على مهلٍ، وبخيوطٍ لا مرئية، ينسج الحبيب السالمي (1951) سجادته الروائية. يلتقط ثيمةً صغيرة، سوف نشكّ بقدرته على استكمالها، لفرط صعوبة حياكتها سردياً، لكنه سيتمكن من جذبنا ـــ بمراوغات مباغتة ـــ إلى فضاءات رحبة، متكئاً على مهارة البساطة في بناء موزاييك حكائي ينمو في الهوامش المهملة. وإذا بالاقتصاد اللغوي ينطوي على اكتناز روائي مدهش عن طريق المراقبة والاقتراب بحذر من محيط الدائرة الضيّقة، قبل أن ينقضّ عليها بمجسّات حادة، وتهشيمها على دفعات، في دوائر متوازية، ستشكّل، في نهاية المطاف، عالماً ثرياً من الإحالات. إقامته الباريسية الطويلة، لم تغره بالابتعاد عن أرضه الأولى، لغته الأم، في نصوص مرتحلة، تردم المسافة بين الصحراء التونسية النائية وأضواء باريس، ذهاباً وإياباً. من «جبل العنز» (1988) روايته الأولى إلى «بكارة» (2016)، شيّد صاحب «روائح ماري كلير» عمارته الروائية بإزميل نحّات، لطالما أحال الطين والبازلت إلى أشكال حيّة تضج بالأشواق، وما يعتمل في الداخل، بالإضافة إلى اكتشاف ما هو مشع في العتمة. كتابة موشورية لا تهمل تفصيلاً، مهما بدا ضئيلاً ونافلاً، تعوّل على الحقائق الصغيرة في المقام الأول، بوصفها جوهر سردياته. هذه التقنية الروائية، ستميّز تجربة الحبيب السالمي، سواء في علاقته باللغة، أم لجهة الاعتناء بالمنمنمات الحكائية التي تنبثق بجرعات مدروسة ومضبوطة، للانتقال إلى طبقة أخرى من الحكي ستقود شخصياته إلى مصائر أخرى وقلق أكبر في مواجهة أقدارها، على غرار ما يفعله الآثاريون في فحص التربة لاكتشاف الكنوز المدفونة في العمق. في روايته الأخيرة «بكارة» (2017 ـــ دار الآداب)، يشتبك مع مفردة شائكة هي «البكارة» ليختزل مشكلات المجتمع الشرقي في معنى الشرف، ومعتبراً إياها لبّ المشكلة للخروج من نفق الأعراف المتخلّفة، بالتوازي مع قراءة التحوّلات الدينية وأحوال النفاق في المجتمع التونسي كما في «نساء البساتين»، وسيعالج معضلة ازدواجية الهوية في المنفى في «عواطف وزوارها». تُرجمت أعمال الحبيب السالمي إلى أكثر من لغة عالمية، مؤكداً حضوراً استثنائياً في المدوّنة الروائية العربية اليوم. التقيناه في الحوار الآتي


تعيدنا روايتك الأخيرة «بكارة» إلى المرض الشرقي القديم لمعنى الشرف، كأن الثورة التونسية لم تنجز مشروعها في إزاحة مفاهيم التخلف الراسخة في المجتمع الريفي الذي ما زال ينتمي إلى زمن الراديو، فهل الثورة التونسية بالنسبة لك تبدأ من مواجهة مخلفات غشاء البكارة؟
ـ المرض الشرقي لمعنى الشرف ليس في تقديري قديماً، بل إنه لم يختف أبداً من حياتنا. هذا لا ينطبق على المجتمع الريفي فحسب، وإنما على المدن في كل البلدان العربية أيضاً. قليلة جداً هي الشرائح الاجتماعية التي استطاعت أن تتجاوز إلى حد ما هذه المسألة وهي الشرائح المثقفة على الطريقة الغربية والمرفهة اقتصادياً. أقول إلى حد ما، لأن هذه الشرائح لا تتجرأ على التحدث عن هذا علناً. لم أسمع مرة واحدة في حياتي ذكراً عربياً يصرّح في التلفزيون مثلاً أنه تزوج من امرأة غير عذراء. هذا يعني أنه قد يقبل ذلك لظروف عدة. لكنه يبقي الأمر سراً دفيناً بينه وبين زوجته. إذن لا يتمثله ولا يريد أن يستبطنه ليجعل منه عاملاً يمكن أن يطور ذاته ويثريها، ويعيد ترتيب حياته في أمور أساسية مثل مفهومه للحب وللمرأة وعلاقته بجسده. كل المشكلة تكمن في تقديري هنا.

