يحكي وديع سعادة (1948) عن شعر للغياب، «غياب الطفولة وبراءتها. غياب الطمأنينة والسعادة...». حنينه هو إلى ذلك الغياب، إلى ما لن يعود أبداً. بعد الجيل الأوّل للحداثة اللبنانية والعربية المتمثّلة في مجلّة «شعر»، استهلّ الشاعر اللبناني تجربته مع «ليس للمساء إخوة» (1973) الذي نشره ووزّعه مكتوباً بخط يده قبل أن يطبع سنة 1981. صنع باكورته بالتأمل المتمهّل والهادئ الذي راكمه على قلق وتوجّس من العالم، مستعيناً بمعجم الريف والطبيعة، وقد رافقه أيضاً في ديوانه الثاني «المياه المياه» (1983)، قبل أن تنغمس قصيدته في اليومي والمديني مع «رجلٌ في هواءٍ مستعمل يقعد ويفكر في الحيوانات» (1985). في هذه المجموعات الثلاث الأولى صقل مناخاته الشعرية القلقة والمتوتّرة في مواجهة العالم، من قريته شبطين (شمال لبنان) التي قضى فيها طفولة صلفة، إلى بيروت، ثم هجرتَيه باتجاه فرنسا واليونان وصولاً إلى أستراليا التي يقيم فيها حتى اليوم. «في رحلة الصيد الطويلة لم أكن غير كشَّاشٍ لأرواح الكلمات. النصوصُ حمائم جافلة تطير من أمام المؤلِّفين./ سرابٌ يمدُّ درباً لا بيت على جوانبها، ولا شيء في خاتمة المطاف. يمدُّ حبال مشانق للسائرين»، كتب في «نصّ الغياب» (1999) الذي تلا «مقعد راكب غادر الباص» (1987)، و«بسبب غيمة على الأرجح» (1992)، ثم «محاولة وصل ضفتين بصوت» (1997).



هذه الأعمال بمناخاتها المتفرّدة، التي كان آخرها «ريش في الريح» (2014) كلها انضمت إلى الأعمال الشعرية الكاملة لسعادة الصادرة أخيراً عن «دار راية للنشر» في حيفا ورام الله، وفرعها العربي في القاهرة. صدور أعمال الشاعر اللبناني بطبعتها الفلسطينية (كان التعاقد على إنجازها قد تمّ منذ منتصف 2018)، تزامن مع فوزه أخيراً بـ«جائزة الأركانة العالمية للشعر» من المغرب، والاحتفاء العربي المتجدّد بتجربته الشعرية، ذات الحضور الخاص في الشعرية العربية المعاصرة. في تعقيبه على صدور أعماله في فلسطين، قال سعادة: «في أي وطن تصدر أعمالي الشعرية، فإنها تصدر في وطني. العالم كله والأوطان كلها وطني، فكيف إذا كان هذا الوطن فلسطين! أعمالي هذه الصادرة في فلسطين هي رسالة محبة لأهلي في وطني هناك». من جهته، رأى الشاعر بشير شلش، مدير «دار راية للنشر»، أنّ صدور أعمال سعادة في حيفا «إضافة نوعية لمنشورات «دار راية» وحضورها»، مشيراً إلى أن «أعمال وديع سعادة وعدد آخر من كبار الكتاب والمبدعين الفلسطينيين والعرب، التي سيعلن عن صدورها تباعاً، تشكّل الولادة الثانية للدار، بعد توقّف اضطراري خلال السنة الأخيرة»، ولافتاً إلى أنّ الدار «تحتفل أيضاً بتحقّق إنجاز فرعها العربي الذي انطلق من القاهرة، وبالذكرى السنوية الثامنة لتأسيسها» التي تصادف في الشهر الحالي.