جدتي

عجوز تمشي بين الحقول
تنادي أبناءها الجبال
وأحفادها الخيول
عجوز تركض
تشبه جدتي التي ماتت
على صدر نعجة

في مكان ما
فلاح ميت
فأس مغروسة في قلب حقل
نعاج تحتك بأقفال باب الحظيرة
نحل ينتظر تبديل الخلايا
دلو مليئة في بئر مغلقة
وطيور تراقب المحراث النائم

عمل للشاعر عبد الله بلحاج


نهر
النهر الذي جف نبعه في الر يف
لعله الآن — بينما أكتب — يلفظ أنفاسه الأخيرة
يروي ثلاث أو أربع نبتات
تنمو عند أطراف فمه
أنتظر حتى ينزل الظلام
لأشعل ناراً وأعد فوقها شبكة شواء
أنتظر حتى يموت النهر
لأتمدد بعدها على الأرض القاحلة
لأنام وأتنفس هواء
لم تتنفسه أسماك النهر
وفوق النار أشوي أصابعي هذه
أصابعي التي تبكي بلا هوادة

طريق
رفعت يداً
لألوح للبعيد
قصمت ذراعاً من جسدي
وصنعت منها مقعداً
وانتظرت
تخشب قلبي
وصار مائدة

ماذا يوجد الآن هنا؟
موقد نار معطل
أنبوب بلاستيكي كقناة مياه
يقطع الغرفة إلى نصفين
برميل زيت مثقوب
وجلباب معلق على باب
قنينة زجاجية صغيرة
رف كتب فارغ
في الأعلى ثلاث رخامات زجاجية
يتوسطها ثقب
ثمة ثقب في السقف أيضاً
كؤوس وطناجر
وكرسي مهترئ وجهاز تلفاز قديم جداً
يدير ظهره للجدار
يخرج منه البخار
ومساحيق غسيل
كتاب «علم الإجرام»
وراءه مقبس كهرباء
أحشر فيه إصبعين
كي أضيء

حديث إلى النفس
سرقت كل شيء صوت الناي كي يظهر الحزن
قصائد من شعراء أحبهم نكاية بهم
في الصيف
بعدما سحبه البحر مني
سرقت السروال الشاطئي
من أحد الغرقى
وفي الشتاء
سلخت الفرو من قطة وصنعت منه قبعة لأن دمي بارد في كل الفصول

يا قلبي
عربات الأيام سريعة
سأفرغك الليلة في النوم
في الصبح سأملؤك بأحلامي المتفحمة
لعلك تتحرك
كقطار بخاري

الحافة
في الأيام الأولى من وهم الشعر
أشرت إلى البحر
وهمست إليهم
أرى باخرة تجر ذيلها وتخور
أرى ضوءاً يتدفق عبر الموج
ويملأ كأسي

لماذا؟
يا إلهي
رأيت قطاً يحك أنفه بعجلة سيارة معطلة
رأيت طفلاً يحبو نحو بالونة معلقة
على باب خمارة

يا إلهي
رأيت زهرة ذابلة تسقط في بركة موحلة
رأيت جثتي
يحملها نمل
من رصيف إلى رصيف
وفي جهة أخرى رأيت
شاعرة تنوح

مكاشفة
بين الأحراش ننام
أنا وأنا
نسند رأسينا
إلى منجل

كرسي الندم
قلبي كرسي هرم
أمس
كسرته مثل نجار أخرق
خرجت مسامير
وعناكب
كنت أطاردها بمطرقة
مثل مجنون

غزال
أفكر في يد تحمل قصائدي
إلى حظيرة في الريف
علفا لماشية
من أثدائها
يرضع غزال
لطالما حلمت
بأنه أنا