في كل المجتمعات التي شهدت تطوراً فكرياً وقيمياً وأخلاقياً، هناك حضور قوي للمرأة

في هذه الازدواجية المقيتة وفي هذا النفاق وفي هذا الانفصام المدمر. الموضوع الأساسي في «بكارة» ليس البكارة بحدّ ذاتها ولا في ما ترمز إليه من شرف وعفة وطهارة، إنما في البكارة كدليل على هذا النفاق الذي نرى تجلياته على كل المستويات في حياتنا العربية الكئيبة. السياسة. الثقافة. مؤسسة الزواج حتى في الحب ذاته. والنفاق الذي أتحدث عنه هنا ليس النفاق الاجتماعي في معناه الشائع والذي يتجلى في سلوكنا اليومي التلقائي، وإنما النفاق كموقف فكري واع وتركيبة ذهنية عميقة تعمد دوماً إلى تشويه حقائق الواقع أو مراوغتها أو تغييرها هرباً من وجع مواجهتها كما هي. حتى علاقتنا بالدين مغلوطة وسطحية لأنها علاقة نفعية انتهازية. حين تسأل عربياً مسلماً لماذا أنت متدين، لا يجيبك في أغلب الحالات بأنه ينزع بتدينه هذا إلى إثراء تجربته الروحية وإغناء ذاته. إنما يقول لك إنه يريد أن يدخل الجنة أو إنه يخشى عقاب الآخرة. مأساتنا هي أننا نعتقد أننا نتحايل على الحياة. الحياة كما الطبيعة قوية وحقيقية ولا تخطئ. و لا أحد بإمكانه أن يتحايل عليها. نحن في الحقيقة لا نتحايل إلا على أنفسنا. ندمر ذواتنا دون حتى أن نعي ذلك. والأمر كما ترى لا علاقة له مباشرة بالثورة التونسية. الثورة جعلت منها خلفية للرواية. وظّفتها لأُقارب هذه المسألة مقاربة جديدة مختلفة. أما أن الثورة التونسية لم تنجز مشروعها في إزاحة مفاهيم التخلف الراسخة في المجتمع الريفي، فهذا طبيعي جداً بالنسبة إليّ ولا أستغربه إطلاقاً لأن الثورة كما كتبت أكثر من مرة هي صيرورة تاريخية تحتاج إلى زمن طويل لكي تحقق أهدافها. وأصعب هذه الأهداف تغيير المفاهيم.

ألم تخشَ اتهامك بالذهاب إلى منطقة استشراقية في هذا النوع من القراءات السوسيولوجية للمجتمع العربي بمعنى مخاطبة الآخر بما يرغبه من مشهّيات سردية؟
ـ أولاً أنا لا أكتب للآخر ولا أفكّر فيه إطلاقاً حين أكتب. أنا أكتب باللغة العربية وقارئي عربي، وإن ترجمت العديد من رواياتي إلى لغات عدة. ثم إن ما تسميه «منطقة استشراقية» يشكل في رأيي مدخلاً أساسياً لفهم طبيعة العقلية العربية والقبض على بنيتها العميقة. أعتقد أن العطب يوجد هنا . أغلب مشاكلنا تنبع من هذه المنطقة الحرجة. صحيح. هناك عوامل عديدة أدت إلى ما نحن فيه. وقد كتب عنها الروائيون العرب كثيراً. أنا شخصياً قمت بهذا في عدد من رواياتي («نساء البساتين» مثلاً). ومن أهم هذه العوامل الخيارات السياسية الخاطئة والاستبداد والفساد والجهل والأمية. لكن العفن الأكبر يختفي في رأيي داخل سراديب الذات المعتمة. لا بد من أن نعرّي هذه الذات. لا بد من أن ننفضها بقوة وجرأة لكي نزيل ما تراكم عليها من غبار ووحول.
الشعب التونسي نجح في وضع حد للاستبداد، لكن الثورة لم تمنع صعود الإسلاميين إلى سدة الحكم

