يبدأ زاك فيرتن عمله «حبل يتدلى من السماء: تأسيس أحدث دول العالم وتدميرها» (بيغاسوس ـ 2019) بمقولتين إحداها: «ليس لدينا شيء. نحن، جنوب السودان، لا شيء... لا فخر لدينا ولا كرامة ولا شرف. لم نكن بهذه الطريقة من قبل. كل شيء انتهى»، (ناشطة سودانية جنوبية، 2015). لا شك في أن قصة جنوب السودان وتقسيم الوطن الأم السودان أبعد ما تكون معروفة التفاصيل. المعروف فقط أنّ حكام السودان القصَّر من العسكر والإخونجية تناوبوا على تدمير البلاد منذ فصلها عن مصر، آخرهم عمر البشير المخلوع وخلفه الجنرال الجديد الموالي لبترودولارات مشيخات الخليج الفارسي، وانفصال جنوبيه ليس سوى مرحلة على طريق تقسيم إضافي، المسؤول عنه أولاً حكام السودان المتعاقبون، لكن من دون تجاهل دور واشنطن والغرب الاستعماري.

يقول الكاتب إنّ هذا المؤلف نتاج ثماني سنوات من السفر إلى السودان وجنوب السودان والعيش والعمل هناك بين عامي 2009 و2017. فقد ذهب إلى السودان أولاً محللاً في مجموعة الأزمات الدولية وعمل في الوقت نفسه مستشاراً لإدارة أوباما لشؤون السودان وجنوبه، وتحدث مع مواطني الجنوب والزعماء السياسيين والضباط والزعماء وقادة الشباب واللاجئين ومربي الماشية والصيادين وسائقي سيارات الأجرة.


يصف الكاتب السنوات الأولى لتشكيل جنوب السودان بأنه كان تحدياً لا يقلّ تعقيداً عن ولادة الدولة، ويوضح أن قادته واجهوا مهمة أكبر بكثير منهم، وعواقب فشلهم كانت مدمرة؛ فطموحاتهم قابلها انعدام الأمن. قصة ولادة جنوب السودان في ظنّه غنية ومعقدة ومفعمة بالأمل وحزينة وجميلة وفوضوية وإنسانية.
لكنّ حقيقة أن تدمير جنوب السودان على يد «محرريه»، تم بعد فترة قصيرة من فصله عن الوطن السودان، تستدعي منطقياً البحث في جدوى ذلك «الاستقلال». هل كان الطريق الوحيد الواجب السير فيه، أم أن رغبة واشنطن الاستعمارية وعقم قيادة السودان المهووسة إلى حد الجنون بالإيديولوجيا ـــ حتى لو كان ذلك يعني تفكيك الوطن وتدمير الشعب ــــ تغلبا على العقلانية الضرورية! يقول الكاتب إنه لم يتم إيلاء سوى القليل من الاهتمام لمسائل جدوى الدولة، لكنه في الوقت نفسه يرى أن الدعم الغربي للانفصال له ما يسوّغه، بحجة أنه يوفّر فرصة أفضل من نصف قرن آخر من العنف في بلد لم يعامل الجنوبيين أبداً كمواطنين.
قسم الكاتب مؤلفه إلى جزءين رئيسين أولهما «التشكل». يروي الأخير تصنيع هذا البلد الشاب بداية ضمن إطار الخطاب الماركسي المتمثل في «التحرر الوطني» الذي صاغه مؤسس الحركة الشعبية لتحرير السودان جون قرنق الذي كان التزامه الأول بالاتحاد السوفيتي قبل سقوطه وإعادة توجيه ديناميكيات السلطة اللاحقة. بعد وفاة قرنق المفاجئة في حادث تحطم طائرة في عام 2005، اندلعت معركة بين فصائل الحركة الشعبية غير المتجانسة عرقياً وأيديولوجياً استمرت ثماني سنوات بقيادة سلفا كير. الصراع على السلطة وفي الحركة الشعبية لتحرير السودان واستمرار التوتر مع السودان، دفعت جنوب السودان إلى الفوضى والعنف بحلول صيف 2013.
انفصال أدى إلى حروب لا نهائية ودمار هائل


الجزء الثاني (التفكيك) يبحث في محادثات السلام التي بدأت في كانون الثاني (يناير) 2014 واستمرت عامين بإشراف الدبلوماسيين في الولايات المتحدة إلى حد كبير، إضافة إلى الحبشة والأمم المتحدة التي قادت إلى صفقة تركت الكثير مما هو مرغوب فيه من حيث تشكيل الدولة دوماً بحسب الكاتب.
أخيراً نذكِّر بأن الانفصال لم يؤدّ إلى ولادة دولة جديدة بل إلى حروب لانهائية ودمار هائل. ولذلك ليس ثمة ما يسمح لنا بقبول لامنطق وجهة نظر الكاتب القائلة: العملية نجحت لكن المريض مات! لم يكن ثمة من خطأ في كون الحدود الدولية مقدسة إلى حد كبير منذ الحرب العالمية الثانية، وهي وسيلة لكبح العدوان والحفاظ على النظام لأنّ أي تغيير سيقود بالضرورة إلى حروب لا نهاية لها. وهو ما أدركه مؤسسو منظمة الوحدة الإفريقية الذين دعوا إلى احترام الحدود، مع أن الاستعمار هو الذي فرضها لأن البديل هو حروب لا نهاية لها. الأمر بدأ في فصل إرتيريا عن الحبشة، الذي تم بدعم واشنطن الاستعماري، ثم تواصل في السودان، وها هي ليبيا تستعد لتكون التجربة الثالثة على قائمة واشنطن الاستعمارية. فقد اجتمعت قوى أميركية متناقضة من الديموقراطيين والجمهوريين، والأيديولوجيين والناشطين، والمسيحيين الإنجيليين، ومشاهير هوليوود، حول هدف واحد هو تقسيم السودان وفصل جنوبه.
لذلك ندعو القراء إلى نبذ استنتاجات الكاتب السياسية والإيديولوجية والتركيز على المعلومات الكثيرة عن جنوب السودان التي يحويها هذا المؤلف.

* A Rope from the Sky: The Making and Unmaking of the World›s Newest State. Pegasus books 2019. 332 pp. with many llustrations in colour and several maps. ZACH VERTIN.