على غرار «أبو الزلف» وغيرها من الأساطير في المسرح الفولكلوري اللبناني، يبدو أن صورة الأمير فخر الدين مرصعة بالأوهام. لكن هذا كلام، وكما تقول فيروز في أغنيتها... «شو نفع الكلام».

لسيرة فيروز، يجب التذكير بأن للأغنية الرحبانية دوراً حقيقياً في رسم صورة لجماعة متخيّلة، حتى قبل أن يكتب بنديكت أندرسون كتابه الشهير عن الجماعات المتخيّلة. ما نتحدث عنه الآن ليس مجرد كلام أو اعتقاد. ليس صراعاً بين سرديات جماعاتية. بل هو عمل بحثي طويل ومستقل، يستند إلى وثائق وتحليل، قام به المؤرخ عبد الرحيم أبو حسين، على مدى سنوات طويلة. كتابه الجديد، الصادر عن «دار الساقي»، حمل عنوان «صناعة الأسطورة: حكاية التمرد الطويل في جبل لبنان». للحديث عن هذا الكتاب، كان هذا اللقاء مع الأستاذ في دائرة التاريخ في الجامعة الأميركية في بيروت

عبد الرحيم أبو حسين: معظم الكتب من خارج المنهج الرسمي عن تاريخ لبنان مشبع بالنفس الطائفي (مروان طحطح)

نبدأ من كتابك الأخير، الذي يتحدث عن أسطورة فخر الدين بالمعنى المنهجي، ويتابع بناء الأسطورة واكتمالها. هل يمكننا الافتراض أن أسطرة الأمير المعني تلعب دوراً تاريخياً في إعادة الطوائف لصياغة أساطير خاصة؟
- ما هو لافت في حالة فخر الدين أنه لم يؤسطر من الطائفة التي أتى منها، أي الدروز، بل من طائفة أخرى هي الموارنة. والمورانة أسطروا فخر الدين لأهداف واضح أنها طائفية، ونحن نتحدث هنا عن طائفية تنطبق عليها معايير القرن السابع عشر. في ذلك الوقت، كانوا (الموارنة) بحاجة إلى حماية، ولم يكن لهم أي وجود قانوني مستقل مثل بقية الطوائف في نظام الملل العثماني. كان ذلك النظام يعترف بملة الروم الأورثوذكس، وملة الأرمن وملة اليهود، وكل من لم ينتظم في تلك الملل وضع تحت خانة الأرمن، مثل الكاثوليك والأقباط. الهرمية الكنسية المارونية نادراً ما استخدمت «القناة الأرمنية» للاتصال بالدولة. وكان البطاركة الموارنة يرفضون البراءة، من دون أن يلغي ذلك حقيقة أن الدولة العثمانية منحت حرية للطوائف في داخل هرميتها، وإن كان ذلك يستدعي اعترافاً من السلطنة بتعيينات الطوائف من الداخل عبر الفرمان. في العودة إلى السؤال، لا أعتقد أن مؤرخين مثل الدويهي (اسطفان) كان في ذلك الوقت يعي هذه الصورة الحالية لفخر الدين. لم يكن يتخيّل أن جماعة القرنين التاسع عشر والعشرين، ستقيم جسراً بين فخر الدين معاصره وبين الدولة الناشئة بحدودها الحالية. يجب أن ننتبه هنا إلى أن المورانة احتكروا كتابة تاريخ لبنان.

بالنسبة إلى التاريخ كمنهج، وبسبب عجزنا عن كتابة تاريخ علمي للبلاد، هل يمكننا تصور أساطير لاحقاً، طالما أن كل طائفة لديها أساطيرها؟ وما حقيقة قصة تسمية فخر الدين بـ«سلطان البر»؟
- سلطان البر هي قصة مفبركة. وطبعاً نقصد هنا فخر الدين الأول. السلطان سليم الأول استقبل وفوداً في دمشق، وكان من بينهم وفد لبناني. لكن ثبت بالوقائع التاريخية أن فخر الدين الأول كان قد توفي قبل 10 سنوات من هذا الحدث...

