1- التشبيه العقيم

التشبيه العقيم عند النقاد العرب هو التشبيه الفريد الذي لم يأتِ أحد بمثله قبله، والذي لا يستطيع أحد أن يأخذه فيضيف إليه، أو يبني عليه. أي أنه لا «يلد» غيره. وقد اعتُبر بيتا عنترة العبسي الجميلان في وصف روضة من الرياض من باب التشبيهات العقيمة:
وخلا الذباب بها فليس ببـارح
غرداً كفعل الشارب المترنـم
هزجاً يحك ذراعه بـذراعـه
فعل المكبّ على الزناد الأجذم 
افتُتن النقاد بهذين البيتين، وبثانيهما على الأخص، أيّما افتتان. يقول البغدادي مفسّراً هذين البيتين: «يقول [عنترة]: خلا الذباب بهذه الروضة فلا زال يرجع صوته بالغناء كشارب الخمر... ومعنى «يحك ذراعه بذراعه» يمرر إحداهما على الأخرى. و«الأجذم»: المقطوع اليد. شبه الذباب إذا سَنّ إحدى ذراعيه بالأخرى بأجذم يقدح ناراً بذراعيه. وهذا من عجيب التشبيه. يقال: إنه لم يقل أحد في معناه مثله؛ وقد عده أرباب الأدب من التشبيهات العقم؛ وهي التي لم يسبق إليها ولا يقدر أحد عليها، مشتق من الريح العقيم، وهي التي لا تلقح شجرة ولا تنتج ثمرة» (خزانة الأدب).
لكن يبدو لي أن أعجوبة التشبيه حصلت بسبب سوء فهم للشطر الثاني من البيت لا غير.
فقد افترض الجميع أن «الأجذم» في الشطر صفة للرجل (المكبّ على الزناد). أي أن الجملة فيها تقديم وتأخير، وأنها يجب أن تقرأ هكذا: «فعل المكب الأجذم على الزناد». بالتالي، فالذباب يحك ذراعه بذراعه الأخرى كما لو أنه رجل مقطوع الكفين يقدح زناداً. ولا يستطيع مقطوع الكفين أن يضرب بالزناد ضرباً جيداً، بل هو مضطر أن يحك الزناد بالحجر حكاً.
ولو أن الأمر كان هكذا بالفعل، لكان التشبيه غريباً حقاً. لكنني أعتقد أن كلمة الأجذم في البيت وصف للزناد لا للرجل. أي أنه لا يوجد تأخير ولا تقديم في الجملة. بذا فالزناد هو الأجذم، أي المقطوع المكسور، لا الرجل. ومن المحتمل أن مقبضه هو الذي جذم وقطع. ولأنه مقطوع المقبض، فإنه يصعب على من يريد أن يقتدح به أن يضرب به بدقة، فيبدو كما لو أنه يحك به حكاً، كما يفعل الذباب حين يحك يديه ببعضهما.
وإذا صح رأيي، يكون خطأ في نسبة الصفة «الأجذم» إلى موصوفها الحقيقي قد أعطى بيتاً من الشعر مدى لم يفكر فيه الشاعر الذي قاله أبداً. 
لكننا لم نخسر بذلك شيئاً، بل كسبنا، عبر سوء الفهم هذا، تشبيهاً مدهشاً يجعل الذباب يحك يديه كما يحك مقطوع اليدين زناداً.

2- قبر عنترة
جُلت الجزيرة العربية مرة من أعلى، عبر غوغل إيرث، فوجدت أثناء تجوالي مكاناً أشير إليه على أنه «قبر عنترة». كان هناك مستطيل متواضع البناء جداً، تحيطه بعض الحجارة. قلت في نفسي مستثاراً: عنترة العبسي ذاته؟ عنترة صاحب عبلة إياه يقيم هنا في هذا المستطيل؟ إن هذا لأمر مثير حقاً!
وبحثت في الإنترنت، فوجدت أن القبر يقع قرب قرية «النعي»، في محافظة «الشنان» في منطقة حائل. ووجدت له صوراً كثيرة. للقبر لا لعنترة، بالطبع. فليس لدينا حتى صورة جواز سفر قديمة لعنترة.
صدمني القبر بفظاظته. فهو مجرد صبّة إسمنت وضعت عليها بعض الحجارة بلا انتظام ولا ذوق. وفي بعض الصور الحديثة، كتب أحدهم عبر رصف الحجارة جملة: «قبر عنتر»، بنزع تاء التأنيث. ذلك أن تاء التأنيث لا تصلح لبطل مثل عنترة في عُرف الأوساط الشعبية العربية. لذا كان لا بد من إزالتها، وإزالة أبيها.
فوق ذلك، فقد جُعل القبر ضخماً. إذ يبلغ طوله حوالى ثلاثة أمتار. فعنترة عند العامة بطل لا شاعر، ولا يليق ببطل أن يكون له قبر بمترين فقط. فعليه أن يسترخي في قبره، وأن يمدد رجليه. وهذا هو الفارق بين عنترة المثقفين وعنترة الناس العاديين. عند المثقفين هو شاعر، وعند الناس هو بطل ملحمة.
حين رأيت صور القبر الرث الفظ، قلت في نفسي: إن كان هذا هو حقاً قبر عنترة، فبئست القبور، وبئس الموت ذاته. أنا موش راح أموت. أنا باقي هون. خلص، انتهى الأمر، موش رايح..

