أن هذا التقدير متشائم أكثر مما ينبغي. إذ يبدو لي أنه يمكن، واستناداً إلى قراءة إمبيرت ذاتها، قراءة غالبية النقش قراءة مقبولة. بناء عليه، انطلاقاً من هذا، فسوف أقدم قراءة كاملة للنقش، تصحح قراءة إمبيرت، لكن بالاستناد إليه، وبما يوصلنا إلى قراءة أفضل وأكثر معقولية وتماسكاً.
وسوف تستند تصحيحاتي لقراءة إمبيرت إلى صورة النقش قبل الترميم. لكنها ستستند في أحيان أخرى إلى منطق اللغة العربية. وفي أحيان ثالثة، سوف تستند إلى منطق الأدعية الدينية التي كانت سائدة في تلك المرحلة. ذلك أنّ النقش نقش دعاء من الناحية الجوهرية.
الجزء الأيمن من النقش أفضل حالاً من الجزء الأيسر كما يخبرنا إمبيرت. كما أن السطر الثالث تعرّض لتلف شديد إذا استثنينا كلمة أو كلمتين في بدايته، كما يخبرنا إمبيرت أيضاً. مع ذلك، سأبدأ من هذا السطر. إذ يبدو لي أن بداية هذه السطر سوف تعطينا المعلومة الأشد أهمية بعد المعلومة التي حصلنا عليها من السطر الأول، وهي المعلومة التي تتعلق باسم الوليد بن يزيد. ومعلومة السطر الثالث ستجيبنا في ما يبدو على السؤال المركزي: لأي هدف بُني القصر؟ أو قل: لمن بُني القصر؟
شهدة أم خلد؟
قرأ إمبيرت بداية السطر الثالث هكذا: «ولأمته خلد». وقد افترض أن هذه الجملة تحمل دعاء ما بالخلود للأمّة، للجماعة. لكنني لا أتفق مع هذه القراءة. إذ أعتقد أنه لا وجود لحرفي اللام والألف (لا) في بداية السطر. وكل ما هناك أن خطي مصادفة، يشبهان القرنين، تموضعا فوق حرف الميم، فبدا كما لو أننا مع كلمة «لا». ولا يجب حسبان هذين الخطين من النقش. بناء على ذلك، فالكلمة الأولى هي «وأمته». فهناك حرف «ألف» يمكن رؤية بقاياه قبل «الميم».
أما الكلمة الثانية، فقد قرأها إمبيرت على أنها: «خلد». وأنا أرى أن هذه الكلمة تبدأ في الحقيقة بحرف «الشين» يتبعه حرف «الهاء» ثم حرف «الدال»: «شهد». بذا، فالجملة الأولى في السطر تقرأ هكذا: «وأمته شهد». وهو ما يعني أن الحديث هنا يدور حول أمة- جارية لا حول أمّة وخلودها. وإذا كنا مع جارية، فلا بد أن تكون جارية للوليد بن يزيد. وإذا صحت هذه القراءة، فإن هذه تكون قنبلة النقش الحقيقية.
فنحن نعلم من مصادرنا التاريخية أنه كانت للوليد بن عبد الملك جارية تدعى: «شهدة»، وأن هذه الجارية مغنية شهيرة جداً ومشهود لها: «شهدة جارية الوليد بن يزيد... وكانت شهدة مغنية أيضاً» (الأصفهاني، الأغاني). يضيف الأصفهاني في خبر آخر أنّ تلميذاً لشهدة غنى في ما بعد لحناً أمام هارون الرشيد: «فاستحسنه الرشيد وكل من حضر، وطربوا له. فسأله الرشيد: عمن أخذته فقال: أخذته عن شهدة جارية الوليد بن يزيد. قال عبد الله بن العباس وهي أم عاتكة بنت شهدة» (الأصفهاني، الأغاني).
بناء على ذلك، يجب افتراض وجود تاء مربوطة. أي أننا مع «شهدة» الجارية المغنية. وإذا كان الأمر كذلك، فالنقش يعطف شهدة على الوليد. أي أن الدعاء في النقش هو دعاء للوليد وجاريته شهدة: «اللهم أصلح الوليد... وأمته شهدة»! هذا يعني أن القصر على علاقة بالاثنين معاً: الوليد وشهدة. وهو ما قد يوصل إلى أنّ الوليد بنى هذا القصر لشهدة جاريته على وجه الخصوص. وهذا يتوافق بشدة مع صورة المغنيات والجواري وآلات الموسيقى، كما يتوافق مع الصور العارية على جدران الحمام. إذن، فأجواء الموسيقى في جداريات القصر على علاقة بالجارية المغنية شهدة وعالمها. القصر لها، وهو يعكس عالمها وأجواءها.
انطلاقاً من ذلك، ربما كان علينا أن نسمي القصر باسم المغنية: قصر شهدة.

