يحتاج قارئ «امرأة لا لزوم لها» (2014 ــ انتقلت أخيراً إلى العربية عن «نوفل» ـ ترجمة محمد علم الدين) للبناني الأميركي ربيع علم الدين (1959)، إلى كثير عناء حتَّى تغادر البطلة «عالية صالح» تفكيره، بعد الفراغ من الرواية؛ المرأة البيروتية في العقد السابع من عمرها، مسَّها سحر الكتب، وعجن حياتها، وسكَّنها على تحمُّل وحدتها وخيباتها. من عادات هذه الشخصية الروائية الفريدة أن تشرع في الأوَّل من كانون الثاني (يناير) من كلِّ عام في ترجمة رواية إلى العربية، عن لغة وسيطة (الفرنسية أو الإنكليزية)، لانحسار معرفتها بهذه اللغات الثلاث، ويقينها بأن الكتَّاب الذين يكتبون بالفرنسية والإنكليزية يلاقون قرَّاءً لبنانيين بهاتين اللغتين. والمفارقة أنَّها حين تفرغ من الترجمة إلى العربية (عن الترجمة الفرنسية أو الإنكليزية)، «تدفن» نتاجها في صندوق تودعه في غرفة الخادمة في شقتها المستأجرة. ومنذ عمر الثانية والعشرين وحتَّى عقدها السابع، «دفنت» عالية سبعة وثلاثين صندوقاً في غرفة الخادمة، والحمَّام الثاني من شقتها. وبذا، قاومت سيلان الوقت، و«عصاب» مدينتها.

لم تغادر البطلة، سارقة الكتب، بيروت طوال حياتها. هي تعيش في بناء «نموذجي» قليل الطبقات، موزعة أيامها ولياليها في غرفة القراءة، بعد تقاعدها. كانت موظفة في مكتبة، وقد جاءت هذه الوظيفة المدبرة من صديقتها هَنا خشبة خلاص لها، بعد طلاقها من رجل عاجز زُوِّجت له في مراهقتها - وبالطبع تركت المدرسة جرَّاء ذلك - فلم يكتب لعلاقتهما الصمود لأكثر من أربع سنوات. يعتمل في نفسها الشعور بالترك منذ الطفولة (كنت زائدة عائلتي الدوديَّة، ذيلاً لا لزوم له)، وغياب المرجعية المُمثَّلة في الأم، وتكتل هذه الأخيرة مع إخوة عالية غير الأشقاء لمصادرة شقتها المستأجرة منها، بحجَّة أنها فسيحة ومناسبة لسكنهم وعائلاتهم الكبيرة فيها أكثر منها.


