«ملأني الحزن لضعفي وضعف مهنتي، التي قيّدت نفسها بالرقابة الذاتية بحجة المرونة. لقد كرهت هذين المفهومين منذ تلك اللحظة، واخترت الطريق المغاير لذلك تماماً. هذا ما دفعني إلى أن أكون صحافياً استقصائياً». من بين عدة قصص أخرى، حفرت قصة عميقاً في رأسه. يتذكر كيف أنه في البداية، هرع إلى هاتف عمومي. والهاتف مثل الجريدة، في زمانه، كان عمومياً، أي للعموم، ولم يخص لفئة توشك على الانقراض. تحدث مع أول محرر أجابه، وأخبره عن احتراق خمسة أشخاص. اعتقد أن هذا الخبر للصفحة الأولى، لكنّ السيد دورنفلد، ذا الحذاء المغطى بالوحل، تدخل وقال: «يا عزيزي الطيب، السيد هيرش، هل الضحايا التعساء فقراء من صنف الزنوج؟». أجاب هيرش بنعم، فأجابه الأبيض: «خفف من روعتك وصدمتك». فهم أن تقريره ـ في حال ظهر في الصحيفة ـ فإنه سيكون تحت عنوان: «موت خمسة زنوج في حريق شبّ الليلة الماضية جنوب غرب المدينة»، وقد يذكر التقرير عنوان المكان. وليس جديداً التذكير بأن منهجية العالم بنسالته الليبرالية المهيمنة، يتعامل مع الأحداث بذات المنهج. فالموت في قارب غرقاً حتى قعر المتوسط بالآلاف، ليس مهماً مثل وفاة سائحين أوروبيين يتسلقان جبلاً.

في زمنه، كان الأمر معلناً. ذات مرة، تعرضت امرأة من أصول أفريقية للضرب المبرح، فتجمع عدد من أبناء جلدتها للاعتراض.


وكالعادة، حضر رجال الشرطة لتفريق المحتشدين. يتذكر هيرش أنهم كانوا يحملون البنادق، وأنهم أطلقوا القنابل. لقد هاجموا المعترضين بضراوة. ويتذكر أيضاً أن وكالات الأنباء نقلت الخبر على النحو الآتي: «جرح 50 شخصاً أغلبهم من البيض نتيجة لرمي الحجارة والحصى». لا يقول هيرش ذلك بصراحة، لكنه يضيف شهادته هذه إلى أرشيف الدعاية البيضاء الطويلة ضد الأميركيين من أصل أفريقي. وعلى طريق شهادته، يضيف إلى التاريخ ما حصل عليه من مهمته الصحافية من شهادات كانت للدعاية، ولم تكن من أجل الحقيقة. في ذلك اليوم، أخبره نائب رئيس مكافحة الحرائق في دكسمور عن المتظاهرين: «دعني أكن صريحاً: هؤلاء يتصرفون كالوحوش». وكان هذا الشخص الأبيض، كما يشير هيرش، بقوله هذا، يلمّح إلى سلوك سيطبع الكثير من المجابهات بين البيض والسود على مدى السنوات اللاحقة. ما يميّز سيمور هيرش (1937)، في تاريخه الطويل، وتحديداً عندما نتحدث عن علاقته بنظام بلاده، ليس فقط ميله إلى الأخلاق، بل معرفته أن الأخلاق لا تعني شيئاً وحدها في نظام طاحن إلى هذه الدرجة. مع الوقت، تطور فهمه للنظام، وبالتزامن مع هذا التطور، صار باحثاً جدياً عن المستندات اللازمة للمواجهة. أحياناً، يكون الأمر محبطاً لاستحالة توثيق الفظاعة لشدة هولها واستمرارها. وأحياناً، كان ممكناً أن تواجه بالسخرية. في معرض تذكره الطويل لتاريخ أميركا في فيتنام، يستعيد الحفل في القاعة المطلة على نهر بتومك. «هناك استغل أحد مسؤولي وزارة الدفاع الكاريزما في حفلة الكوكتيل، حيث كان تتجمع حوله شلة من الصحافيين المأخوذين به، والمستعدين لإطلاق الضحك بصوت مرتفع لأي تعليق خفيف يصدر عنه». الطريف في الأمر أن تعليق هيرش يحيل فوراً إلى صور معاصرة من صحافيين وصحافيات يقومون بأعمال مشابهة اليوم، كما لو أن الصحافة تعيد إنتاج نفسها كمهزلة، إذا استعرنا المعنى الماركسي للكلمة. كما لو أنّ النكات السخيفة التي يلقيها المسؤولون من «أوزان» مختلفة، تتمظهر اليوم في «السيلفي» التي يتباهى بها عديمو الموهبة والفهم الأخلاقي لطبيعة المهنة، التي تحولت إلى مهزلة. كان الأميركيون يقصفون هانوي بالطائرات، وكان المسؤول يعقب بصوت عذب ـ بحسب تعبير هيرش ـ أنه تعلم شيئاً واحداً خلال خدمته في الحرب العالمية الثانية: «القنابل لا تصيب الأماكن التي تستهدفها». كان هذا التصريح السخيف الذي لقي استحسان الحاضرين وتأثرهم الأبله، قبل القنابل الذكية وقبل حرب العراق، وقبل ظهور غوانتنامو.
رغم نقده الدائم لسير الحياة من «فوق» في الولايات المتحدة الأميركية، لا ينكر هيرش انتماءه إلى جانب رقيق من جوانب الحياة الأميركية، واستفادته من هوامشها وتنوعاتها. نشأ سيمور الصغير في بيئة متنوعة الأعراق في شيكاغو، وهذا، لعمره، ما ساعده على أن يكون مرتاحاً لتبادل الآراء مع جميع المواطنين. ما هو لافت، أنه يستخدم تعابير صحافية صرفة، من دون أي اسراف أكاديمي، أو ادعاء لغوي مبالغ فيه، فلا يقول «الآخرين»، بل يستخدم المصطلح الذي اعتاد استخدامه في حياته المهنية: «المواطنون». كذلك، لا يدّعي التأريخ، لأنّ للتاريخ مناهج مستقلة، بل يحاول دائماً الاسهام في إنتاج معرفة للحاضر مستقلة عن هيمنة النظام، للإسهام في تاريخ أقل تلوثاً ربما لعبت طفولته دوراً حقيقياً في بلورة هذه الشخصية «الحرفية»، إذ نشأ يبحث عمن يمكنه الوثوق به في الحي المختلط، وعلى من يمكنه الاعتماد. كان ذلك محاولة لتعويض النقص في تربيته وفي منزل العائلة: «لسببٍ أو لآخر، وجدت سهولة في الانفتاح والتواصل مع العلماء وجنرالات الجيش والمشرعين الجمهوريين ومسؤولي الاستخبارات». وهكذا انتقل في مهنته من مرحلة إلى أخرى، أي إنه لم يكن موهوماً بأن الانتقال والتدرج في الصحافة والاستقصاء ممكنان من دون علاقات قوية. لم يرغب في أن يكون ناقداً أو محللاً، بل أراد أن يعمل في الميدان. وكان هذا مكلفاً وشاقاً.
في فيتنام، لم يخرج عن السردية المتعاطفة مع الأميركيين


