هل كل ثورة هي دعوة إلى التحرر السياسي والاجتماعي والثقافي والفكري؟ وإذا كانت الثورة تساق باسم الحرية، فهل تكون كذلك في جميع مراحلها؟ هل الثورة تقود الشعوب حتماً إلى النهايات السعيدة؟ بعد أربعين عاماً على رحيل الفيلسوفة والمنظرة السياسية الألمانية الأصل حنا أرندت (١٩٠٦ــــ ١٩٧٥) التي عرفناها في «أيخمان في القدس» و«حياة العقل» و«في العنف» و«الوضع البشري»، سيظهر نص جديد من نصوص الفلسفة السياسية لأرندت بعنوان «الحرية في أن نكون أحراراً»، والذي سيتخد راهنية حقيقية في ظل الثورات التي شهدها العالم بعد وفاة أرندت ابتداءً من الثورة الإيرانية (١٩٧٩) وصولاً إلى «الربيع العربي» (٢٠١١). النص الممتد على 70 صفحة، والذي نشرته دار Payot الفرنسية، تم العثور عليه في الذخائر العائدة لأرندت في مكتبة الكونغرس في واشنطن. يُفترض أن كتابته قد تمت في فترة ١٩٦٦ـ١٩٦٧ في زمن أرخت فيه مفاعيل أزمة خليج الخنازير بين كوبا والولايات المتحدة بظلالها على السياسة الدولية، وكذلك الحركات المناهضة للاستعمار التي شغلت الدنيا والناس، إضافة إلى ضغط المنظمات الأهلية إبان حرب فيتنام. تتابع أرندت في هذا الكتاب الأسئلة الصعبة التي بدأتها في كتابها «في الثورة»، من دون أن تبخس الثورات حقها. تنبهنا إلى أن الثورات تكون نادراً من فعل «الثوريين» أنفسهم الذين يلتقطون السلطة الثورية وهي مرمية في الشارع. بل يمكن للثورة أن ترمم نظاماً متهالكاً قديماً وتعيد الاستبداد إلى الحكم... كأن أرندت تستشرف ما آلت إليه الثورات في منطقتنا بشكل خاص. تركز أرندت في كتابها على الثورة الفرنسية التي ـــ وإن لم تصل لنهاياتها السعيدة ـــ أخرجت قسماً كبيراً من فقراء فرنسا مرئيين من منطقة العتمة إلى منطقة النور في الحرية العامة والنضال من أجل القضاء على العوز والبؤس، بخلاف الثورة الأميركية التي لن يذيع صيتها رغم نجاحها الباهر في خلق كيان سياسي سلمي، لأنها انتهت بحسب أرندت إلى أن تكون تطبيقاً لـ«علم السياسة» عند النخب المؤسسة للولايات المتحدة. هنا مقتطفات مترجمة من «الحرية في أن نكون أحراراً»، حيث يتقاطع مفهوم أرندت عن الثورة مع مفهوم بول ايلوار عن الشعر: الإضاءة، والقدرة على الكشف.



«أي ثورة على وجه الأرض، وحتى لو فتحت الأبواب على مصراعيها للجماهير والبائسين والتعساء والمعذبين والمستضعفين، كما يشير إليهم القاموس الخطابي الكبير للثورة الفرنسية، فإنهم ليسوا هم من يُطلِقونها. وليست الثورة أيضاً نتيجة للمؤامرات والمجامع السرية أو الأحزاب الثورية. بشكل عام، لا تكون الثورة ممكنة حيث لا يتم المساس بسُلطة الجسم السياسي، ما يعني في عالمنا الحديث البلاد التي نثق بأن القوات المسلحة تتبع فيها السلطات المدنية.
