«في حضرة باب الجابية ـ طفل البسطة» (الهيئة العامة السورية للكتاب)، يسلط الروائي السوري أيمن الحسن الضوء على أكثر موضوعات الحياة السورية حيوية في سبعينات وثمانينات القرن الفائت ومنها: الصحافة، السينما، دور الجيش، الأغاني، رجال باب الجابية، حياة طفل البسطة، والعمال المياومون. رغم أن الواقع السوري منذ عام 2011، يسير باتجاه مغاير كلياً لكل الأوضاع الطبيعية التي يعالج فيها الروائي خطوط روايته وشخصياته، خصوصاً أنه في العام الجاري تعيش دمشق وأحياؤها ومنها ساحة باب الجابية أوضاعاً لا إنسانية من أزمات إنسانية، فمن غياب المازوت والغاز، والخبز والبنزين، إلى قلة العمل في هذه الظروف القاسية، لنرى أوضاع هؤلاء العمال في ضوء الشروط الحالية مقارنة بأوضاعهم في القرن الفائت.

يصف الروائي أوضاع عمال باب الجابية في كل الفصول، لكنه يبدأ بأن «كل النهارات متشابهة، ولو غشاها الثلج، أو الشمس الحارقة، فالعمال بانتظار رب عمل يستخدمهم، يقبعون تحت سقف السماء حتى تترطب أرديتهم الخفيفة، أو تذوب بصلات رؤوسهم من الحر الشديد، يلوذون بالتلطي في الظل حيثما يجدونه، ومن البرد القارس بالنفخ في قبضاتهم، فإذا تجمدت كف أحدهم، شق حلقة القابعين حول تنكة مكشوفة، مثقبة من جوانبها، توقد فيها النار عند بسطة الشاي، فانتهروه بقسوة، وقد تحدث مشاجرة دامية».


يتدرج الروائي في رصد أفواج العمال المياومين المغادرين ساحة باب الجابية حيث يبدأ ذلك من «قبيل أذان الفجر بمجيء شغيلة الجبّالات، وهؤلاء لا يظلون طويلاً، إذ بعد أن تأخذ كل ورشة كفايتها تمضي مسرعة إلى عملها الذي يبدأ باكراً كي ينتهي قبل أفواج آخر ضوء النهار». وبعد شغيلة الجبّالات، يأتي دور «شغيلة الباطون الذين تشاهدهم يحملون تنكاتهم، أو الكريكات: فواحد، أو اثنان، من يجبل الإسمنت، وآخرون يحملونه على أكتافهم، لإيصاله إلى المكان المراد صبه فيه، فإذا اقترب الظهيرة بلا عمال رجع تعيسو الحظ بخفي حنين».
وتمتلئ الساحة «بعمال متنوعين مستعدين لأداء أي عمل يطلب منهم حتى لا يبيتوا على لحم بطونهم، يأخذون في الرواح والغدو طوال الوقت، وترى أحجاراً هنا وهناك، تحدد موقع كل واحد من عمال المجاري، أمامه سطل حديدي، فيه سيخ 6 مم ملتف على ذاته في حلقات دائرية، وكريك صحنه المعدني في السطل، وذراعه الخشبية تمتد حتى تصل الأرض، مع قزمة قصيرة، وأشياء أخرى، تلف مع بعضها كي تثبت على السطل».
ولا يكتفي الروائي أيمن الحسن بالتصوير الشكلاني الخارجي لحالة عمال باب الجابية بل يرصد الصراع الذي يدور بين عصابة منهم بقيادة ضبع الليل الذي تتطور حالته من عامل «وجد غابة الذئاب بانتظاره- بعدما نهشته مرات ومرات- قرر أن يصبح ذئباً باقتناص العمال البسطاء، والسطو على ما في جيوبهم، ولو بالخديعة.. يأمر عاملاً في نظرة خبث: بدي ثلاث خمسينات بها لمية. ثم ينغزه في خاصرته، فيوجعه، إذ تبدو على العامل إمارات السذاجة، وهو يرد: «طول بالك حتى شوف إن كان معي». وينغز البوشت كما يدعوه أبو عدنان - العامل المسكين في خاصرته مرة ثانية: «بدي ياها جديدة تذبح العصفور».
