ما الذي يمكن أن تعنيه الدعوة إلى الخلافة الإسلامية بعد عقود من الدم باسمها؟ إن هذا السؤال ليبدو ذا أهمية إن تخطينا الهستيريا السياسية التي تصيب الليبراليين عند سماعهم كلمة الخلافة، وشرعنا في تفحص دلالاتها المعرفية واختبرنا قوة فكرتها في تغيير النظام العالمي الذي لا يحكم عليها إلا بوصفها مروقاً غير مسبوق لا بد من مواجهته بكل ما في أيدي «القوى العظمى» من أدوات: الدراسات الأكاديمية، الدعاية السياسية، أساطير أفلام الخيال العلمي.

ذلك لأن الخلافة ليست مجرد تهديد ثقافي أو سياسي تجاه المركزية الغربية والكينونة البيضاء، بل هي أيضاً تحد معرفي قادر على كسر الجوهرانية الأوروبية ودعواها بالعالمية والخاتمية. ونتيجة ترتيباتها في البلدان المسلمة وتمكينها للذات المسلمة، يظهر أنها ستكون قادرة على تحرير الإسلام من الخطاب الغرباني وعلى منح القابلية للثقافي الإسلامي كي يكون فاعلاً ومؤثراً في النظام العالمي. وبالتالي يمكن القول بأن مشروع الخلافة المسلمة سيكون مشروعاً مفككاً للاستعمار بصيغه كافة، وكاسراً للهرمية التي يرأسها الغرب.


إنه لمن الملفت ما يطرحه أستاذ النظرية الاجتماعية وفكر ما بعد الاستعمار في «جامعة ليدز» البريطانية سلمان سيّد في كتابه «استعادة الخلافة: تفكيك الاستعمار والنظام الجديد» (2014) الذي انتقل أخيراً إلى المكتبة العربية (الشبكة العربية للأبحاث والنشر ـــ ترجمة محمد السيّد بشرى ــــ 2018)، لجهة جرأته وتبصره في طرح مسألة الخلافة بمنهجية علمية ونقدية لا تخلو من الدعوة الصريحة تجاه ما يخلص إليه من نتائج. وهذا ما يجعله واحداً من الكتب التي لا تنهي الجدال بتقرير الخلاصات، بل بالتأمل في السبل الممكنة لوضعها في موضع التنفيذ. أمر يضفي على الكتاب أهمية مضاعفة. ينطلق سيّد من فرضية أن الإسلام سياسي بأصله، ولا يمكن فهمه إلا بوصفه تصنيفاً أنطولوجياً لا يمكن حصره بالممارسات والشعائر والتقاليد وأن هذا بالتحديد هو ما يهدد الاستعمار الغربي وهيمنته التي يسعى لتأكيدها من خلال ادعاء عالمية الفكر الغربي ومحو تاريخ الشعوب المستعمرة تمهيداً للسيطرة على مستقبلها.
سعى سيّد في فصول الكتاب الأحد عشر إلى توسيع التساؤل حول الخلافة إلى مداه الأقصى من خلال بسط حججه حول نظريات ومفاهيم متعددة كالليبرالية، العلمانية، الديمقراطية، الهوية، التأويل... وهذا ما يجعل الكتاب أشبه بمسح للعلاقة بين أفق السياسة الغربية والإسلام؛ الاسم الذي يعطي المسلم هويته وذاتيته ويقوم بمحو الاختلافات التي تظهر بين مذاهبه وملله. وهو من خلال هذا العرض، يكشف عن الإقصائية والمركزية المختزنة في مفاهيم أريد لها -حصراً- أن تكون معبّرة عن الهوية الإنسانية الحقيقية، فالديمقراطية بحسب الكاتب تضمن فرضيات تقول إنّ تحققها ممكن فقط من خلال الغربنة وهي تعمل «باعتبارها علامة ثقافية مميّزة بشكل أكبر من عملها باعتبارها عاملاً محدداً لمجموعة من الإجراءات والممارسات المتفق عليها، وإن هذا الالتقاء بين الديمقراطية والهوية الغربية هو ما يجعل من الصعب للغاية تصوّر نظام ممكن أن يُعتبر بشكل عام ديمقراطياً ورافضاً للغرب في آن واحد». ومثلما استخدم الغرب «الديمقراطية» كوسم ثقافي يظهر من خلاله تميّزه وفرادته في مقابل الشرق الاستبدادي، جرى استخدام «العلمانية» باعتبارها منجزاً رئيسياً للحداثة الغربية في عملية إنتاج المسلمين في صورة الرجال العدوانيين الذين تحركهم إرادتهم الدينية الواقعة تحت إغراء المجال السياسي، وذلك لأنهم لم تتم علمنتهم بعد. فالعلمنة ليست دعوة غربية لفصل للدين عن السياسة، بل بالأحرى هي دعوة لنزع الصفة السياسية عن المسلمين وتحييد التهديد الذي تتوعد الإسلامية به الغرب.
الكينونة المسلمة في حالة شتات، مما يحول دون انخراط مشروع الأمة ضمن نمط الدولة الأوروبية القومية