بالعودة إلى كتابك الأول في 2006... تقول إنه كان برتبة «أمير لواء»
- لم يرتق أكثر من ذلك، بالضبط هذه هي رتبة فخر الدين الثاني الرسمية.

إذاً، بسبب الخلفية الطائفية التي صنعت فخر الدين نستنتج أنه لا يمكن أن يوجد فخر الدين سوري أو فلسطيني مثلاً؟
- يمكننا القول إن هناك محاولات لصناعة فخر الدين فلسطيني اليوم. مثلاً الروائي ابراهيم نصرالله، يحاول أن يصنع من ضاهر العُمَر شخصية على شاكلة فخر الدين الذي صنعه الموارنة اللبنانيون. طبعاً ضاهر العمر بعد فخر الدين زمنياً. ولم يكن بطلاً فلسطينياً، ولم تكن القضية الفلسطينية قضيةً بالمعنى الذي نعرفه اليوم. ولكن عندما تقرأ الرواية (قناديل ملك الجليل)، تشعر أنه يحاول أن يعكس الحاضر على الماضي. والقضية الفلسطينية قضية عادلة ومحقة وليست بحاجة إلى مثل هذا الاختراع. صناعة الأبطال تفسد القضايا.

من خلال القراءة الطويلة لفخر الدين، لماذا برأيك فضّل الأمير التعامل مع الغرب، على أن يكون محظياً من السلطنة؟
- يبدو أن طموحه كان أكبر من أقرانه. ولكن الأهم من ذلك هو الانتباه إلى أنه في تلك الفترة، لم يذهب إلى التوسكانيين، بل هم الذين أتوا إليه. كانت هناك مشاريع حقيقية لحملة صليبية جدية، بعد خروجهم في 1291. يجب أن نعود إلى تلك الحقبة جيداً. في وقت ظهور فخر الدين، كانت هناك ثورة علي جانبولاد في حلب. وكان مدعوماً من طرفين أساسيين: الصفويون والسلاح التوسكاني. ولكن عندما وصلت سفينة السلاح، كان جانبولاد قد هُزِم وفرّ، في الوقت الذي كان يعرف التوسكانيون فيه عن فخر الدين المعني من أصدقائهم الموارنة. وكانت الأسطورة شائعة أنه ماروني ومن جذر صليبي. وهي أسطورة أخرى طبعاً. كانت الدولة العثمانية قوية في ذلك الوقت، وكانت أوروبا منقسمة خلال فترة الحروب الدينية.
ما هو لافت في حالة فخر الدين أنه لم يؤسطر من الطائفة التي أتى منها، أي الدروز، بل من طائفة أخرى هي الموارنة


كيف نفسر عدم وجود أي ثورات من الدروز أنفسهم على فخر الدين، بما أنه كان حامياً لمصالح الموارنة والكنيسة؟ رغم أنّ توتراً كان يجمع الطائفتين مع السلطنة، ألم يكن هناك في عهده بذور شقاق أسست للخلافات الدامية لاحقاً؟ لماذا أحبّه الدروز؟
- كانت هناك ثورات وكان الدروز منقسمين حوله. يصوّر أنه كان زعيماً للجميع، لكن كانت المعارضة قوية وأحياناً حتى من داخل الفرع المعني. ولكن خلال سيطرته، منع المعنيين الآخرين من الظهور. هناك مثل هام يجب ذكره لهذه السيرة، وأقصد نسب الشيخ جنبلاط في الشوف الذي لا علاقة له بجانبولاد في حلب. هناك خطأ شائع يجمع بين النسبين. ولكن في الحقيقة آل جنبلاط لا علاقة لهم بجانبولاد في حلب. فآل جنبلاط من دروز الشوف ولا علاقة لهم بحلب. والراحل كمال جنبلاط وعائلته على الأرجح كانوا يؤمنون بهذا الخطأ الشائع.

هل كان الاعتقاد مقصوداً برأيك كي يمنح السردية الجنبلاطية بعداً وطنياً يضاف إلى درزيتها اللبنانونية؟
- بالتأكيد. فكمال جنبلاط كان بصورة الزعيم العربي، وكان بحاجةٍ إلى امتدادٍ في الزمن، امتداد لا يكون درزياً، بل امتداد إسلامي واضح، وجانبولاد كان سنياً كردياً.

