تونس | «الوأد الجديد ــــ مقالات في الفتوى وفقه النساء» (مسيكلياني للنشر والتوزيع ــ دار الرافدين ـــ 2019) هو عنوان الكتاب الجديد للباحثة والأكاديمية التونسية زهية جويرو المتخصصة في الإسلام وتحديداً الفقه. يندرج العمل ضمن قضايا تجديد الفكر الديني ومواصلة المبادرات الإصلاحية التي أخذتها على عاتقها نخبة من التونسيين منذ أوائل القرن العشرين أمثال الطاهر الحداد، والفاضل بن عاشور، وسالم بوحاجب، وعبدالعزيز الثعالبي وغيرهم ممن تصدوا لتجديد قراءة النص الديني. زهية جويرو، ونائلة السليني، وآمال قرامي، وبثينة بن حسين، وألفة يوسف، وحياة عمامو، وزينب التوجاني وغيرهن، لسن إلا حفيدات هذا الجيل من المصلحين التونسيين من طالبات هشام جعيط، وعبدالمجيد الشرفي ومحمد الطالبي.

«الوأد الجديد» يفضح القهر الذي تعانيه المرأة في العالم الإسلامي اليوم باسم القرآن والسنة، إذ تؤكد جويرو أن العقل الفقهي هو عقل ذكوري مارس أقسى أساليب القمع ضد المرأة، واغتالها رمزياً ومنعها من المشاركة في الفضاء العام وحرمها من الفاعلية الاجتماعية، مكتفياً بمنحها دور منح المتعة للرجل من خلال الجنس والأمومة وتنظيم البيت وكل ما يتعلّق براحة الرجل ابناً كان أو زوجاً أو شقيقاً أو أباً.
في مقدمة العمل، تكتب جويرو بأنّ الإسلام شأنه في ذلك شأن الأديان البراهيمية، ظلّ على مدى 14 قرناً ظاهرة ذكورية بامتياز. فـ «الجمع والحفظ والتدوين والتأريخ والتفسير والتأصيل والتشريع أنشطة استأثر بها الرجال مثلما استأثروا بالوظائف التشريعية والقضائية والسياسية، ولم يكن للنساء من حضور إلا استثنائياً»، ما «حرم النساء من حقوق اعترف لهن بها كلا القرآن والسنة». وتتابع جويرو بأنّ روّاد الإصلاح العرب الحديث أدركوا أنّ «المدخل المناسب لتحرير الإسلام من الفهم الفقهي المنغلق الذي ساد طيلة قرون الانحطاط هو المرأة أو بعبارة أدق «فقه المرأة» والتصدي للبنية الذكورية في الفهم والتأويل اللذين يحتكمان إلى منظومة معرفية وثقافية ذكورية. إلا أنّه بعد مرور قرن، ها هو العالم العربي يعود إلى نقطة الصفر: المؤسسة الفقهية التقليدية عادت أقوى من ذي قبل بعد توقف هذا المسار النقدي الإصلاحي.
كتاب «الوأد الجديد» الذي يعني عنوانه الوأد المعنوي الذي يتجلى في النظرة الدونية التي ترفض اعتبار المرأة كائناً إنسانياً يتمتع بالحقوق التي تكفلها إنسانيته، ينقسم إلى أربعة أبواب كبرى هي: «مواريث النساء ـ النص والتأويل»، و«قراءات في أحكام الولاية والقوامة»، و«فتاوى النساء أو الوأد الجديد»، وأخيراً «الفتوى المعاصرة من النظام إلى خرق النظام». وينطلق الكتاب من كشف الطبيعة الذكورية لأنشطة التفسير والتأويل والتشريع حول نصي القرآن والسنة، والتمييز بين القرآن وكل التراث التفسيري والتشكيلي والتأصيلي الذي تشكّل حوله، والتمييز في القرآن نفسه بين ما هو ثابت وما هو جوهري من أصول العقيدة والقيم الكبرى، وما هو عارض يرتبط بالظرف والتاريخ. وبناء عليه، فسّرت صاحبة «الإسلام الشعبي» عدداً من الآيات التي تحوي «أحكاماً تخصّ النساء من زاوية «البراديغم التوحيدي» الذي سمح لها بأن تعتبر أن الإنسان هو المقصد الأعلى للهدي القرآني بعيداً عن الاختلافات الجنسية وغيرها، وبعيداً عن الفهم الحَرفي الذي يحول دون إدراك النقد الإنساني - التوحيدي». في المحصّلة، هذا الكتاب إدانة للعقل الذكوري في فهمه للقرآن وتلبيس المفاهيم، بما هضم حقوق المرأة ووضعها في مرتبة أدنى من الرجل.