تسير الرواية، الحائزة جائزة «فيمينا» الفرنسية للرواية الأجنبية سنة 2016، على سكَّة سرد ذاتي قليل الأحداث، ومثقل بالاقتباسات. بيد أنَّه رغم «تخمة» الروائيين والشعراء والموسيقيين وحتَّى عناوين اللوحات التي ترد فيها، و«تنهك» الصفحات، إلا أنها تبدو مبرَّرة. إذ تأتي في سياق «ثيمة» هوى الأدب، والكتب خصوصاً. الكتب التي «تتنفَّسها» عالية، وتتماهى مع أبطالها وكتَّابها، وتحلف بأسمائهم، وتهجس بهم، وتشبِّه الناس لهم.
لهذه القارئة النهمة، آراء قيِّمة في الروايات، ومنها نقد لاذع لكتَّاب يدفعون القرَّاء إلى استنباط سببية ما من كتاباتهم، وفهم دوافع الشخصية، وحشر علم النفس في فن الرواية... ما أروعها حين تسخر من الروايات المعاصرة السنتيمنتالية المضجرة، قائلة: «معظم الكتب التي تنشر هذه الأيام هي سلسلة من الشكاوى تتوجها خلاصة تنويرية (...) هي النسخ الحديثة من«حياة القديسين» بحكاياتها المثالية عن المعاناة التي تسبق الخلاص (...) أنا أشعر بالخديعة، ألا تشعر بالمثل؟». علماً أن عالية تخاطب قارئها في غير مطرح من الرواية، ما يشعر الأخير بالألفة، على الرغم من غرائبية عالم هذه المرأة الوحيدة، وتقاطع سيرتها مع سيرة هذه المدينة المتآلفة والمآسي. بيروت، التي تصفها بـ«إليزابيت تايلور المدن: مجنونة، وجميلة، ومبتذلة، ومتداعية، وعجوز، ومثقلة أبداً بالدراما. هي أيضاً ستتزوَّج أي خاطب عاشق يتعهَّد بجعل حياتها أكثر راحة، مهما كان غير مناسب». بيروت التي ألزم جنونها أثناء الحرب عالية بدفع جسدها طوعاً ثمن «كلاشينكوف» للذود عن نفسها من بطش المسلحين، وعن شقتها من «خرائهم».
وعلى غرار بيروت، وقعت عالية في غرام الثوري الفلسطيني، ولا تزال محتفظة بصورة حبيبها أحمد (أحمدي) خلف ياسر عرفات، قبل التوجُّه إلى تونس. بيروت تتمظهر «من لحم ودم» على صفحات «امرأة لا لزوم لها». بيروت، قديمها وجديدها وعشوائيتها. بيروت التي قلَّما قرأنا عنها بهذه الطزاجة في رواية. بيروت غير المتكلِّفة. بيروت الواقع، وليس اليوتوبيا. «امرأة لا لزوم لها»، عن عالية التي غالت في صبغ شعرها بالأزرق قبل رأس السنة. المرأة الطويلة والوحيدة والفظَّة والحائرة في عنوان مشروع ترجمتها الجديد. المرأة التي نحسب أن إميل سيوران كان يفكِّر بها، حين كتب «لا يستطيع أحد أن يحرس عزلته إذا لم يعرف كيف يكون بغيضاً». المرأة التي مات إلهها في تواريخ عدة، بالتزامن مع موت مدينتها. امرأة الخسارات، فقدت صديقتها الوحيدة هَنا، التي حاولت الانتحار مرَّتين، فلم تمت إلا في طريقها للمشفى! المرأة «المُطاردة» بصراخ أمِّها... وبالهزائم.
على غرار بيروت، وقعت عالية في غرام الثوري الفلسطيني


لا يغيب عن القارئ الشعور بأن هذه الرواية مترجمة، من دون أن تكون الترجمة سيئة. في الأسلوب تركيبات إنكليزية مُعرَّبة حرفيّاً. عبارات تستخدمها البطلة البيروتية القحاحة المولعة بالبرتغالي فرناندو بيسوا لا تنزع عنَّا الشعور بأنَّ السرد غير أصيل. السرد الذي يصل بنا إلى الذروة الجديرة بالنقل وحدها إلى الشاشة الذهبية، حيث الصفحات الأخيرة التي تصوِّر محاولات الجارات (فاديا وجمانة وماري ـ تيريز) وعالية تجفيف صناديق الترجمات بعدما طالها تسرب مائي، بالمكواة و«السشوار» وعلى الحبل. الذروة التي قد يخالها قارئ منغمس في الرواية مصورة بكاميرا بيدرو ألمودوفار. وكذا هي الصفحات التي ترسم تقليم عالية وحفيدتها نانسي أظافر رجلي أمِّها.
في «نوبل للقراء» في «خواتم»، كتب الشاعر أنسي الحاج: «القارئ الذي يظلُّ قارئاً رغم كونه كاتباً أو مرشَّحاً للكتابة أو موهوباً للكتابة، هو المحبّة ذاتها والتواضع ذاته والإنسانيّة بأكثر ما فيها شفافية». نخبك عالية! نخب صناديق ترجماتك المدفونة! نخب «بيروتك»! نخب الكائنات الروائية التي تسكن الرأس طويلاً!