طبعاً من حق أي قارئ أن يقول ما يشاء وأن يبدي رأيه في ما أكتب. أحترم كثيراً آراء النقاد والقراء. لكن شخصياً لا أرى ما هي العلاقة التي يمكن أن توجد بين «الاستشتراق» ومقاربة واحد من أخطر مظاهر انفصام الشخصية العربية وهو النفاق. وعلى أي حال، لم أعثر حتى الآن في كل المقالات التي كتبت عن الرواية، ما يشير من بعيد أو من قريب إلى «منطقة استشراقية». الكتابة كما أتمثلها هي فعل حرية بامتياز. وإذا بدأ الكاتب يفكر وهو يكتب في ما يمكن أن يحبه القارئ أو لا يحبه، فإنه يرتكب خيانتين. الأولى لذاته والثانية للكتابة نفسها.

في روايتك هذه قمت بدورة التفافية نحو ما بدأته في روايتك الأولى « جبل العنز» على نحو خاص في معالجة مشكلات الريف التونسي، لكن من باب آخر، لماذا هذه العودة المتأخرة وبمعنى آخر، هل كانت الرواية الأولى مسودة لمدوّنة الريف التي تحتاج إلى كتابة ثانية نظراً لتراكم الوقائع المهملة هناك؟
ـ كل روائي يشتغل على ثيمة واحدة ويتحرك داخل مناخاتها. الفرنسيون لا يستعملون صيغة الجمع حين يتحدثون عن مؤلفات الكاتب، إنما صيغة المفرد أي لا يقولون «أعمال» الكاتب وإنما «عمل» الكاتب. هذا يعبّر في تقديري بشكل أفضل عن علاقة النصوص ببعضها. هذه الثيمة قد تتفرع إلى ثيمات صغرى عدة وتتخذ أشكالاً مختلفة. كل رواية لها علاقة بما سبقها وبما سيليها. كل رواية جديدة تضيء الروايات الأخرى وتمنحها بعداً جديداً، بل يمكن أن نقول تكملها بمعنى ما. هذا لا يعني أن التي سبقتها هي مسودات. لا شيء يمكن أن نعتبره نهائياً وكاملاً تماماً حين يتعلق الأمر بالإبداع. هناك تداخل وتقاطع وتواشج بين الأعمال. هذا يظهر بشكل واضح في الرسم. هناك رسامون يرسمون الشيء ذاته عدة مرات وفي لوحات مختلفة. وكل واحدة من هذه اللوحات مستقلة بذاتها لكن لها علاقة ما بما سبقها. الرسام الفرنسي بول سيزان أنجز لوحات كثيرة تمثل كلها «جبل السانت فيكتوار». مواطنه كلود مونيه فعل الشيء ذاته مع «كاتدرائية روان». «جبل العنز» ليست الرواية الوحيدة التي تعكس مناخات الريف. هناك «عشاق بية» أيضاً. وفي الحقيقة، الريف لم يختف أبداً من عالمي الروائي. هو موجود حتى في الروايات التي تدور أحداثها في باريس مثل «روائح ماري كلير» أو «عواطف وزوارها». هناك في أعمالي ما أسميه «حركة ذهاب وإياب» دائمة بين مكانين أساسيين في حياتي. الأول هو قريتي العلا في عمق الريف التي أمضيت فيها كل مرحلة الطفولة وجزءاً مهماً من مرحلة المراهقة، والثاني هو باريس التي أقيم فيها منذ أعوام كثيرة.
