ثمة مقولة معروفة هي أنّه ليست هناك دول فقيرة، بل سوء توزيع للثروة الوطنية. هذا هو موضوع كتاب «هل مصر بلد فقير حقاً ـ ردٌ على الجنرال عبد الفتاح السيسي» (دار زين ـــــ 2018 ) الذي أدى نشره إلى منع المؤلف عبد الخالق فاروق من العمل وسجنه هو والناشر بعد إقفال دار النشر، لكن من دون نسيان ذكر سوء إخراج النسخة، ربما بسبب إسراع الناشر في إصدارها. يدّعي الرئيس المصري الجنرال السيسي أنّ مصر بلد فقير، وليس بإمكان الدولة المصرية تلبية حاجات المواطنين أو مطالبهم. بل إنّه لا يتردد في الاستخفاف بعقول المصريين وغير المصريين عندما يقول إنّ ثلاجة بيته لم تحوِ على مر عشر سنين سوى زجاجات الماء!

رغم تلك الادّعاءات عن اقتصاد مصر غير المدعومة بأي إحصاءات رسمية خاضعة للتدقيق في كيفية جمعها ومن ثم تفصيلها، نرى أن حكومات العسكر المصريين الممسكين بالبلاد وبأعناق أهلها، تعلن عن مشاريع ضخمة لا عائد اقتصادياً لها لخزينة الدولة، تستهلك احتياطي البلاد من العملات الصعبة، ومنها مثلاً مشروع التفريعة الجديدة لقناة السويس ومشروع العاصمة الإدارية الجديدة ومبنى المتحف الجديد. ولا ننسى طبعاً مشروع أكبر سندويش في العالم يدخل «موسوعة غينيس» للأرقام القياسية ومشروع الكفتة!


مؤلف هذا الكتاب عبد الخالق فاروق (1957) حصل على بكالوريوس الاقتصاد والعلوم السياسية من جامعة القاهرة عام 1979، وعلى ليسانس الحقوق من جامعة القاهرة عام 1992، وعلى دبلوم في القانون العام من جامعة القاهرة عام 1997، وعلى دبلوم في إدارة الجهاز الحكومي القومي من معهد الإدارة العامة في اليابان عام 1989. عمل باحثاً اقتصادياً في مركز الدارسات السياسية والاستراتيجية في الأهرام، وباحثاً اقتصادياً في مكتب رئيس الوزراء المصري، وباحثاً اقتصادياً في الهيئة المصرية للرقابة على التأمين التابعة لوزارة الاقتصاد، وخبيراً اقتصادياً في الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة، وخبيراً في شؤون الموازنات العامة الحكومية في المنتديات الدولية قبل صدور هذا المؤلف وطرده من عمله. نال جائزة الدولة التشجيعية في العلوم الاقتصادية والقانونية عام 2003 وجائزة أفضل كتاب اقتصادي لعام 2002 من أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا في مصر عن كتاب «النفط والأموال العربية في الخارج». باختصار، ليس الكاتب باحثاً عن الشهرة أو مشاكساً سياسياً صاحب برنامج أيديولوجي وإنما عالم معروف.
يتعرض الكاتب في عمله لمسائل كثيرة لا يمكن لهذا العرض المختصر تناول أغلبها، ونكتفي بذكر بعضها، والاختصار المفيد في تناول نقاط نرى أنها رئيسية، لكننا نؤكد على ضرورة عودة القراء إلى المؤلف ليكتشف حجم الفجيعة وخديعة حكم العسكر.
بعد المقدمة، ينتقل الكاتب إلى جوهر المسألة في فصل «مآزق اقتصاد مصر وصانعي القرار»، فيقول ضمن أمور كثيرة مهمة إنّ الحقيقة التي ينبغي تأكيدها أن الخبراء الاقتصاديين المتحلقين حول الحكومة والسلطة السياسية في البلاد يدركون ما نقول في هذا المؤلف ويحيطون بما يَطرَح من أفكار، وأن الاقتصاد ليس علماً محايداً ولا مجرد معادلات فنية وطرقاً حسابية ورياضية بقدر ما هو علم اجتماعي محمّل بعبء الانحيازات الاجتماعية لصانع القرار أو لراسمي السياسات الاقتصادية. ويضيف إنه ثمة مدرسة اقتصاد السوق (أي الرأسمالية ـ ملاحظة المحرر) التي تترك لعوامل العرض والطلب وآلياته الغاشمة تحديد بوصلة النشاط الاقتصادي وطريقة توزيع الدخول والثروات وتترك للقوى المسيطرة تحديد مسارات النمو وقطاعاته الأوْلَى بالرعاية والاهتمام غير عابئة بمصالح المجتمع والطبقات المحدودة الدخل. يذكر الكاتب أن وحشية هذا التيار ازدادت منذ مطلع الثمانينيات حين سيطر على القرار الاقتصادي والسياسي في بعض أهم الدول الغربية وفي طليعتها الولايات المتحدة وبريطانيا وهيمن على الأدبيات والمنتجات الفكرية لبعض أهم المعاهد التعليمية والأكاديمية في الغرب وعززها انهيار (قل: هزيمة ـ المحرر) النظام السياسي السوفييتي والتجربة الاشتراكية برمتها.
على الجانب الآخر، يوجد التيار الفكري الذي يؤكد على أهمية أدوات التخطيط وتوجيه مسارات التنمية من دون مصادرة المبادرات الفردية والمشروع الخاص، ويرسم في ضوء الاحتياجات الأساس للسكان الأنماط المناسبة للتنمية.
ثم يعود لتأكيد دور الانقلاب الساداتي الاقتصادي، وبالتالي السياسي، في فرض ما يسمى سياسة الانفتاح، ما قاد إلى نمط اقتصاد السوق الفوضوي الذي ساد في مصر طوال السنوات الخمسين الأخيرة. أمر أدى إلى صعود قوى اجتماعية جديدة وتحالف اجتماعي بدأ يتشكل منذ عام 1974 وتكوّن من أربعة روافد هي: رجال المال والأعمال الجدد، وكبار جنرالات المؤسسة الأمنية والعسكرية، وبعض الطامحين والطامعين من المؤسسة الجامعية وأخيراً بعض أعضاء المؤسسة القضائية، الذين حددوا جميعاً السياسات وكيفية توزيع الفائض والأرباح. العمل اليومي والغذاء اليومي لهذه الروافد، كان معاداة فكرة التخطيط والتحيز للفقراء والطبقة الوسطى حتى لم يعد للأفكار التي تنتصر لمفهوم التخطيط أي مكان لدى صنّاع القرار في مصر.
سُجن الكاتب وأقفلت دار النشر بعد صدور هذا الكتاب