3- الحرب ضد عنترة
تذكرون الشطر الأول من مطلع معلقة عنترة:
هل غادر الشعراء من متردم
أم هل عرفت الدار بعد توهم؟
إنه شطر صاعق. ففي خمس كلمات ـــ هي الشطر الأول من المطلع ـــ قال شيئاً عميقاً. شيئاً أعطاناً إحساساً بسيطرة الزمن، وثقل التكرار. ولا بد أنّ قروناً من الشعر قد سبقت الشاعر حتى يستطيع أن ينطق بهذه المقالة. ولا بد أن شعراء لا يُحصون كانوا يثقلون ذاكرته بأقوالهم التي طالت كل شيء كي يتقدم بهذا السؤال الاستنكاري. أعني: لا يمكن لهذا الشطر أن يكون وليد ثقافة شعرية عمرها مائة عام فقط، مثلاً. 
الزمن هو جوهر هذا الشطر. إنه يجرّ الزمن خلفه، ونحن نشعر بثقل هذه الجرة.
ثمة جمل شعرية كثيرة شهيرة في الشعر الجاهلي، لكن لا أحد منها يُشعرك بثقل الزمن كهذا الشطر. ثمة، بالطبع، بيت زهير بن أبي سلمى:
سئمت تكاليف الحياة ومن يعش
ثمانين حولاً- لا أباً لك- يسأم
لكن هذا البيت يشعرك بثقل الزمن الشخصي، زمن الشاعر. أما شطر عنترة فيشعرك بعبء زمن ثقافة بكاملها.
وثمة أيضاً بيت امرئ القيس عن ابن خدام أو حذام:
عوجا على الطلل المحيل لعلنا
نبكي الديار كما بكى ابن خذام

هذا هو الفارق بين عنترة المثقفين وعنترة الناس العاديين. عند المثقفين هو شاعر، وعند الناس هو بطل ملحمة


لكن الزمن المكرر هنا هو زمن موضوع شعري واحد: بكاء الأطلال. وهو الموضوع الذي حد الإملال والإضجار زمن أبي نؤاس:
يبكي على طلل الماضين من أسدٍ
لا درّ درّك قل لي من بنو أسد
أما زمن شطر عنترة فهو زمن تكرار كل المواضيع. كل ما قيل مكرر ومعاد. أو كما يقول سفر الجامعة في العهد القديم: لا جديد تحت الشمس: «ما كان فهو ما يكون، والذي صنع فهو الذي يصنع فليس تحت الشمس جديد. إن وجد شيء يقال عنه: انظر، هذا جديد. فهو منذ زمان كان في الدهور التي كانت قبلنا» (سفر الجامعة، 1: 9-10).
والغريب أن عنترة قال الجملة القاتلة ولم يفصّل. ألقى جملته كأنها القدر ذاته، ثم انتقل إلى موضوع آخر، هو موضوع الأطلال. لقد وضعها قبل الطلل وقبل بكائه. فتكرارها أعمق من الأطلال ومن زمنها المكرر. تكرارها يحوي الأطلال والأعمار، وكل شيء.
على كل حال، تروى الكلمة الأخيرة في البيت على وجهين: «مُتّرَدّم» أو «مُتَرنّم». والمتردم: هو الموضع الذي يرقع من الثوب، أما المترنم فالشيء الذي يترنم به ويغنى. لكن المعنى العام في الحالين يظل هو هو، وهو ما يوضحه لنا الزوزني: «هل ترك الشعراء موضعاً مسترقعاً إلا وقد رقعوه وأصلحوه؟ واستفهامه استفهام يتضمن معنى الإنكار، أي لم يترك الشعراء شيئاً يصاغ فيه شعر إلا وقد صاغوه فيه. وتحرير المعنى: لم يترك الأول للآخر شيئاً، أي سبقني من الشعراء قوم لم يتركوا لي مسترقعاً أرقعه ومستصلحاً أصلحه. وإن حملته على الوجه الثاني كان المعنى: أنهم لم يتركوا شيئاً إلا رجعوا نغماتهم بإنشاء الشعر وإنشاده في وصفه ورصفه» (شرح المعلقات السبع).
إذن، ففي خمس كلمات قال عنترة شيئاً صاعقاً بالنسبة للشعراء: هل هناك ما يمكن أن نزيده على من سبقونا؟ لقد قيل كل شيء، ولم نعد نستطيع أن نزيد أو نضيف. إنه حكم قاس، يدعو إلى اليأس والاختناق.
ويبدو لي، في بعض اللحظات، أن الشعر العربي كله كان، في ما بعد، صراعاً مع هذا الشطر، ومحاولة لإبطال الحكم الذي يحمله. أي محاولة لإثبات أنه يمكن قول شيء، وأن القدماء لم يستنزفوا كل شيء. فهل يمكن أن نقرأ بيت أبي العلاء من دون أن نتذكر شطر عنترة:
وإني وإن كنت الأخير زمانه
لآتٍ بما لم تستطعه الأوائل
هنا، ينقض أبو العلاء حكم عنترة، ويعلن أن المتأخر في الزمن سيعلو على الأوائل، وأنه سيأتي بما هو أخطر مما أتوا به. أي يعلن أنّ هناك جديداً تحت الشمس. أن ثمة أشجاراً في الغابة لم تكتشف بعد. أن ثمة دروباً لم تخترق، ولم تسر فيها قدم من قبل.
بل لعلني أقول أنّ حرب كل شاعر هي حرب مع عنترة وشطره. أي حرب لإثبات أنه يمكن أن يضيف وأن يأتي بجديد.

* شاعر فلسطيني