ليس هناك نقوش رسمية في الهرم الأكبر من أيام إشادته. هناك فقط غرافيتان (مخربشتان) أو ثلاث يُعتقد أن بعض العمال الذين شاركوا في بناء الهرم كتبوهما وذكروا فيهما اسم «خوفو» الفرعون الذي يفترض أنه بنى هذا الهرم. لكنّ هناك اتجاهاً قوياً يقول بأن هذه المخربشات مزوّرة وأنها من صنع الكولونيل هاوارد فايسي Colonel Howard Vyse الذي استكشف الهرم في القرن التاسع عشر. فقد أراد أن يخلد اسمه باعتباره من اكتشف نقشاً يؤكد أن الهرم الأكبر من صنع خوفو، فزوّر هذا النقش. وهذه المسألة معقدة جداً ومحل جدال واسع، وليس لي قدرة على الدخول فيها.

مع ذلك، فهناك مخربشات كثيرة داخل الهرم الأكبر وخارجه كُتبت من قِبل الزوار على مدى العصور. وقبل فترة ليست ببعيدة جداً، جرى الانتباه إلى «مخربشة» خاصة، وغريبة، على المدخل الرئيسي لهذا الهرم. وهي مكونة من أربع علامات واضحة. ولست أدري على التعيين من الذي اكتشفها أولاً.



أثارت هذه العلامات عدداً لا بأس به من هواة الألغاز في الغرب، لكنها لم تثر أحداً عندنا حسب علمي. وهناك من ادعى أنها نقش سنسكريتي، أو يوناني، أو بربري، أو غير ذلك. لكن السائد في الإنترنت أنها علامات سنسكريتية.
وقد أثار هذا النقش فضولي كما أثار فضول غيري. وبدا لي منذ اللمحة الأولى أنه نقش ينتمي لعالم الجزيرة العربية. بل إنني تمكّنت بسهولة وسرعة من قراءته بناء على هذه الفرضية. وقبل أن أبين ذلك، علي أن أقول أن هناك دلائل على أن لدينا في ما يبدو نقشين آخرين قرب هذا النقش، وإن كانا أقل وضوحاً منه، كما يظهر في الصورة أدناه.



وكما نرى في الصورة، فهناك علامات نافرة ما أسفل العلامات الأربع. وهي تتركز تقريباً تحت العلامة المكونة من ثلاثة خطوط أفقية. أكثر من ذلك، فهناك إلى يميننا بقايا علامات أخرى يبدو أنها تمثل نقشاً آخر. وسوف أتحدث عن هذين النقشين لاحقاً. أما الآن، فسأذهب إلى العلامات الأربع الواضحة. وأنا أستطيع قراءة العلامات هكذا: و ط و س (وطوس).



العلامتان الأولى والثالثة هما علامة الواو في أبجديات شمال الجزيرة العربية. ويبدو أنه كان لهذا الحرف في القديم شكلان، شكل بخط واحد داخل دائرته، وآخر بخطين اثنين في هذه الدائرة. وأدناه صورة حرف الواو في أبجديات شمال الجزيرة العربية. والأصل التصويري لهذا الحرف هو صورة الوتد، أو رأس الوتد. ويبدو أن رأس الوتد كان يشق بخط كي لا تنزلق الضربات عنه. ولعله من أجل هذا يسمى الوتد في العربية باسم «الشجيج»، أي المجروح الرأس والمشقوقة.
وإذا صح هذا، يكون قد تبقى علامتان كي نحل أمرهما، الثانية والرابعة. أما الثانية فهي تماثل تماماًَ حرف الطاء في الأبجدية التي تسمى «ثمودي دي» في شمال الجزيرة العربية. الفارق بينهما أن علامة نقشنا مطروحة أفقياً لا عمودياً.

قارن حرف الطاء في الكتابة الثمودية دي وبين العلامة الثانية


وفي كل حال، فإن حرف الطاء في غالبية الأبجديات الشمالية، والتي سماها ماكدونالد بأبجديات الواحات، يتكون أساساً من ثلاثة أو أربعة خطوط مهما تباينت أشكاله.
بناء على هذا، يتبقى لدينا العلامة الرابعة والأخيرة. وأنا أعتقد أنها حرف السين في شمال الجزيرة العربية. وهي مماثلة تماماً لهذا الحرف في الصفائية على وجه الخصوص، لكنها أيضاً قريبة جداً من الحرف ذاته في الحسمائية.