معابر الحبر

دامي عمر

كتابة بالأخضر على اليا... ئس
نساء Nuno Judice
اللواتي يهرمن في الزوايا المظلمة
لا يعرفنني
أوضب خريفي بربيع الكلمات
لا تزعجني سوى القصائد
التي تشيب تحت فروة الرأس
وتترهل في الظل الأيسر من الصدر
الزمن نحات..
يعيد بإتقان ظلال التقاسيم
أنشغل بمن يرافقني... عمن يراقبني
و ألغي الستائر السميكة التي تحجب الضوء
اللواتي يدفن وجوههن في المجلات الرخيصة
ويتغضن في يأس لسن مني
أنمو خارج دوائر الصخب
لأن القصيدة أوركيدة
تتفتح في صمت البراري
في الهدأة المشتهاة
وحين تمتشق ربيعها
أراوح الصمت
وأندس في زحام الشوارع
أهيئ عزلتي القادمة
كما تهيئ الأمهات مؤونة الشتاء
أبداً
لا تهرم أصابع
ترقن بالأخضر على اليا ... ئس

ظلال
قالت مولاتي: إذا مشيت في طريق مقفر فأنصتي!
قلت: لمن، وقد أقفر الطريق؟
قالت: دعي للريح أن ترج الصمت
تهز الستر فتنثال الأسرار
أسرار الذين مضوا
حزانی كالظلال
هكذا هي الطرق حين تقطعها الأرواح...
تبوح

أعتزلني
في بلدي
النساء يدعكن الحكايات
يصبرن حتى تختمر
ولا يروينها قبل حلول الظلام
حكايات لا تبصر
إلا في الليل كبنات الكهوف

«كان يا مكان...»
أسرة باردة وسعال أطفال يتبادلون الأمراض كما يتبادلون في النهار الشتائم
الخيال تنور الشتاء، المكابدات ملح خبزنا الفطير
الزمان استعارة سيئة: المرأة ماكرة والرجل مقدام
هكذا يولد الغد من ظهر ليل الحكايا أعمى بصيغة شرقية كالأمية والحصبة وتعدد الزوجات... لا تثق الراوية في همس الحرير، أو في لمسة مخملية توقظ حواسها الراكدة، قد تكون مجرد حيلة لقياس استجابة محرمة..
الضفائر والأقراط والخلخال تاريخ تكتبه التفاصيل الغائرة

يوسف، ما بال النساء يستدفعن الرغبة بالألم؟... قسوة في منتهى التأنيث..
سأعتزلني
وانتبذ مني صمت النبيات
أهز فيه بكف مريم شجرة الماء

...انتظر !
عقارب الساعة تدور (مائعة بلا معنى)
تدور في المكان الفارغ منك
كي توصلني إلى الساعة الأخيرة من الصبر
أو إلى أولى ساعات الانهيار
أدخل يدك في جيبك
أخرج قطع الليل
لا تنثرها في معبر الريح
املأ جيبك سريعاً بزهر اللوز
وانتظر...
على قدر الصبر تأتي الفراشات!

رجل يقرأ طالعه

يونس الحيول

سبت مع جوني كاش
عازف القيثارة الشاب
العازف المعتد بنفسه يداعب أوتاره بيد جريحة. لعله لم ينتبه لظاهر كفه الملتمع بقطرات دم. ولا انتبه السائح الفرنسي الذي بدأت كؤوس الويسكي ترفع الكلفة بينه وبين صديقته الجديدة على الأرجح. عازف القيثارة الذي يصدح بصوته الشجي وحيداً بلا فرقة دسست في جيبه خمسين درهماً، وطلبت منه أغنية لجوني كاش فابتسم وحرك رأسه موافقاً.
كنت أنت في الطابق الرابع تطمئنين على نوم أبيك. وطالت نوبة الحراسة. بهو الفندق دافئ في تلك الليلة الشتوية. حين عدت بلباسك الرياضي الأزرق قبلتك كما لو غبت دهراً نكاية في الفرنسي على الأريكة المجاورة. دسست يدي متلمساً لحمك البض. رفعت الستيان قليلاً. ولا أذكر سوى أن فمي كان متوحشاً في ذلك الهزيع.
في الصباح ونحن نتمشى على الكورنيش البارد، ونركل حبات البرتقال المتساقطة من الأشجار أخبرتني - ونحن نضحك - كم كنت معطاء ومبهجاً في السرير.
تذكرت كل هذا وأنا أسمع صوتك المرتعش هذا الصباح من على الجهة الأخرى من الخط. وأسمع معه ضحكة غير مكتومة لصديقي الأعز.
لعله ضمد أصابعه عازف القيثارة. لعله يداعب أوتاره بالهمة نفسها. لعلكما تكركران في الممشى إياه على الكورنيش وتركلان حبات البرتقال. لعلك تسبلين رموشك وأنت تطرين على فحولته.
بعد كل هذه الأعوام. كلما سمعت جوني كاش رأيت الدم وقفز مذاق حلمتك إلى فمي.