لقد اقتنص الضبع الخمسينيات الثلاث، ولم يدفع شيئاً، فيصيح العامل المسكين في هياج: «وين المية؟»، يقترب الخفير الليلي مع تجمهر العمال حولهما، فيخرج ورقة المئة ليرة من خلف أذنه بطريقة ماكرة: «هَي هِي قدام عيونك».
لكن ضبع الليل لا يقف عن مستوى النصب والسلب من العمال، ويتعدى ذلك إلى محاولة الاغتصاب، إذ حاول ذلك مع مدام سميرة ذات السمعة العطرة في حي باب الجابية «حيث وجدوه مقتولاً في بيتها». وأملى المحقق على كاتب المحضر: «وجد صفوح الهادي الملقب بضبع الليل جثة هامدة نتيجة طعنات قاتلة بسكين حادة بين خصيتيه، ما أدى لوفاته بعد نزيف طويل، كما جاء في التقرير الطبي، ومع أن كل الدلائل تؤكد وفاة السيدة سميرة نهاد جرجس، إلا أننا لم نعثر لها على أثر حتى الساعة».
ويحمل الروائي خطاً اجتماعياً جنسياً شهوانياً على حامل طبقي ذي أبعاد دلالية للصراع الاجتماعي وتفعيل وجود الشرطة والقضاء في الحي.
ويعرض الكاتب عمالاً من شرائح دنيا حيث يقدم فئة البويجيه «تمر الآن مجموعة من ماسحي الأحذية، يتنكبون صناديقهم الخشبية، زينوها بصور فنانات جميلات. وإذ يشاهدهم الشرطي جواد، وفيهم الأطفال والشبان، وحتى الشيوخ العجز، يمرون بالقرب من كولبته يقول لي: إن الرئيس الجزائري أحمد بن بيلا رفض هذه المهنة المذلة لكرامة الإنسان، وطالب كل مواطن جزائري أن يقوم بمسح حذائه بنفسه».
إنّ المستويات الشرائحية من العمال المياومين التي عرضها الروائي توضح كم الفئات الاجتماعية المرتبطة بهذه الشرائح وفعاليتها في الحالة الاجتماعية في الأحياء المحيطة بساحة باب الجابية، وأجواء القمع المجتمعي للاشتهاء الجنسي الذي عاشه ضبع الليل، والرد القاسي على محاولة الاغتصاب التي فرضها على السيدة سميرة، والانتحار الذي أقدمت عليه، وما الرد الذي يسرده على لسان الرئيس الجزائري سوى دفاع عن شريحة عمالية فاعلة في الحياة السورية.
يظهر حضور الصحافة في الرواية من خلال انحياز الروائي أيمن الحسن إلى البسطاء في وطنه مجرد إلهام، يسقط من علياء السماء، فالحقيقة البشرية إيجابية على الدوام حتى لو كانت محض حلم: «إن الصخرة، التي تحمل بيتاً فوق ظهرها، لا يمكنها الزعم أنه مسكنها أيها الصحافيون». ويقدم رأي ألبير كامو في الصحافة إذ يعدها «تخليداً للحظة».
إلى جانب ذلك، نرى شخصية الصحافي عادل الذي «حمل كاميراته في أسواق دمشق القديمة منقباً - بعدما أطلعه السيد فيليب على كتاب شارل رينو من (أثينا إلى بعلبك) - عن المطارح الحميمية تحت الضوء والظلال: (ولعل دمشق، حتى وهي تلقي يدها إلى الشارع، لا ترمي إلا الورود والياسمين مما حدا ببعضهم إلى القول: إن قمامة الشام هي الورود المتساقطة من شرفاتها، وأسوار أبنيتها على الأزقة الضيقة».