ليست الثورات أجوبةً ضرورية، لكنها أجوبة محتملة لتداعي حُكم ما، وهي ليست السبب، بل النتيجة التي تترتب على سقوط السلطة السياسية. حيثما يمكن لعملية التفكك تلك أن تتطور دونما معوقات، وخلال فترة طويلة نسبياً، يُمكن لثورة أن تنتصر، شرط أن يوجد جزء كافٍ من الشعب قادراً على تحمل تبعات سقوط النظام وعلى تسلّم السلطة. في مراحلها الأولى، تبدو الثورات ظافرة بسهولة مضلِّلة: السبب يكمن في أن من يُفتَرَض قيامهم بالثورة لا يستولون على السلطة، لكنهم بالأحرى يلتقطونها وهي تطوف في الشوارع. أولى نتائج الثورة الفرنسية كانت أنها ــ للمرة الأولى في التاريخ ـــ أنزلت الشَعب إلى الشوارع وجَعَلَتهُ مرئياً.
منذ ذلك الحين، لم يتبدَّ الأمر متعلقاً بالحرّية وحدها، بل بحرية أن نكون أحراراً، وهو امتياز حظيت به قلة قليلة. في الوقت ذاته، بقيت الثورة الأميركية غير ذات أثر في الفهم التاريخي للثورات، في حين أن الثورة الفرنسية التي انتهت بإخفاق مُدَوٍ حدّدت ولا تزال تحدد ما نسميه اليوم بالتقليد الثوري. نظرياً، يمكن القول بأن كل ثورة تمر بداية بمرحلة التحرير قبل أن تصل إلى الحرية، التي تمثل المرحلة الثانية الحاسمة لتشكيل شكل جديد من الحكم والجسم السياسي. أثناء الثورة الأميركية، طالت مرحلة التحرير القيود السياسية، والطغيان، والاقطاعيات، أياً كان المصطلح الذي نختاره. الطور الأول اتسم بالعنف، لكن الثاني كان حقبة للمداولات، والمحاججة والإقناع. باختصار، كان تطبيقاً لـ«عِلم السياسة» بقدر ما كان الآباء المؤسّسون يفقهون هذا المصطلح. في فرنسا، كان الأمر مختلفاً إلى حدٍ كبير. المرحلة الأولى من الثورة كانت أقرب للتفكك منها إلى العنف. وحين وصلنا إلى المرحلة الثانية، وأعلن التجمع الوطني فرنسا جمهوريةً، كانت السلطة قد انتقلت إلى الشارع. الرجالات ـــ ميرابو أو روبسبيير، دانتون أو سان جوست، الذين اجتمعوا في باريس من أجل تمثيل الأمة (nation) أكثر من تمثيلهم للشعب (peuple)، وركزوا اهتمامهم على الحكم، وإصلاح الملكية ومن بعدها إنشاء جمهورية، وجدوا أنفسهم فجأة أمام مهمة جديدة، هي تحرير الشعب من البؤس: تحريره ليكون حراً. لم تكن بعد هذه الخاصية الجديدة بالكامل ضمن نطاق رؤية توكفيل وماركس لثورة ١٨٤٨، حيث لم يتعلق الأمر أثناءها بتغيير شكل الحكم بقدر ما هو محاولة لتغيير نظام المجتمع عن طريق صراع الطبقات. انتظَر ماركس إلى ما بعد شباط (فبراير) ١٨٤٨ بعد «المعركة الأولى الكبيرة بين الطبقتَين اللتين تقسمان المجتمع الحديث»، ليلاحظ أن الثورة صارت تعني الانقلاب على الطبقة البورجوازية، في حين كانت تعني لغاية ذلك التاريخ إطاحة شكل الحُكم.
