من بين موضوعات كثيرة تعالجها الفنون، تبرز رواية «رودريك هَدْسِن» (1875) للناقد والروائي البريطاني من أصل أميركي هنري جيمس (1843-1916) مثالاً عن تلك الأعمال التي تجعل الفن بذاته موضوعاً ينطوي على الإلهام والحياة والحب.

الراوية التي صدرت أخيراً بالعربية (دار فواصل ــــ ترجمة أسامة منزلجي)، هي أول رواية طويلة لهنري جيمس نشرها في حلقات طوال عام 1875. وأشاد عالمها السردي باستخدام ثنائيات متناقضة، واحدة أساسية هي رودريك ورولاند، وأخرى ثانوية هي كريستينا وميري غارلند، إلا أنّ هذه الثنائيات المتقابلة تتداخل في علاقات يصعب الفصل بينها، وإنّما تفُهم بمجموعها، إذ تثير بتنوّعها وتمايزها تساؤلات شتى حيال السعادة والالتزام والضرورة، الأمل والسيطرة والإيمان، الأخلاق والحب والواجب.
يمثل النّحات العبقري رودريك أساس الرواية، منذ اكتشافهِ من قبل صديقهِ رولاند، ومن ثم سفره من أميركا إلى روما، لتتوقّد شعلته هناك. يشرق نجمه ويعرف السطوة المثيرة للنجاح، قبل أن يذهب المجد ويأفل النجم، ويجعل منه جيمس أمثولة لموت الزهو وأثم الغرور. تتشابك في ثنايا رحلة رودريك حلقات معرفية وجمالية. إذ يناقش جيمس الزيف ليعرف الحقيقة، ويرى في العمل المكتمل خليطاً يجمع النقي والقذر، الجمال والقبح. بذلك، راح جيمس وهو يبني شخصية العبقري ينذر بانهيارها، وبينما ينهار المجد الذي بُني على أساس موهبة جاهلة، نلمح تداعي قيم الصداقة والعرفان. يشرق الجحود في النهاية مثلما أشرق الودّ بدايةً بين الصديقين، ليأخذ الموت مسار الحياة نفسه.

لا تمثل الرواية درساً في الفن فحسب، وإنّما أيضاً درساً في العيش


عبر بناء كلاسيكي لدربي الصعود والذروة ثمّ السقوط، يثري هنري جيمس نصاً ممسوكاً ومحدداً، ويجعل من المصائر ارتداداً لنفوسٍ عظيمة، خطّاءة لكنها تأبى الشفقة. إذ يذكرنا برواية «نرسيس وغولدموند» لهرمان هسه، سوى أنّ فلسفة الغرائز واختبار النفس تخبو في رواية جيمس، لتظهر فلسفة أخرى قوامها خروج الإنسان عن ذاتهِ وإسنادها إلى أخرى، لا رحلة لاكتشافها، وإنّما عبر رؤية السعادة الحقيقية في ذلك الخروج. نلمح إلهاءً لذات مشبعة بالفن والإيثار، عند رولاند، عبر تقديم ما يلزم للنّحات رودريك، الذي بدورهِ، يمجّد الكسل في أميركا والرغبة في روما، وما بينهما، ويبحث عن إلهامه الخاص. يثير جيمس أفكاراً عديدة مرتبطة بالإلهام، تشبه دليلاً لذائقة وضّاءة، حيث يكمن شقاء رودريك وإبداعه، في عدم قدرته على فصل البراعة عن الإلهام. يجد حاجة دائمة لاتباع كريستينا، التي ما أن رآها حتى وجد أنّها «نتاج العالم القديم». تنضج المأساة عندما يصيب النّحات هوسٌ بأميرة لا تملك مصيرها، ولا تملك أن تقاوم الزواج من رجل آخر، فيما يظفر منها بتمثال نصفي يصير حديث روما مثل تمثاليه آدم وحواء. إلا أنّ «الشغف يخبو والإلهام ينضب» ويجد رودريك نفسه عبقرياً ضائعاً بقلب ميتٍ. يطالبه رولاند بعدم تبديد براعتهِ بعاطفة معذبة. إنّه إذ يطالبه بالتخلى عن الإلهام فهو يطالبه بالعمل أيضاً، كما لو أنّ العمل المتواصل نوعٌ مضنٍ من الإلهام. يدفع في دربهِ المال اللازم، يحضر والدته وخطيبته ميري غارلند من أميركا في لحظة بدا أنّ النص قد انتهى، ليتجدد بقدوم ميري على عذابات أخرى تتكشف بحب رولاند لميري خطيبة صديقه رودريك. ميري فتاة بسيطة، أخلاقية وصارمة. إنّها تنتمي إلى عالم جديد، تهاب انهيار صورة أميركا وهي ترى الجمال الأوروبي، تتألم لانفصالها عن الماضي. تدخل ميري غير واعية، دائرة الحيرة التي ألمّت برودريك. في غمرة إساءته لخطيبتهِ، راح يسيء إلى جلّ الأشياء التي صنعته. إذ بدا أنّه دمية لدى كريستينا اللعوب والفاتنة، وميري دمية لديهِ، فيما رولاند، يلحظ الجميع، ولا يتدخل في شأن أحد. في حياد مطلق، يدعم صديقه، يحثّه على الالتزام مع خطيبته، مدفوعاً بشعور الذنب إزاء والدة رودريك وخطيبتهِ. لقد انتزعه من أميركا وراهن على موهبة تخبئ العطب بداخلها، لذا فإنّنا نراها، تبرق ولا تزدهر. إلا أنّ العلاقة التي جمعت رودريك ورولاند توحي بأهمية أن يؤمن بك الآخرون. يظهر هذا في سؤال رودريك المتواصل «هل تؤمن بي؟». لقد دفعه إيمان الآخرين بموهبتهِ إلى استهلاكها، ثم ما أن فقدوا إيمانهم به جراء سلوكه، حتى فقد هو ذاته القدرة على الاستمرار. وعندما تحين نهايتهُ، عندما يطلق النجم الشعاع الأخير قبل أن ينطفئ، تثمر الرواية عن حسّ مأساوي تام، كما لو أنّ موت الفنان، هو موت يلّف الجميع بدثار الألم والرثاء.
تمثل رواية «رودريك هَدْسِن» عبر خلاصتها ومصائر أبطالها، لا درساً في الفن فحسب، وإنّما أيضاً درساً في العيش. إنّ الكاتب وضع شخوصه في مجال رحب وخطر، وتلك الآفاق التي تبدأ بها حيواتهم، هي آفاق لأقدار عاثرة، فيما يلمح القارئ الإرادة نوعاً من القدر، إرادة قوية وقاتلة في آن واحد، لا يتجنبها رودريك، لا تستاء كريسينا من أقدارها، لا يعاند رولاند طبيعته، وتكون ميري محط استجابات انفعالية. هكذا كان الجميع يسقط في فخاخ مؤلمة وعذبة أشادها جيمس، جميلة وجذابة، حتى لا يمكن، ولو رأوا الهاوية، إلا أن يسيروا نحوها.