ينوه الكاتب إلى عدم صحة الادعاء بأن مصر «بلد فقير أوي». ويقول إنها تعكس إما عدم إدراك للقدرات والإمكانيات المتاحة في مصر أو عدم توافر رغبة حقيقية لدى المدعين والمروجين في إعادة بناء اقتصاد البلاد ونظامها الضريبي، بما يلبي المطالب العادلة للمواطنين وبما يأخذ من الأغنياء ورجال المال والأعمال حق الدولة والمجتمع عليهم، كما يؤكد هذا الكلام في الوقت نفسه على عدم توافر رغبة في وقف الإهدار والإسراف الذي يميز الإدارة الحالية ووزراءها. الكاتب يعيد القارئ إلى ملف الإنفاق الحكومي في المؤلف، ليكتشف فيه فضائح مدوية.
عندما ينفي الكاتب أن مصر «بلد فقير أوي» يذكر بعض الحقائق ومنها أن مشتريات المصريين من فيلات وقصور وشاليهات سياحية فاخرة منذ عام 1980 حتى عام 2011 بلغ 415 مليار جنيه على الأقل، أي ما يعادل 180 مليار دولار بأسعار الصرف السائدة في تلك الفترة الزمنية، وأن حجم ودائع المصريين خارج مصر تجاوز 160 مليار دولار، وهو ما يصل حالياً إلى 250 مليار دولار وفقاً لمعدلات النمو الطبيعية في هذه الودائع والثروات. كما ينوه إلى أن تقارير منظمة النزاهة المالية الدولية تفيد بأنّ حجم التدفقات غير المشروعة من مصر إلى الخارج نتيجة الفساد الحكومي، يقدّر بحوالى 57 مليار دولار خلال السنوات الممتدة من عام 2000 حتى عام 2008، أي بإجمالي مبالغ تقدر بأكثر 336.8 مليار جنيه مصري خلال هذه السنوات التسع (بسعر الصرف القديم) وأن السنوات الثلاث الأخيرة من هذه الفترة شهدت زيادة ملحوظة في حجم هذه التدفقات غير المشروعة إلى الخارج حيث بلغت حوالى 13.0 مليار دولار عام 2006 و13.6مليار دولار عام 2007، و7.4 مليار دولار عام 2008. نكتفي بما ذكرناه آنفاً ونشجع القارئ على العودة للمؤلف ليقرأ عن نماذج من شركات المحاسيب؛ والمساكن الفارغة والموارد المهدورة؛ و«من يمول عاصمة الإدارية؟» وكم خسرنا من تعاقدات الغاز مع الأردن و«إسرائيل»؛ ومعاش الوزير عام 2013 (3750 جنيهاً مصرياً) وحوافزه (124000 جنيه مصري) وغير ذلك.

* «هل مصر بلد فقير حقاً ـــ ردٌ على الجنرال عبد الفتاح السيسي» (دار زين ـــــ 2018 )