يجذبنا أي بحث يحمل توقيع كمال الصليبي (1929- 2011) إلى مغناطيس معرفي خاص، لفحص أبجديته المفارقة عن سواها، فهذا المؤرخ اللبناني الرصين لطالما أثار الجدل في أبحاثه العميقة والانقلابية، خصوصاً بعد كتابه المشهور «التوراة جاءت من جزيرة العرب» (1985) ناسفاً كل ما سبقه من دراسات توراتية، ليعيد إلى الجغرافيا واللغة واقعيتهما الراسخة، وتقشير التاريخ من شوائب الأسطورة.

وسوف يستمر في تعزيز فرضياته رغم الاتهامات التي طالته وربما عرّضته للخطر أيضاً بذريعة التلاعب بالتاريخ. ستشغله لاحقاً تمزّقات الخريطة اللبنانية بين حربين أهليتين (1958 و1975) في محاولة لتفكيك فكرة التعايش. ففي كتابه «الجماعة والدولة والأمّة في المشرق العربي» (دار نلسن، ترجمة وتقديم محمود شريح) قراءة إضافية للمشكلة اللبنانية في ضوء اتفاق الطائف، وأثره على الساحة السياسية اللبنانية، وإعادة نظر في تركيبة المجتمع اللبناني، مقارناً إياها بتركيبة مشابهة لها في الأردن. ففيما يصب الولاء للطائفة في لبنان، يذهب إلى القبيلة في الأردن، ويسهب في تفاصيل الصراع في لبنان الموزّع «بين قومية لبنانية، وقومية عربية وسورية، إثر تفكّك الإمبراطورية العثمانية وتبعثر أقطارها السورية تحت الانتدابين الإنكليزي والفرنسي».

(هيثم الموسوي)

الكتاب في الأصل مقالة طويلة مكتوبة بالإنكليزية قبل سنوات، لكن قراءتها اليوم تبدو، وفقاً لمقدمة المترجم «استشرافية» بالقياس إلى الأحداث اللاحقة على نشرها. ومن هنا تتجلى مصداقيتها، ومستوى وعي كمال الصليبي لتاريخ لبنان الحديث. كما أنها إضافة نوعية للكتابة التاريخية المتفلّتة من خنادق الأيديولوجيا. يقول في تبرير اشتغالاته على هذا النهج: «على المؤرخ أن يكون عالماً وصادقاً وبعيداً عن أي شبهة أو التباس مقصود». ويضيف مؤكداً: «يجب على كل مؤرخ أن يحاسب نفسه على كل معلومة أو فكرة قبل كتابة التاريخ. وهذا في منتهى الصعوبة. ولكي يتمكّن الإنسان من ذلك، يجب أن يتعلم ويتدرب على استخدام اللغات التي يكتب فيها مادته التاريخية. فلا فصل بين التفكير وإتقان اللغة وطريقة الكتابة. وفي ما عدا ذلك، للمؤرخ الحرية التامة في الكتابة وعدم مسايرة أي معطيات أو مواقف جاهزة».