لا أعلم لماذا حضرت رسوم الواسطي في ذهني وأنا أتأمل خيوط سجادتك الروائية واشتغالك على المنمنمات في تشكيل فضاءات رواياتك، كيف تنمو بذرة رواية ما لديك، من فكرة صغيرة أم تصورات مسبقة، أرغب بزيارة مطبخك الروائي؟
ـ الرواية لدي تبدأ دائماً من فكرة. وأنا لا أؤمن ككاتب بوجود فكرة كبيرة مهمة وفكرة صغيرة تافهة. في الإبداع، كل الأفكار يمكن أن تكون كبيرة ومهمة. المعيار الذي يفاضل بين الأفكار ونستند إليه عادة في أغلب المجالات، يفقد في رأيي قيمته حين ندخل عالم الكتابة والفن عموماً. من منا لم يقرأ ويعجب بقصة «موت موظف» لتشيخوف؟ لقد تمكن بحسه الفني القوي من أن يبني عالماً انطلاقاً من فكرة «تافهة»: عطسة موظف بسيط. شخصياً أميل إلى هذا النوع من الكتابة. أختار فكرة ما وأشتغل عليها. أنسج حولها. أراكم الحقائق التي تبدو بسيطة للوهلة الأولى. لكن عندما يكتمل العمل، ينبجس المعنى الأكبر وتتضح الدلالة. الرواية لدي ليست «حدوتة» ولا كيس أحداث. طبعاً لا يمكن أن نكتب رواية بدون حكاية. لكن الحكاية هي الطبقة الأولى. ما يهمني هو ما يوجد وراء الحكاية. الرواية هي ما نجده خلف الأحداث. أي في كل ما ينجح الروائي في نسجه من أحاسيس وانطباعات ورؤى وتأملات حول مسألة ما. لا أستسيغ أيضاً «الزخارف» اللغوية. أرى أنها تعيق النص وتثقله وتغرقه في الإنشائية. وفي بعض الأحيان، تسيء إليه وتشوهه. أحاول قدر المستطاع أن أقتصد في اللغة. أرى في العديد من الروايات العربية «أوراماً لغوية». اللغة العربية لغة خطرة لأنها لغة غواية. إنها تجتذبنا بسهولة لموسيقاها وعذوبة أصواتها وإيقاعها الجميل. لذا أحرص وأنا أكتب على ألا أستسلم لها تماماً. هدفي أن تكون دقيقة إضافة إلى جماليتها طبعاً. أي أن تحيل المفردة التي اختارها مباشرة إلى المعنى. لقد لاحظت أن الحديث عن دقة اللغة يكاد يكون غائباً في الكثير من النقد العربي. حين يقيّمون اللغة، يفضلون الحديث عما يسمونه «الجمال». وهذا الجمال هو في الكثير من الأحيان مجرد غنائية سطحية تطرب الأذن. لا أميل أيضاً إلى ما أسميه «الإبهار» الذي يلجأ إليه بعض الكتاب للفت انتباه القارئ. كل ما أطمح إليه هو أن أخلق في الرواية التي أكتبها عالماً متكاملاً، لكن بأقل ما يمكن من الأحداث ومن دون الاتكاء على الحيل الأسلوبية الشائعة. أما بخصوص طقوس الكتابة، فأنا أعمل دائماً في الصباح. ولا أكتب أكثر من أربع ساعات في اليوم. لست من كتاب «الدفق الأول» الذين يكتبون كل ما يرد في أذهانهم. ثم يشتغلون على ذلك فيما بعد. لا أستطيع أن أواصل الكتابة في عمل ما إن لم أكن راضياً إلى حدّ بعيد عما كتبته سابقاً. وعندما أنجز العمل، أتركه لفترة ثم أعود إليه. هناك أشياء أعيد كتابتها وأخرى أحذفها.