لأنه لم يكن منظراً، وكان ينظر إلى الحقيقة نظرةً صلبة ولكن عمودية، كان في أدبياته وفي ثقافته صحافياً يسير في كثير من الأحيان في موازاة الماينستريم، ولا ينقلب عليه. يسايره في اللغة وفي المنطلقات ويعترض على الماينستريم عندما يشذ الأخير عمّا يقوله عن نفسه. صحيح أن هيرش اعترض على فظاعات الأميركيين وحاول توثيقها في فيتنام أو في العراق وقبلها في أحياء الأميركيين من أصل أفريقي، إلى درجة أنّ العالم كان فعلاً بحاجة إلى من يقوم بهذا العمل، لكنه في مسائل كثيرة كان ملتزماً بالخطاب وحدوده. في فيتنام، لم يخرج عن السردية المتعاطفة مع الجنود الأميركيين أكثر من التعاطف مع الضحايا الفيتناميين. وهذه نظرة للوهلة الأولى تبدو إطلاقية، لكنها شائعة في السينما والأدب الأميركيين، حتى الرافض لسلوك الاحتلال الأميركي في فيتنام. في العراق يبدو الأمر مختلفاً، حيث تعلم هرش من تجاربه فعلاً، وبدأ يخرج عن الماينستريم. موقفه وأسئلته عن اليمن أخلاقية أيضاً. لكنه في كثير من الأحيان، وغالباً بسبب نقمة الشاهد على السيستم، اتخذ مواقف أقل أخلاقية بكثير في قضايا أخرى، ولا سيما العربية منها. ولهذا السبب، وانطلاقاً من سيرته التي يكتبها بنفسه، ربما تكون أهم أعماله هي الأعمال التي أنجزها قبل أن يصير مسكوناً بنظرية «مؤامرة»، معظم الذين يؤمنون بها غيره لم يستطيعوا إنجاز غيرها وتابعوا علكها وبصقها. ما يميّز سيمور هيرش أنه أنجز شيئاً ما في حياته، ولهذا تبدو سيرته مهمةً وضرورية للصحافي الجدّي.