ظلّت تجربة سليم بركات (1951) الشعرية رغم شيوعها بين مريديه، في منأى عن الفحص النقدي العميق. اكتفى دارسو شعره بأنه مهرجان لغة وبستان بلاغة، من دون أن يتوغلوا بين أشجار الغابة، ويتذوّقوا طعم ثماره المهجّنة بمفردات تشبه الطعنة لفرط مباغتتها الذائقة المستقرّة. فهذا الشاعر الكردي الرجيم، ما انفك يطوّر معجمه في الحفر عميقاً، والطيران عالياً، مخلّفاً عاصفة من الحيرة والألغاز والإبهام عن طفولة أولى، وأساطير لاحقة، تنطوي على ملحمية تليق بمنفاه الأبدي.



هكذا تستيقظ روح قريته «موسيسانا» في الشمال السوري على جحيم الشمال الاسكندنافي في سبائك بلاغية يصعب تفكيكها بالنسبة لمن يقف عند تخوم مراثيه وفجائعه وصلابة القشرة اللغوية لنصوصه. في كتابه الذي سيصدر قريباً «سليم بركات: ساحر المخيّلة» (دار التكوين ــــ دمشق) يستنفر عابد إسماعيل أدواته النقدية في تشريح تجربة صاحب «الجمهرات» مفتوناً بالحنان المختبئ تحت جلد القسوة، والشفافية الموغلة في العذوبة. يتتبع الشاعر والناقد السوري منعطفات هذه المغامرة الشعرية المتفرّدة بقوله «يخترع سليم بركات شعباً على طريقته، ويخترع له العراء مسكناً، ويختار له لحظة التكوين الأولى أصلاً وفصلاً»، كما يلفت إلى المفردات الخشنة الناتئة في حرير اللغة، وقدرته على تقويض الفروقات بين «المرئي واللامرئي، المجرّد والمحسوس، الأزلي والزائل». ذلك أن هذا الشاعر «لا يدع اللغة تهدأ، أو تستقرّ على حال، وما المعنى الذي يسعى إليه سوى ومض خاطف سرعان ما يتلاشى، ليتلوهُ ومضٌ آخر، فآخر». وفي قراءة «ترجمة البازلت» مثلاً ، يشير إلى أن القارئ سيجد نفسَه «متحفّزاً دائماً للسقوط، ويرى التهلكةَ بأمّ عينه منحوتةً بإزميلِ الدهشة»، مؤكداً أن بلاغة سليم بركات فريدةٌ حقاً في المشهد الشعري العربي، بخاصّة أنّها «تؤسّس لقطيعةٍ جمالية مع نصّ الأسلاف، قدامى وحداثيين، على السواء». فهذا الشّاعر، المولع بالنحتِ اللغوي، يتعمّدُ نسفَ الطرائق التقليدية في الكتابة، داعياً المتلقي إلى التخلّي عن يقينه الجاهز، و«التأمّل في شبكة علاقات رمزية جديدة، قوامها كنايات تتدافعُ وتتطاحنُ، وتصدمُ، بلا ريبٍ، الذائقةَ التقليدية، وتخلخلُ أسسَها الفنية».
اختراع اللغة ديدن سليم بركات بتمرداته المحتدمة، وتحليقه الميتافيزيقي، وأسطرته المحسوس، بالمجازات الحلزونية المتوالدة والمتعاقبة، فهو طوال تجربته في مراودة اللغة «لن يرضى بأقل من اللغة العربية نداً له، معنىً ومبنىً، يقيم صراعه الأوديبي الخفي معها، في سبيل ابتكار لغة داخل اللغة، تنحرف بزاوية حادة عن تاريخ بلاغتها، فيما تؤكّد في كل جملة، جوهرها البلاغي». ثمّ أخيراً، من أين لنا، كما في ديوانه «المعجم» أن نصطاد عبارة كهذه: «ينزفُ كسلوقيّ أصابهُ القنّاصون إذ أخطأوا الطريدةَ». لعلها حال الشاعر في حيرته الوجودية القصوى!