في مراحلها الأولى، تبدو الثورات ظافرة بسهولة مضلِّلة


الثورة الفرنسية عام ١٧٨٩ كانت بمثابة النبوءة لما سيحصل مستقبلاً. حتى لو انتهت بسقطة مخيفة، فإنها ستبقى محطة حاسمة لكل الثورات اللاحقة. لقد بيّنَت أن المعادلة الجديدة، أي إن البشر يولدون أحراراً، تكتسب معناها على الصعيد العملي. لهذه العدالة أشار روبسبيير حين قال بأنّ الثورة تريد أن تستبدل عظَمَة البشر بصغائر العظماء، وما عناه هاميلتون أيضاً حين قال بأنه يقع على عاتق الثورة الانتقام لشَرَف الجنس البشري، وكانط أيضاً، المتأثر بروسو وبالثورة الفرنسية حين تحدث عن كرامة جديدة للبشر. مهما كان نوع الإخفاق الذي منيت به الثورة الفرنسية، بخاصة في ما يتعلق بتحقيق العدالة الإنسانية، فإنها نجحت في تحرير الفقراء من البقاء في منطقة معتمة، في تحريرهم من كونهم غير مرئيين. قبل الثورة الفرنسية، وحدهم من لا يثقل عليهم العوز أو الحاجة كانوا يعرفون قيمة أن يكون الإنسان متحرراً من كل خوف. ووحدهم المتحررون من العوز والخوف، قادرون على ترسيم شغف بالحرية العامة وبتطوير ذوق خاص بالعدالة التي تحملها هذه الحرية في طياتها. مع الثورة، لم تعد «حرية أن نكون أحراراً» امتيازاً حصرياً لهذه القلة القليلة. وتحديداً، لأن الثورات تطرح مسألة الحرية السياسية بالطريقة الأكثر واقعية والأكثر راديكالية ـــ حرية المشاركة في القضايا العامة ـــ فإن كل الحريات الأخرى المدنية والسياسية ستكون مهددة لو أخفقت الثورات. الثورات المشوّهة، كثورة لينين أو الثورات المجهضة في أوروبا الوسطى بعد الحرب الأولى، يمكن أن تؤدي إلى أهوال غير مسبوقة، لأن الثورات لا يمكن معها الرجوع إلى الخلف. ومتى قامت، لا يمكن نسيانها في ما بعد، كما قال كانط عن الثورة الفرنسية في مرحلة كان الرعب فيها يسود فرنسا. هذا لا يعني بالضرورة أن الصواب يكون بقطع الطريق على الثورات. سقوط الحكم والسلطة، الذي يحصل بفجائية صادمة، ليس فقط لقراء الصحف، بل أيضاً لأجهزة المخابرات، لا يتحول إلى ثورة إلا بتوافر بشر راغبين وقادرين على التقاط السلطة وايضاً قادرين على النفاذ الى قلب فراغ هذه السلطة. ما يحصل سيرتبط أيضاً بعوامل كثيرة، منها قدرة القوى الخارجية على فهم الطابع الذي لا رجوع فيه للممارسات الثورية. لكن هذا يتعلق قبل أي شيء بالشمائل الذاتية وبالنجاح أو السقوط الأخلاقي لمن اضطلعوا بمسؤولية تولي السلطة. لا نكشف سراً حين نقول إن السياسة الخارجية لهذا البلد (الولايات المتحدة) لم تبد على قدر من الخبرة أو يتوافر لها القدر الكافي من المعلومات لفهم دينامية الحركات الثورية. في أزمة خليج الخنازير، كان الإخفاق يكمن في عدم المقدرة على فهم ما الذي تعنيه الثورة بالنسبة إلى شعب مثقل بالفقر في بلد متخلف، حيث الفساد وصل إلى العفن، وأن يتحرر الشعب ليس من الفقر بل من الظلمة، وبالتالي من استحالة فهمه لبؤسه. هذا يعني بالنسبة إليه أن يسمع للمرة الأولى أن أوضاعه تناقش على الملأ، وأنه مدعوّ إلى المشاركة في هذا النقاش، كأن يدعى إلى عاصمة بلاده ويقال له: «هذه الشوارع وهذه المباني والساحات هي ملك لك، وهي بالتالي فَخرُ وجودك». إنّ شيئاً مشابهاً قد حدث للمرة الأولى اثناء الثورة الفرنسية، وهذا ما دفع العجوز الألماني ذاته من كوينسبرغ (كانط) إلى أن يقول إن ظاهرة كهذه لا تُنسى في تاريخ البشر».

* المرجع: La liberté d'être libre٬ Hannah Arendt٬Payot٬ 2019