تباغتنا روايتك «روائح ماري كلير» بنسف التصورات الجاهزة عن علاقة الشرق بالغرب كما عالجها الطيب صالح في «موسم الهجرة إلى الشمال» مثلاً، هل اختلفت النظرة حقاً اليوم؟ هنا أيضاً تشتغل على حفريات الجسد، شهوات الشرقي وأمراضه.
ـ في البداية ينبغي أن أقول إني أعتبر «موسم الهجرة إلى الشمال» رواية ممتازة. وهي من الأعمال الأدبية التي قرأتها مبكراً وأثّرت فيّ تأثيراً عميقاً. صدرت الرواية في كتاب سنة 1966 إن لم تخني الذاكرة، لكنها كتبت قبل ذلك. وقد نشرت سابقاً في مجلة «حوار». كان العالم العربي قد خرج لتوه من مرحلة الاستعمار القاسية. لذا كانت نظرة الشرق للغرب سيئة جداً. «مصطفى سعيد» أراد أن يتصدى لسيطرة الغرب وتفوقه بفحولته الافريقية القوية التي دوّخت كل نساء لندن. وفي هذه النقطة بالذات (فحولة/ تفوّق) يكمن الفرق بين «موسم الهجرة» و«روائح ماري كلير» التي نشرت عام 2008 أي بعد حوالى نصف قرن. أتفهم موقف مصطفى سعيد الذي جعل من ذكره سلاحاً فتاكاً يتباهى به. وطبعاً الذكر هنا له حمولة رمزية. لكن «محفوظ» الشخصية الرئيسية في «روائح ماري كلير» عاش في عصر آخر. علاقته بماري كلير هي علاقة حب حقيقي. لم يتكئ أبداً على فحولته لغزوها كأنثى لسبب بسيط، هو أن هذه «الفحولة» معطوبة إلى حد ما. ثقافة الذكر العربي الجنسية ضعيفة، وتجربته في هذا المجال محدودة جداً مقارنة بالذكر الغربي الذي يشرع في ممارسة الجنس بعمق وبحرية وبدون عقد نفسية منذ بلوغه مع بنات من عمره. وفي الكثير من الأحيان داخل تجربة عشق. لقد أردت أن أكسر صورة الفحل العربي الكامنة في لا وعينا. لماذا نتصور دائماً العربي فحلاً؟ لا أدري من أين أتت هذه الفكرة؟ إنها مجرد وهم وفانتازم نستعيض به عن ضعفنا. هناك إلى حد الآن ما يمكن أن نسميه «بؤساً جنسياً» لدى الكثير من الشباب في أغلب البلدان العربية. ممارسة الجنس خارج مؤسسة الزواج لا تزال ممنوعة. حتى إن حدثت، فبشكل سري. العديد من الشباب يحلون مشكلاتهم الجنسية إلى يومنا هذا في المواخير.

لاحظت أن الحديث عن دقة اللغة يكاد يكون غائباً في الكثير من النقد العربي

أي يمارسون الجنس للمرة الأولى في حياتهم (وهو فعل مؤسس لنشاطهم الجنسي وتوازنه) مع مومسات بعضهن في عمر أمهاتهم، وليس مع البنات اللواتي يعشقونهن. بل إن البعض لا يستطيع أن يذهب إلى المواخير لأنه يقيم في الريف، فيحل مشاكله بامتطاء الحمير أو الماعز. شخصية «محفوظ» لا تختلف كثيراً عن هؤلاء الشباب. لذا فإن عشيقته الفرنسية ماري كلير هي التي تعلمه وتقوده وتدربه على التعامل مع جسد الأنثى، والأهم من كل ذلك على اكتشاف جسده الذي كان يجهل حدوده. لقد أردته أن يكون نقيضاً لمصطفى سعيد ليعبر عن واقعنا العربي كما هو.

«عواطف وزوارها»، و«روائح ماري كلير»، و«نساء البساتين»... هذه الأنوثة المعلنة هل هي نوع من مواجهة استبداد ذكوري مزمن؟
ـ هذه عناوين لبعض رواياتي. والعنوان لا يعكس كل ما في الرواية. هناك عناوين لروايات أخرى لا تحيل إلى نساء، و إنما إلى رجال («أسرار عبد الله» مثلاً). مع ذلك، أعترف بأني منحاز إلى حد ما للمرأة. أحب صداقة النساء ومخالطتهن. أتعلّم منهن الكثير، حتى ما يسميه البعض «ثرثرة» لدى النساء أجده في الكثير من الأحيان أكثر أهمية مما يقوله الرجال لأنها تتمحور عموماً حول مسائل تبدو لنا نحن الذكور تافهة وما هي بتافهة. إنها تتصل مباشرة بالحياة في تجلياتها الصغيرة. المجتمعات العربية تطرد المرأة من مجالات عدة. إنها مجتمعات رجالية بها «فائض» ذكورة. لا أتحدث هنا عن حضور المرأة في التعليم والإدارة والمؤسسات. في أغلب البلدان العربية نجد الآن نساء في وظائف مهمة. أتحدث عن حضورها في المقهى وفي الشارع وفي كل ما يتصل بحياتنا اليومية. في كل المجتمعات التي شهدت تطوراً فكرياً وقيمياً وأخلاقياً، هناك حضور قوي للمرأة.