في كتابك، تتحدث عن بداية تشكل ملامح كيان لبناني في القرن السابع عشر. هل بدأت هذه الملامح بالتشكل مع الامتيازات الأجنبية، واكتملت في العهد الكولونيالي؟ ونحن تقريباً نعرف كيف تشكل. ما يهمنا هو نظرتك لبداية هذه الملامح
- هناك نقطة يجب توضيحها هنا عن الامتيازات الأجنبية. فهذه الامتيازات في بدايتها لم تكن امتيازات، صارت تسمى كذلك في عصر الانحطاط العثماني. في زمانها كانت تقوم على الندية، وكانت علاقة تبادل.
الجيش العثماني تحالف مع الفرنسيين لمحالفة آل هابسبورغ ونزل الأسطول العثماني على الأراضي الفرنسي في بداية هذه المعاهدات. لكن في القرن السابع عشر، يمكن القول إن الميزان بدأت تميل كفته غرباً، ولكن لم يكن واضحاً أنّ الدولة العثمانية كانت ستمرض. وكانت هناك حرب الثلاثين سنة التي أنهكت أوروبا وصرفت اهتمامها عن ضعف العثمانيين. ولكن إذ نتحدث عن ميل فخر الدين تجاه الغرب في فترة «الملامح»، فيمكنني افتراض وجود كثير من الشخصيات التي تشبه فخر الدين في كل زمن في بلداننا. ولكن فخر الدين لم يكن ميالاً بالمعنى المتعارف عليه، بل كان متعاوناً إلى أقصى درجة. كان طموحاً وصاحب أهداف شخصية. كان يطمح إلى تأسيس سلالة، وكان شخصاً صاحب ذكاء عملي أكثر من أقرانه في زمانه. كان يبيّن الولاء للعثمانيين وينسج المؤامرات مع الغرب ضدهم في الوقت نفسه. ولكنهم كانوا يعرفون وكان يعرف أنهم يعرفون. وعندما سمحت الظروف، أوقفوه.

البحث الأخير، كما يعرف المتابع، هو استكمال لعمل قديم. نعود قليلاً بالذاكرة: كيف كان طلاب الأميركية مثلاً -اللبنانيون- يتعاملون مع تاريخهم المفبرك، الذي كتبته سردية منتصرة ضدّ سردية مهزومة، عندما يكتشفون أبحاثاً جديدة وأدوات بحثية جديدة؟ هل كان فخر الدين شخصاً غير قابل للمس؟
- عموماً لا أحبذ كتابة التاريخ بصورة رسمية. ولكن كانت هناك محاولات في لبنان، ولكنها محاولات تشبه الصيغة الطائفية في البلد. ودعني أكون صريحاً، راجع الكتب من خارج المنهج الرسمي عن تاريخ لبنان. معظمها مشبع بالنفس الطائفي. ولا أقصد الجميع طبعاً، هناك مؤرخون محترمون. إلى ذلك، الأسطورة أبلغ وأجمل من الحقيقة. الأسطورة جذابة. تغييرها صعب. كمال الصليبي كتب «أسرار البيت المعني» في 1973. لم يستجب أحد أو يسمع في المناهج، وحتى عند المؤرخين المحترفين. جزء من هؤلاء يفضّل اجترار الأشياء القديمة ذاتها. بالنسبة إلى الطلاب، هناك طلاب نقديون وهناك طلاب غير نقديين يبقون في مكانهم. في ما يخص فخر الدين، يمكن أن نقول على سبيل المزاح إنّ نصف الطلاب غيّروا رأيهم. بالنسبة للآخرين، كان فخر الدين شخصاً غير قابل للمس.