حرف السين في الصفائية وفي الحسمائية


انطلاقاً من هذا يكون لدينا كلمة: «وطوس». فماذا تعني هذه الكلمة؟
يبدو لي أننا مع الاسم «طوس» أو «طويس». والاسم «طوس» بصيغتيه معروف في الإسلام وقبل الإسلام. أما الواو التي تسبق الاسم، فهي واو العطف، وهو ما يعني أم الاسم «طوس» معطوف على اسم قبله. وهو ما يؤيد ظني بوجود كتابة أسفل هذه الكلمة. ويبدو أن هناك بالفعل اسماً آخر في واحد من النقشين الباهتين اللذين أشرت إليهما أعلاه. وقد تتبعت بالخط الأحمر هذين النقشين، فكانت صورتهما كما يظهره أدناه.

النقشان الآخران كما تبديا لي: الحرف باللون الأزرق لم يكن واضحاً تماماً بالنسبة، فتخيلته من بقاياه


أما النقش الذي تحت (طوس) مباشرة، فيقرأ هكذا: ل ق ع ن (لقعن). وهذا يعني أننا مع الاسم (قعن) إضافة إلى لام الملكية الزائدة. «وقعن» اسم جاهلي معروف تماماً. أما تصغيره (قعين)، فأكثر انتشاراً. ويمكن قراءة الاسم في النقش على الوجهين (قعن، قعين). ذلك أن حروف العلة لم تكن تكتب في الغالب. أما اللام في البدء، فهي لام الملكية. ووجودها شائع جداً في بداية النقوش العربية الشمالية. وهي توضح من كتب النقش. وحين نقرأ «لـ قعن أو قعين»، فيجب أن نفهم أن الكاتب هو قعن. إذن، فالاسم «طوس» أو «طويس» معطوف على الاسم «قعن» أو «قعين»، والنقش بقسميه يقول: «لقعن و طوس» أو لـ «قعين و طويس». بذا فواو العطف قبل الاسم (طوس) موجودة لأنه كان هناك اثنان كتبا النقش معاً. ربما كتبه واحد منهما، لكن باسميهما معاً. لكن من المحتمل أنّ قعين كتب اسمه الذي بالخط الأحمر، وأن طويس كتب اسمه الذي لم نلونه. والحق أن اختلاف الخط يشير إلى أن يدين مختلفتين قد كتبتا الاسمين والنقشين.
أما النقش على يميننا، فيبدو أن من نقشه لم يكن ثالث الرجلين. لقد جاء وحده ونقش نقشه في ما تبقى له من مساحة. ويقول النقش حسب قراءتي: «لذي جدن». والاسم ذو جدن معروف تماماً في الجزيرة العربية، وهو في الأصل اسم يمني. لكنه معروف في شمال الجزيرة أيضاً.

لذي جدن بالحروف العربية الشمالية المعروفة لنا تحت الاسم ذي جدن في نقشنا


والنقش يقرأ من الأسفل للأعلى، لكننا قلبناه هنا ليقرأ أفقياً من اليسار لليمين. فلم يكن اتجاه الكتابة قد رسخ في تلك الفترة. فالنص قد يكتب من الشمال لليمين أو العكس، وقد يكتب من الأعلى أو الأسفل، أو بطريقة الحراثة. لذا رأينا أن اسم طوس كتب من اليمين والشمال. أما اسما قعين وذي جدن، فيقرءان من الأسفل إلى الأعلى.
أخيراً، لاحظ أن الاسمين (قعن) و (ذي جدن) ينتهيان بحرف النون. لكن شكل حرف النون فيهما يختلف تماماً. ففي حين نجد أن النون في الاسم قعين متموجة، نجد أنها خط عمودي في الاسم ذي جدن. وهذا يعكس وضع حرف النون في أبجديات شمال الجزيرة العربية بدقة. فهو يكون أحياناً متموجاً، لكنه في أحيان غيرها يكون خطاً عمودياً.
أخيراً، يمكنني أن أقترح أن هذين النقشين من العهد الهكسوسي، أي أنهما من فترة تقع بين القرنين السابع عشر والثامن عشر قبل الميلاد. بهذا فهما نقشان هكسوسيان. وهو ما يعني أن الهكسوس قوم من جزيرة العرب، لا من الشام ولا من غيرها. لقد زار الأشخاص الثلاثة الهرم الكبير العظيم والمهيب ونقشوا أسماءهم على بابه، فكان علامة على أصلهم الهكسوسي وعلى موطنهم
الأصلي.

* شاعر فلسطيني