منذ سقوط نظام بن علي في 14 كانون الثاني (يناير) 2011، تحوّل مبحث الإسلام السياسي إلى شاغل أساسي من شواغل الحياة السياسية في تونس، وأيضاً الحياة الأكاديمية والثقافية. هكذا، تعدّدت الكتب والدراسات والندوات التي تهتم بتجربة الإسلام السياسي في تونس، بخاصة «حركة النهضة» (الاتجاه السياسي سابقاً). «الإسلام السياسي ومفهوم المخاطر» (دار الجنوب ـ تونس) كتاب جديد صدر لفريد بن بلقاسم، الاختصاصي في الحضارة والأستاذ في المعهد العالي للعلوم الإنسانية في تونس. قدّم عبدالمجيد الشرفي لهذا الكتاب، معتبراً أنّ من مزاياه «أنّه لم يقتصر على تحليل ما يجمع بين تنظيمات الإسلام السياسي من مرتكزات، بل أتبع هذا التحليل بما سمّاه الاستجابة للمخاطر ـ وهي عندنا من باب التصدي لها أكثر من الاستجابة» وخلص إلى نتيجة جامعة تقضي بـ «اجتراح رؤية شاملة تأخذ في الاعتبار العناصر السياسية والتنموية والأمنية من ناحية، وتجديد الفكر الديني والمؤسسات الدينية وإصلاح مناهج التربية والتعليم وتطوير الخطاب الديني في وسائل الإعلام وفي شبكة الإنترنت من ناحية أخرى».



في هذا الكتاب، خصّص فريد بن بلقاسم مدخلاً قدّم فيه إشكاليات ومفاهيم الإسلام السياسي حسب الدراسات التي تناولته والاختلافات بين الدارسين مثل عبدالوهاب المؤدب صاحب كتاب «أوهام الإسلام السياسي» La Maladie de l’Islam (صدر في باريس عام 2002) الذي اعتبر فيه أنّ الأصولية هي داء الإسلام أو كتاب «السراب» الصادر في أبوظبي لجمال سند السويدي، أو كتاب «ما بعد الإسلاموية» لآصف بيات أو كتاب «خسوف الإسلام السياسي ـ الإخوان المسلمون نموذجاً» لسعد الدين إبراهيم.
يحدد فريد بن بلقاسم مفهوم الإسلام السياسي «بعيداً عن أي حكم معياري للإشارة إلى الحركات والجماعات والتنظيمات التي تشترك رغم ما بينها من فروقات طائفية». كما حدد خصائص الإسلام السياسي، وتوقّف عند عوامل نشأة الإسلام السياسي وانتشاره. قسّم فريد بن بلقاسم الكتاب إلى مجموعة من الأبواب تبدأ بمدخل في الإشكالية وضبط المفاهيم. أما القسم الأول، فخصصه لمخاطر حركات الإسلام السياسي التي قسمها إلى فصلين (التحديات والتهديدات، والمخاطر ونقاط الضعف). أما القسم الثاني فخصصه لطرق الاستجابة لمخاطر الإسلام السياسي الذي قسمه إلى فصلين: الأوّل في «الاستجابة للمخاطر ونقاط الضعف»، والفصل الثاني «في الاستجابة للتحديات والتهديدات». وخصّص ملحقاً لأهم تنظيمات الإسلام السياسي وحركاته.
ويستعرض فريد بن بلقاسم تجربة «حركة النهضة» في الحكم وعلاقتها بمفهوم الخلافة الذي يجمع كلّ حركات الإسلام السياسي. كما يتوقّف عند مرتكزات منظومة الإسلام السياسي وهي الحاكمية. مفهوم يمثّل حجر زاوية مشروع الإسلام السياسي «التي تقود حركات الإسلام السياسي في تنظيراتها وفي برامجها العملية والتطبيقية، وفي رؤيتها لمسائل الحكم والدول والتشريع». وهنا يستشهد براشد الغنوشي زعيم «حركة النهضة» في كتابه «الحريات العامة في الدولة الإسلامية»، إذ يعتبر «أن في الإسلام نظاماً للحكم صادراً عن الله».
إلى جانب الحاكمية، نجد مفاهيم مركزية أخرى وهي الشريعة والخلافة والجهاد والولاء والبراء والموقف من المرأة. ويقول فريد بن بلقاسم: «لقد كانت القضايا المتعلّقة بالمرأة في صميم رؤية تيار الإسلام السياسي الأصولية بمختلف توجهاته ونزعاته، فقد رفضت حركاته رفضاً قطعياً مراجعة الأحكام الفقهية التي تقرّ بوضعية المرأة الدونية». ومن مرتكزات الإسلام السياسي أيضاً معاداة الفنون والأداب. وتكشف مسيرتها «أنّها لم تستطع بسبب عوائق متعلقة ببنيتها الفكرية والتنظيمية، أو بسبب ما تعتبره انشغالاً بمسائل أكثر إلحاحاً أن تقدّم فناناً أو أديباً أو شاعراً ذَا شأن». ويعتبر فريد بن بلقاسم أن الحركات الإسلامية لم تقف عند هذا الحد، بل حاكمت الأعمال الفنية والأدبية.
رفضت هذه التيارات مراجعة الأحكام الفقهية التي تقرّ بوضعية المرأة الدونية


وتوقّف بلقاسم عند تجربة الإسلاميين في الحكم مثل «جبهة الإنقاذ» في السودان والتجربة المصرية والتجربة التونسية، منبّهاً إلى ارتباط الحركات الإسلامية بالعنف الذي بدأ مع تنظيم الإخوان المسلمين ليمتدّ إلى «القاعدة» و«داعش».
ورأى أن الاستبداد السياسي وفّر الأرضية الملائمة لانتشار الإسلام السياسي استغلّته الحركات الإسلامية لتقديم نفسها كبديل من الأنظمة القائمة. لكن بمجرد وصول هذه الحركات إلى الحكم، تمارس الإقصاء كمنهج في الحكم. لذلك، فإن «مواجهة تيار الإسلام والاستجابة للمخاطر التي يمثلها على الصعيد السياسي، تتطلب طرحاً سياسياً يقطع مع نموذج الحكم الاستبدادي، ومع نمط العقائد والإيديولوجيات الكلية الشاملة ويؤسس للتعددية السياسية والاجتماعية». على مدى 340 صفحة، يستعرض فريد بن بلقاسم تجربة الإسلام السياسي والمخاطر التي يطرحها على المجتمعات العربية والإسلامية وصِلته بالعنف والاستبداد السياسي والفاشية الدينية من خلال بعض التجارب في الحكم، منها «حركة النهضة» التونسية التي كانت أوّل حركة إسلامية تصل إلى الحكم في انتخابات حرة وديمقراطية.