ويعود عادل إلى ضخ الحياة في عروق آلته الكاتبة، ينفض عنها الغبار جالساً إلى طاولته ويكتب «في بلادنا على عكس البلدان الأخرى تجد الطرقات ملاعب التخييل فلا خطّ سير منتظماً للعربة، كأن الحارات المرورية مجرد خطوط وهمية، لا من أجل أن يلتزم بها السائق حرصاً على سلامته وسلامة الآخرين».
ويفرد الروائي فصلاً كاملاً بعنوان صحيفة «النذير» يقول فيه: «عادل في لباسه الميداني: بنطال جينز والسترة الخفيفة: العمال هنا حاضرهم القسوة، مستقبلهم سراب، إنهم من دون ضمانات، ولا طبابة، أو حتى تأمينات اجتماعية، فإذا مرض الواحد منهم فعلى الله العوض، ومن الله العوض مثلما يقولون». ويضيف إلى موقع ومكانة الصحافي موقف الروائي حيث يقول: «كما لو أن الصحافي في بلدي وقع عهداً بالدم أن يقف ضد أشكال الظلم وأعوانه».
وهكذا يضع الروائي الصحافي في موقع مواجه لكل ظلم في الحياة، إذ إن تقرير صحيفة «النذير» يفتح الأبواب أمام هذا القهر المتصاعد من الأعماق: «أعماق النفس، وأعماق الشارع الشعبي: عالم يحتاج إلى النظافة في أفكاره البالية، هذه الأفكار التي مثلها مثل الخضار والفاكهة تتعفن أكثر فأكثر بمرور الزمن عليها، لتصبح داء عضالاً- إن لم يصلح اعوجاجها في حينه فينخر في أوصال المجتمع مسمماً الحياة».
ويوثق الروائي الحسن مادة نشرت في العدد (12355) من صحيفة «النذير» بتاريخ 2/7/1969، يقول فيها: «مشيت مع غيثاء وسط النسمات العليلة، محاولاً تذكر الأغنية التي غناها السيد فيليب، وقد أبكى عبرها جميع من كانوا في مقهى الحوراني، لم أستطع، فلقد كانت كلماتها غير مفهومة جيداً مع أنها كلمات عربية، مع ذلك رحنا نغني معه، ويتمايل كثيرون، كأنهم سكارى ذاهلون. يأخذني الحال، فأخرج من تحت مظلة غيثاء الحمراء، وأروح أرقص، ثم أغني بصوتي الأجش، الذي لم يعجبها، ولا سيما ونحن وسط الشارع».
ويعزز الروائي من علاقة الصحافي بالروائية والصحافية غيثاء حيث يسرد قائلاً: «مع مرور الأيام، أحبت غيثاء صوتي، فصرت أغني لها، حتى تنجز مهامها الكتابية، لأن غنائي حسب زعمها يساعدها على مزيد من العمل، إلى أن تكمل روايتها عن العمال في باب الجابية».
إنّ عالم رواية «في حضرة باب الجابية ـ طفل البسطة» متنوع وغني مثلما هي حياة باب الجابية التي يرصدها الكاتب من عيني طفل البسطة لمنظار للحياة السورية في موقع غني متجدد كل يوم بيومه، لا يميل إلى الثبات إلا عبر المكان والشخصيات الثابتة به، لكن طفل البسطة يكبر، وتبقى الأمكنة والشخصيات الأساسية في الرواية من زاوية الشرائح العمالية التي تغتني ساحة باب الجابية بها وتعطيها هذا الحضور الإنساني المتجدد، ويزيد في التنوع والغنى في الرواية حضور الصحافة من خلال جريدة النذير، والصحافي عادل العامل بها، وكذلك حبيبته غيثاء الروائية والكاتبة الصحافية، بالإضافة إلى مكان الصحافية وزواياها وتحقيقاتها اليومية. أخيراً إن الرواية ممتعة لأنها ترصد الحياة من منظور بريء/ طفولي عاشه الكاتب في مرحلة من مراحل حياتيه المبكرة.