أما عن التعارض بين المشروع الغربي والإسلامية، فيمكن أن يفهم بأنه تعارض بين مستقبلين للعالم أو تعارض بين طريقين لصنع العالم، وهذا بالتحديد ما يجعل المنافسة وجودية وشاملة إلى حد كبير. يُظهر لنا الكاتب ذلك من خلال تحليله للمسلسلين الشهيرين «ستار تريك» (Star (Trek و«الکثبان» (Dune) کیف یتجلى الخيال الاستشراقي في مسلسلات وأفلام الخيال العلمي من خلال مسرحة النظرية السياسية الخاصة بمستقبل العالم. ويبيّن الصراع الحاصل حول هذا المستقبل من خلال تحليله لعبارة بول أتريدس في «الكثبان»: «أنتم تقولون أنني المهدي، وأنا أقول أنني دوقكم» التي تعكس مستقبلاً لا يزال فيه الغرب قائداً وسيداً للمسيرة البشرية وفق قيم ثابتة وراسخة على خلاف المستقبل الذي يترقبه المسلمون ويظهر فيه المهدي باعتباره السيّد المسدد إلهياً والثائر بوجه التقاليد والقيم الظالمة التي تمثلها الغربية، وبالتالي فإن المهدي يظهر كنقض فاضح لنظام الغرب: «فالتباين بين المهدي والدوق ليس فقط تبايناً بين الراسخ والثوري، وبين المرشَد إلهياً والدنيوي، وبين الرافض للهرمية والهرمي. إنه كذلك تباين بين الإسلام والغرب».
يناقش سيّد مفهوم الأمة على ضوء مسألة الشتات والقومية والدولة الوستفالية، ويخلص إلى أن الكينونة المسلمة هي في حالة شتات وهذا ما يحول دون انخراط مشروع الأمة ضمن نمط الدولة الأوروبية القومية، بل يكشف حدودها وأزمتها في امتصاص التشكلات والهويات السياسية الإسلامية. هذا الانقطاع الحاصل بين منطق الأمة الشتاتي ومنطق الدولة القومية هو ما يؤدي بالأمة لأن تلعب دوراً في الحيلولة دون انغلاق الدولة القومية على نفسها وفي الإنباء بأنّ شكلاً آخراً من الدولة القومية سيبرز في المستقبل. وهذا ما يجعل من الأمة أفقاً جديداً وصيرورة لهيمنة الذات المسلمة. لكن هذه الهيمنة واستعادة الذات من الاغتراب والشتات الذي تعاني منه، لا يمكن أن يتحققا إلا من خلال تجذر أكبر في العالم من خلال بنية سياسية تخلصهم من التهميش وتمنحهم اعترافاً عالمياً بكينونتهم المسلمة، وهذا بالتحديد ما تعنيه الخلافة بوصفها قوة إسلامية عظمى تتخطى الدول الإسلامية المنفردة وتعمل على تحدي النظام الدولي الذي سيسعى إلى تقويضها بلا شك، لأن استرجاع الخلافة سيشكل بحسب سيّد تهديداً لاستمرار الاستعمارية و«سيقوم بتعميق عملية تفكيك الاستعمار، وقد تكون له القدرة على جعل الهيمنة الاستعمارية تتآكل».