صلاة
الفتاة التي تسكن المنزل
في آخر الزقاق
وكل مرة يكسر أبوها
خاطرها أمام الملأ
غير عابئ بعرجها
الخفيف
ولا بذكرى أمها التي
قضت منذ أيام
صليت من كل قلبي
من أجلها

«بول أوستر» سارد عاطفي
لا أريد أن أموت
هنا
في مدينة حزنها من معدن
أصيل
لا يطوله التلف
أحب أن أنام وأستيقظ
جثة في رواية لبول أوستر
بول أوستر
يقتل شخصياته ببراعة
وبلا أدنى ألم
يذكر موتاه بخير
يختار لهم مقابر أنيقة
وما شاؤوا من أكاليل
الزهور
وربما زوجات صالحات
وأبناء بررة يبكونهم
بحسرة

بول أوستر
رغم عينيه الجاحظتين
سارد عاطفي
وحبكته البوليسية
لا تميتك في يوم ممطر
يوقف السرد
ثلاثة أيام حداداً عليك
وحتى وأنت في النعش
يترك أحلامك
طليقة حتى آخر
صفحة في الرواية

حروب في رأسك
أفكار عجيبة تخوض
حروباً في رأسك
بالمنجنيق
مرة تضرعت إلى
المجاز
لتسعف فكرة من جروحها
شديدة الخطورة
لكنها نفقت بين
يديك
تاركة جراءها تصيء
كلما لسعها البرد
في خيالك

5. سمفونية الليل

حين نثمل
نصغي معاً لسمفونية
الليل
الريح سوبرانو
وخفقات قلوبنا
كورال

مفترق الوجود

محسن أخريف

حلم
حلم الياسمين
هو أن يصير سقيفة بيت.

تعب
عيناك متعبتان
والبحر نائم
يحتضن الشمس
الذاهبة إلى سريرها؛
البحر سرير الشمس

بائعة أوراق حظ من سبتة
جالسة،
ولماماً تقف..
تقلب أوراق الحظ.
حسب المزاج
ترتبها
أو تتركها عشواء.
في شارع ثنينثي خوصي أولمو؛
في سبتة،
باعة أرواق حظ كثر،
لكن الناس يصطفون أمامها
في صف طويل
فوحدها أوراق تلك السيدة من تربح.
■ ■ ■
عاثرو الحظ طوال مرات سالفة
يتحدثون عن المحظوظ السابق
الذي غادر صفهم.
ويستعطفون السيدة
أن تختار لهم،
من بين أوراقها ورقة؛
لعلها تكون الرابحة.
■ ■ ■
منذ الصباح الأول،
السيدة، من دون باعة أوراق الحظ الكثر،
يحالفها حظ بيع جميع الأوراق
رابحة كانت أم خاسرة؟
■ ■ ■

* النصوص مجتزأة من كُتُب بنفس عنوان كل منتخبات على حِدة، صدرت حديثاً ضمن منشورات «بيت الشعر» في المغرب 2019. كل الرسومات من وضع الشاعر عبد الله بلحاج. غادَرَنا الشاعر محسن أخريف في 21 نيسان (أبريل) الماضي إثر صعقة كهربائية من ميكروفون أثناء أمسية ثقافية