السطر الأول
وبخصوص السطر الأول، فقد قرأه إمبيرت على الوجه التالي: «اللهم أصلح الوليد بن يزيد بالصلحية عبا...» وقد ظن إمبريت أن من المحتمل أن هناك منطقة تدعى الصالحية في النقش. لكن لأنه لا وجود لمنطقة بهذا الاسم في الجوار، فقد افترض أن الأمر يتعلق الصلاح. وأنا اتفق معه على أن الأمر يتعلق بالإصلاح والصلاح. وتكرار كلمتين من جذر صلح هما: «أصلح، بالصلحية» يوحي لي بأن النص يدعو بإصلاح يشبه إصلاحاً. وتقديري أن السطر يقول: «اللهم أصلح الوليد بن يزيد كما أصلحت». والسطر الثاني هو الذي بإمكانه أن يثبت هذا الاقتراح.
السطر الثاني
قرأ إمبيرت السطر الثاني هكذا: «لحق الصالحين وأحيطه ببرد حمة يولي العالمين».
وكما نرى فالسطر بهذه الطريقة لا يعطي معنى متماسكاً، ولا يكمل السطر الأول.
أما أنا فأقرأ الكلمات الثلاث الأولى في السطر هكذا:

«سيدنا أمير المؤمنين»
كلمة سيدنا تبدو لي واضحة. كما أن كلمة أمير أيضاً واضحة. أما كلمة «المؤمنين»، فقد ذهب أغلبها وظل منها دائرة الميم، لكن يمكن التكهن بها تكهناً. فكلمة أمير تتبعها عادة كلمة «المؤمنين». بناء عليه، فالجملة بين السطرين تقول:
«أصلح الوليد بن يزيد كما أصلحت أمير المؤمنين».
وهذه قراءة منطقية في ما أفترض. وهي تؤكد ما حدس به من قبل وهو أن القصر لم يبنَ في خلافة الوليد، بل في خلافة خاله هشام بن عبد الملك. وهذا يعني أمير المؤمنين هنا هو هشام بن عبد الملك.
نذهب الآن إلى الكلمة التي قرأها إمبيرت على أنها «أحيطه». ومن الواضح أن هذا القراءة لا تستقيم لغوياً. ذلك أن فعل الدعاء - الأمر جازم. أي أنه يقتضي أن يقال: أصلح وأحط، وليس «أحيط» بالياء. وهذا ما يشكك في صحة قراءة الكلمة. بذا أفترض أن الكلمة هي «واحتظّه»، أي اختصه وفضّله: «وقد حَظيَ عند الأمير واحْتَظى به بمعنى. وأَحْظَيْتُهُ على فلانٍ، أي فضَّلْتُهُ عليه» (الجوهري، الصحاح في اللغة). كما جاء عند ابن منظور: «كان المأمون قد احتظى يحيى بن أكثم ورفع منزلته، وخص به خلصة باطنه» (ابن منظور، مختصر تاريخ دمشق).
بذا فالجملة طلب للتفضيل والحظوة. ومن ما تبقى من السطر من حروف فيها أن أفترض أن الجملة يجب أن تقرأ هكذا: «واحتظه برحمتك يا رب العالمين». وأظن أن كلمة «رب» واضحة في السطر إلى حد ما.

السطر الثالث
بذا فنهاية السطر الثاني وبداية الثالث تقول: «واحتظه برحمتك يا رب العالمين وأمته شهدة». أي احتظه واحتظ أمته شهدة معه. أما ما تبقى من السطر الثالث فيقرأ هكذا في اعتقادي: «في يوم الملة يوم تجمع عبادك [...]».
بذا فالسطر الثالث كله يقول: «وأمته شهدة في يوم الملة يوم تجمع عبادك [...]»
ويوم الملة هو يوم الدين، ويوم الدين هو يوم الحساب في الآخرة، أي يوم القيامة. أما الكلمة الأخيرة فغير واضحة. لكنها قد تكون تأمين الدعاء «آمين» أو «أجمعين».

النص كله
1- اللهم أصلح الوليد بن يزيد كما أصلحت
2- سيدنا أمير المؤمنين واحتظّه برحمتك يا رب العالمين
وأمته شهدة في يوم الدين يوم تجمع عبادك [آمين].

* شاعر فلسطيني

المراجع:
- IMBERT, Frédéric : Le prince al-Walīd et son bain. Itinéraires épigraphiques à Quṣayr Amra - Bulletin des Etudes Orientales 64, 2015, p. 321-363