في «نساء البساتين»، تزيح الغطاء عن الجسد المحتجب وتأثير النبرة الإسلامية على سلوكيات الشخصيات بالتوازي مع استبداد السلطة كأن لا مفر من هذه الثنائية؟
ـ حالياً لا أرى للأسف أفقاً آخر للعرب عدا هذه الثنائية. انظر ما حدث في تونس التي انطلقت منها شرارة «الربيع العربي». الشعب التونسي نجح في وضع حد للاستبداد. لكن الثورة (وأنا أعتقد أن ما حدث في تونس ثورة خلافاً لما يقول البعض) لم تمنع صعود الإسلاميين إلى سدة الحكم. والمفارقة المؤلمة أن من أتى بهم إلى الحكم هو الشعب الذي ثار على الاستبداد. الإسلاميون لم يستولوا على السلطة بانقلاب وإنما وصلوا إليها بواسطة الديموقراطية.

ما هي روايتك المؤجلة؟ أقصد تلك التي ترددت في كتابتها إلى الآن بفعل المحرم أو الخشية من هتك بعض الأسرار؟
ـ ليست لدي الآن أي رواية مؤجلة. لو طرحت علي هذا السؤال قبل أعوام، لأجبتك روايتي المؤجلة هي «بكارة». منذ فترة طويلة كنت أرغب في الكتابة عن هذا الموضوع. إلا أني كنت أؤجل هذا باستمرار لحساسية الموضوع، وأيضاً لأن الحكاية التي أريد أن أجسّد بها هذه الفكرة لم تكن ناضجة بما فيه الكفاية.

كيف تنظر إلى هذه الحمى الروائية العربية؟ هل ترى أن هناك قصوراً نقدياً في فرز ما هو روائي عما عداه؟
ـ إنها فعلاً حمّى كما تقول. وأنا أنظر إليها نظرة إيجابية لأني أؤمن بأن الكم يؤدي إلى الكيف. لا يهم إن كانت هناك روايات رديئة. على أي حال في كل البلدان حتى الغربية حيث حققت الرواية إنجازات كبرى على مستوى التقنيات أو على مستوى الثيمات، نجد الكثير من الروايات الرديئة. هذا الإقبال على كتابة الرواية في العالم العربي ليس ناتجاً برأيي عن الجوائز التي تكاثرت في الفترة الأخيرة فقط، وإنما أيضاً عن أمر آخر هو أن الذات في العالم العربي تشهد تحولاً. الذات الجماعية بدأت تنحسر وأخذت الذات الفردية تحل محلها. تغيّر نمط حياة العربي ربما تحت تأثير العولمة، فصار أكثر وعياً بذاته الفردية. والرواية كما نعرف هي فن الفرد بامتياز. ليس صدفة أنها ازدهرت بداية من القرن التاسع عشر قرن سيطرة البورجوازية التي تقوم على الفرد وتمجد عقله وتحتفي بمغامراته. صحيح هناك قصور نقدي في فرز هذه الأعمال الروائية، لكن هذا لا يؤثر كثيراً على تطورها. أعتقد أن ما يدفع الرواية إلى التطور هو إقبال القارئ عليها. لا أنكر هنا قيمة النقد أو أنفي دوره. لكن الرواية لا تحيا إلا بالقارئ. وفي العالم العربي بدأنا الآن نلمس حضوراً لهذا القارئ رغم كل ما يقال عن غيابه.