في السنوات التي كتبتُ فيها قصائد ديواني «ضجر البواخر» (صدر عام 2016)، كُنت أكتشفُ مدينة الجزائر ــ حيثُ أعيش ــ وأحاول أن أجدَ طريقةً تجعلني أكتبُ عن بلوغ العشرين في مدينة مُغلقةٍ لا تنفتِحُ إلا على أفُقٍ بحري بعيد. كُنتُ أمشي في شوارع الجبل الصغير، صعوداً ونزولاً، وأتفقّدُ عند كل منعطفٍ ذلك الأفق الأزرق. لطالما ردّد والدي أنّ من الصعب على السائر أن يضيع في مدينة الجزائر، عليه فقط أن ينحدرَ ليجد نفسه يمشي نحو البحر. المشيُ في الشوارع، واكتشاف السلالم الطويلة والضيّقة، والسعيُ بين بيوت الأصدقاء التي صارت موانئ للمُتسكّع، والبحث الدائم عن مكانٍ لركن السيارة وتهريبها عن أعينِ الشرطة... كل هذا دفعني إلى رسم خريطتي الخاصة لمدينة الجزائر. ثم جاء سيناك! هكذا، مثل إرثٍ تركه أحد الأقارب. ذات صباح، وأمام شرفةٍ مفتوحة على أصوات الشارع، وضَعَتْ صديقة أمامي على طاولة رخامية صغيرة كأس ماء وكتاباً ضخماً أزرق: الأعمال الشعرية الكاملة لجان سيناك بالفرنسية.

كان وصول سيناك بديهياً في تلك النقطة من حياتي. ذلك الكتاب الأزرق الضخم ــ وكُتبٌ أخرى أصغر حجماً لاحقاً ــ كان بوصلةً قديمة، لا تُشير إلى الشمال بالضرورة، لكنها كانت تُساعد على التقدّم في خريطتي الخاصة. شاعرٌ جزائري من أصلٍ أوروبي، يُشارك في الثورة ويبعثُ جيلاً من الشعراء والفنانين في جزائر الاستقلال لاحقاً، يكتبُ مئات القصائد، يعيشُ في قصر صغير على البحر، ثم في قبوٍ قذرٍ في وسط المدينة، مثليٌّ، ويموتُ مقتولاً عام 1973. من أقصى الأمل إلى أقصى اليأس، من الأزرق البحري إلى ظلام الأقبية، من الفردِ اليائس إلى الشعب الذي سكرَ باستقلاله مثل فاكهةٍ تتفجّر بالنسغ تحت الشمس، ثم عودة لنفس الفرد المنبوذ من طرف نفس الشعب، تتحرّكُ كلمات سيناك مثل من يخيطُ جُرحاً. قرأتُ سيناك وترجمته لليالٍ طويلة، حاولت فهم قصيدته الشهيرة «مواطنو الجمال». بحثتُ عن صوره وكل ما كُتِبَ عنه. وجدتُ جيلاً من الكتّاب والشعراء لم يكتبوا إلا لأن سيناك قال لهم: «أنتم شعراء». وبعد موته، انصرفوا لشؤون دُنيوية أخرى، لا يقرَبون الكتابة إلا عند رثائه. سيناك، بحياته وموته، أجابَ عن الكثير من أسئلتي حول معنى «الجيل» في الأدب والسياسة، وهل يُمكننا الحديثُ عن متوسط عُمر الجيل في بلدٍ لم تتغيّر فيه الأحوال منذ عقود؟

جان سيناك، بحياته وموته، أجابَ عن الكثير من أسئلتي حول معنى «الجيل» في الأدب والسياسة


بعد بداية حَراك 22 فيفري، كتب صديق، مناضل وصحافي، أنّ الحراك أنقذَ جيلاً كاملاً من الإحباط، جيلاً من المناضلين رأى أنه يُداسُ ويُضرب عندما حاول قبل خمس سنوات الاحتجاج على عُهدة رابعة (تماماً كما ضرب النظام وقتل آخرين في كل مواجهة وصِدام)، وجَد نفسه ــ هذا الجيل ــ أمام الوحش الذي ردّ على شعاراته بالضرب والاعتقال، هو الذي تغذى أصلاً على خيبات الأجيال السابقة. وهذا الجيلُ اليوم ــ رغم حذرِ البدايات ونشوتها وخوفها ــ يشعرُ بالحماية والأمان وسط أمواج المتظاهرين الرافضين للعهدة الخامسة اليوم، وختم بالقول: «هذا الحَراك أعطى معنى وحماية لهذا الجيل، لكن الأهم أنّه سيخلق أجيالاً جديدة من المناضلين مهما كانت مآلات اللحظة الحاضرة». عندما قرأتُ هذا، تذكّرتُ سيناك، وكيف أن جمود العهد البوتفليقي الذي جاء بعد حربٍ أهلية، قتلت وشرّدت وهجّرت النّاس، أغلقَ المجال العام كما لم يحدث من قبل في هذه البلاد، وكيف أحبطت ثقافة الريع أغلب المحاولات لإيجاد فضاءات ثقافة بديلة. وجدَ الجميع أنفسهم أبناءً لهذا الزمن المُغلق، كباراً وصغاراً، تنتهي مدّة صلاحيتهم في وقتٍ قصير ولا ينقلون شيئاً لمن يخلفهم.
من المبكر الحديث عن الحَراك، لكن من الجيّد القول إنه هُنا، يكبرُ كل يوم ويغزو الشارع ويُغيّرُ ــ على المستوى الشخصي ــ خريطتي التي عرفت شوارعها وأزقّتها وحوماتها حياةً جديدة. العابرون صاروا جموعاً تهتف، والشرطة التي كانت تُطارد السيارات فقط، صارت تقفُ لمراقبة الجموع أو لضربها وإبعادها. المنعطفات الوحيدة التي كُنت أقطعها بالسيارة دون أن أتوقّف صارت نقاط اشتباك، والحدائق التي عرفتها أيام الجامعة صرتُ أحتمي بسورها عند ضرب قنابل الغاز، والشوارع الهادئة الظليلة التي لم تعرف شجاراً واحداً، صارت شرفاتها ترمي زجاجات المياه والخل للمتظاهرين، والنفقُ الجامعي الذي لم يكُن يصلحُ في شيء صار مُولِّد صدى للهُتافات... ماذا سيحدُث لاحقاً؟ لا يُمكننا الإجابة الآن، المهم أن «مواطني الجمال» دخلوا في القصيدة.

* كاتب ومترجم جزائري