هل يعني هذا أن فخر الدين غير قابل للمس، لأن شخصيات من وزنه على قياس الحاضر، ونقصد شخصيات طائفية أيضاً، هي غير قابلة للمس أيضاً؟ هل اختفاء الروح النقدية هو اختفاء يرفض البحث في الماضي لكي لا يبحث في الحاضر؟
- ربما يكون هذا سبباً. هناك أساطير غير فخر الدين حتى في التاريخ. يوسف بك كرم أسطورة كبيرة أخرى مثلاً. تقول الأسطورة إنه حارب العثمانيين، ولكنه في واقع الأمر حاول أن يصير حاكماً على كسروان بعد ثورة الفلاحين، وانتفض بعد عدم تعيينه. وعندما ذهب إلى الجزائر، كان العثمانيون يدفعون له راتباً شهرياً، بعد ذلك ذهب إلى روما، ودفعوا له حتى بعدما مات. وهذه وثائق موجودة في الأرشيف التركي، لكنها أهمِلت عن قصد. الأمير بشير الثاني أيضاً، عندما ترك لبنان ذهب إلى مالطا أولاً ثم إلى اسطنبول. وهناك منحته السلطنة منزلاً وراتباً حتى توفي.

تقول الأسطورة إن يوسف بك كرم حارب العثمانيين، ولكنه في الواقع حاول أن يصير حاكماً على كسروان بعد ثورة الفلاحين، وانتفض بعد عدم تعيينه


عموماً، دحض الكثير من المؤرخين اللبنانيين أساطير القومية اللبنانية والبعد الفينيقي لفخر الدين وما إلى ذلك. هل يوجد في تاريخنا شخصيات طُمِست عمداً وصعد فخر الدين بدلاً منها؟
- كان هناك معاصرون لفخر الدين لم يأخذوا حقهم، لأنه كما قلت سابقاً، المنتصرون يكتبون التاريخ. كان هناك آل سيفا في شمال لبنان مثلاً (طرابلس وعكار). في التصور الشعبي العام، آل سيفا هم أشخاص ليسوا جيدين كفاية، أو ليسوا أبطالاً. وهناك آل الحرفوش الذين كانوا أمراء في البقاع. أي أمراء لواء، مثل فخر الدين من ناحية الرتبة تماماً. وكانت سيطرتهم تمتد بين بعلبك وحمص، وهذا يعني بطبيعة الحال أن نفوذهم كان أقوى. ثمة صراع عنيف نشأ بين فخره الدين وآل حرفوش، كان صراعاً من أجل السيطرة على جبل عامل. أحد أسباب قوة فخر الدين بوجه خصومه الداخليين، لم يكن الأمر فقط أن الموارنة والدروز هم عصب جيشه، بل هو بناء جيش محترف من المرتزقة، كان مسلحاً تسليحاً جيداً. يجب أن لا ننسى قاعدته الاقتصادية أيضاً، كونه كان واعياً لأهمية طريق الحرير.

يقال إن جيل طلاب الجامعة الأميركية في بيروت خلال الحرب الأهلية وبعد نهايتها بقليل كان أكثر جدية. هل هذه مبالغة؟
- إذا كنا نعني أن الأكثر جدية هو الأكثر تسييساً، فهذا صحيح. لكني أرى أن الطلاب اليوم أكثر جدية من الناحية الأكاديمية. في السبعينيات كانوا مسيسين بشكل هائل. كان التسييس يتعدى خطوط لبنان والعالم العربي، ذات مرة اختلف الطلاب حول مسألة باكستان وبنغلادش. كان ذلك امتداداً للحركة الطلابية في العالم وانحسر مع انحساره.

تعرف تركيا جيداً. ويحكى في الإعلام على نحو غوغائي غير منهجي كثيراً عن طموحات سلطانية لأردوغان. من معرفتك الوافرة بالتاريخ العثماني، هل ترى أن تركيا تملك أدوات كافية لاستعادة دور أكبر من الجمهورية، أم أن هذه مبالغة كبيرة؟
- انتهى العصر الإمبراطوري، وأعتقد أن أردوغان نفسه لا يحلم بعودة العصر الإمبراطوري. ولكنه يستخدم الإرث العثماني لخدمة المصلحة السياسية وتوظيفه في الداخل التركي. لا أعتقد حتى أنه توسعيّ. حتى سياسته في العالم العربي، في الموقف السياسي يزايد على الحكام العرب، ولكنه في الوقت نفسه يقيم علاقات مع إسرائيل. أردوغان براغماتي، لكن بالنسبة إلى العثمانيين كانت المسألة الفلسطينية جدية حتى في الأيام الأخيرة من السلطنة، لقد كانت فلسطين بالنسبة إليهم بمثابة «عهدة إسلامية». في القرن السادس عشر كانت مسألة وجودية.

سؤال آخر عن الحاضر على ضوء الماضي. عندما انتفض الدروز أخيراً في سوريا، واجههم النظام بفزاعة التطرف الإسلامي. والمقصود هو حادثة السويداء الأخيرة. هل يشبه هذا استغلال فتاوى ابن تيمية لضرب تمردهم سابقاً، أم أن الأمر كان منهجياً آنذاك؟
- هذا صحيح تماماً. شبح ابن تيمية ما زال مستخدماً كفزاعة. ولكن العثمايين لم يستخدموا ذلك مباشرةً، وليس عبر قنوات الدولة الرسمية، بل كان موقفاً دينياً رسمياً، يعني علماء دمشق ومؤرخيها. في الوثائق العثمانية، لا تجد كلاماً دينياً، ستجد الأسباب الحقيقية، كونهم كانوا عصاة ولم يدفعوا الضرائب. ولكن الدروز، بالنسبة إلى العثمانيين، عاشوا كمواطنين بدون اضطهاد ممنهج، بل أعطيوا امتيازات. على الصعيد القانوني والإداري، ستجد في دفاتر الطابو، عند النظر إلى منطقة الشوف، التي كانت منطقة بأكثرية درزية، لا تجد ذكراً للدروز، فالعثمانيون تعاملوا مع الدروز وكذلك مع الشيعة كمسلمين، وعيّنوهم في مواقع داخل الدولة. لماذا لم يشن العثمانيون حملات في جبل عامل مثلاً؟ لأن الشيعة في جبل عامل لم يتسلحوا وينتفضوا على العثمانيين. وكان تسلح فخر الدين خطيراً لأنه ارتبط بمشاريع غربية، وعلى نحو خاص بحملات صليبية محتملة. للأسف، ما تحدثت عنه عن استخدام الدين صحيح، ولكنه اليوم أسوأ وأخطر من ذلك الزمن.

ليست المسألة فقط مسألة الأمير المعني... هل يمكن الوصول برأيك إلى تاريخ علمي مرضٍ للجميع في لبنان؟ أم أن الفكرة تشبه أسطورة أخرى وهي التعايش؟
- التاريخ مرتبط بشدة بالهوية السياسية. وهذا كله يتوقف على السياسة. المكان الذي أتيت منه ساعدني كثيراً لكي أكون محايداً. لكن الأجواء السياسية لا توحي بأي أمل، من دون أن يلغي ذلك أن هناك أشخاصاً من جميع الطوائف يبذلون جهداً لكتابة تاريخ محترف ونقدي. لكن هل يصبح هذا هو التاريخ الذي يدرّس في المدارس؟ أستبعد ذلك كثيراً.



طيف كمال الصليبي


البحث الذي قام به عبد الرحيم أبو حسين في «صناعة الأسطورة: حكاية التمرد الطويل في جبل لبنان»، يراعي الأصول العلمية ويعد بحثاً صارماً من الناحية الميتودولوجية. هكذا يحتكم إلى منهجية أهم سماتها الحياد، من المقدمة إلى الخلاصات، فيبقى على مسافة قريبة من جميع الأطراف خلال مرحلة القراءة والفهم ثم يبتعد عنهم أثناء التحليل لكي يكون الأخير بدون أي تأثيرات. ولن يحتاج القارئ إلى الكثير من الجهد ليلمس تأثر الباحث بالراحل كمال الصليبي، على المستوى المنهجي. يشكّل الأخير نقطة مرجعية في فهم الإرث المعني وتفسيره علمياً، إلا أن الإضافة التي يقدمها «صناعة الأسطورة» تكمن في استناده إلى وثائق عثمانية أساسية (دفتر الأمور المهمة) من دون إغفال المصادر الأخرى، لا سيما أن بحثه الأخير هو استكمال لبحث قديم بعنوان: «لبنان والإمارة الدرزية في العهد العثماني: وثائق دفتر المهمة، 1546–1711» (دار النهار، 2005).