يمكن القول إن قراء كتاب «مكيافيللي والإسلام والشرق: إعادة توجيه أسس الفكر السياسي الحديث» (مجموعة مؤلفين ــــ palgrave macmillan 2018) كافةً، سمعوا بمؤلف مكيافيللي «الأمير». ولعلّ كثراً قرأوه أيضاً وربما أكثر من مرة، لكن من المؤكد أن قلة فقط من قرائه انتبهت إلى مجموعة من «التهم» الموجهة للكاتب. المقصود هو القول إنّ ثمة مجموعة من الأفكار المسبقة التي تحيط بالمؤلّف وصاحبه، ولذا وجب تصويب بعضها معتمدين على آراء بعض أهل الاختصاص، حتى نتمكن من قراءة «الأمير» قراءة مجردة من الأحكام المسبقة، وهذا المؤلف موضوع عرضنا. كثر من أهل الاختصاص يقولون إن آراء مكيافيللي (1469-1527) كثيراً ما تم تأويلها على نحو خاطئ، وأنّ كثيراً من القراء يشعرون بالانزعاج من تلك الآراء. لكن هذه المشاعر السلبية ناتجة من قراءة غير متمعّنة للمؤلف الشهير. إذ يتهمون صاحبه بأنه أقر بمبدأ «الغاية تبرر الوسيلة» (وهو مبدأ جماعة الإخوان المسلمين بالمناسبة)، وأنّ «على القائد الكذب على شعبه»، وأن «على القائد الحكم باستخدام القوة». الادعاء بأن هذه مبادئ مكيافيللي، ناتج من قراءة سطحية لكتابه. فكل ما قاله مكيافيللي في المؤلف إنّ ثمة ظروفاً تكون فيها المصلحة العامة أهم من الوسائل، وأهم من فضائل تصرفات الحاكم أو أخلاقياته.



قال مكيافيللي في «الأمير» إنه من غير الممكن أن يكون «الحاكم» محبوباً من قبل كل الأفراد. لذا فعليه محاولة أن يكون محبوباً ومهاباً في الوقت نفسه، لكنه ينصحه باختيار المهابة لأن الأخيرة تضمن أن يخاف أعداءه من العقاب في حال خسروا المعركة. على القائد ألا يظهر أي ضعف، وإلا فإنه لن يهاب وستتم الإطاحة به.
ومكيافيللي يعترف بأهمية القوة العسكرية، وأنه على الدولة أن تكون منظمة، حتى لو كان ذلك يتم عبر الكذب على الناس من أجل دفعهم لمحاربة العدو المشترك. طرح مكيافيللي هذا المبدأ الأخير لأن الكنيسة في أوروبا كانت مرتبطة بالسياسة في عصره، ما يعني التزام «الطهارة»، مثل عدم الكذب وما إلى ذلك. لكن مبدأ مكيافيللي الذي يرى أنه يحق للقائد الكذب يعني أنه كان يطالب بدولة عِلمانية لا مكان فيها للمؤسسات الدينية.
إن الغاية لا تبرر الوسيلة، لكن الغاية تعني أيضاً أنها قد تكون مهمة من أجل الحفاظ على المجتمع واستمراريته. عندها لا تكون الوسيلة مرتبطة بالأخلاقيات. ولأن القائد لا يمكنه إرضاء كل فرد في كل الأوقات، فعليه أن يكون بارعاً كي يتمكن من المحافظة على السيطرة على الدولة. ولذا، فقد تنشأ ظروف يكون فيها القائد ملزماً بالكذب على الشعب، من أجل تحقيق هدف عظيم لصالح المجتمع ككل.
كما يرى مكيافيللي وجوب فصل حياة الحاكم الخاصة من الدولة. فمهما كانت أخلاق الحاكم خليعة، فإن صورته في المجتمع على جانب كبير من الأهمية. فالحاكم قد يكون مهلهل الشخصية في حياته الخاصة، لكن عندما يكون مرتبطاً بالأعمال السياسية والدولة، فمن غير المقبول تعريض صورته للجرح والتشهير لأن ذلك سيؤدي إلى الفوضى وإلى انهيار الدولة.
الآن وقد قدمنا صورة مختصرة لأهم أقوال مكيافيللي ذات الصلة، ننتقل إلى قراءة هذا المؤلف المرتبط بحلقة بحث علمي عقدت في «سكولا نورماِ سوبريور» في مدينة بيزا الإيطالية يوم السادس من أيار (مايو) 2013، في ذكرى مرور خمسمئة عام على صدور «الأمير». هذا المؤلف موضوع العرض يتضمن بعض الأبحاث التي قدمتها مجموعة من العالمات والعلماء في الندوة.
من المعروف أن الأديب الهندي سلمان رشدي قدم مكيافيللي على نحو إيجابي في روايته The Enchantress of Florence (عرافة فلورنسا)، وربط في الوقت نفسه بين الغرب وأواسط آسيا، وهو ما يفتتح به لوتشيو بياسيوري وجيسيبي ماركوتشي محرّرا هذا الكتاب. وهذا هو الهدف الأهم للمؤلف كما سيرى القارئ. لكن المحرّرين يشددان على أن مكونات «الأمير» يمكن قراءتها على أنها موزايك أورآسيوي واسع. فطبيعة الفترة الواقعة بين العصور الوسطى المتأخرة والعصور الحديثة المبكرة، تتسم بتواصل مستمر على حدود اللغة والثقافة والدين. لذلك فإن هدف هذا المؤلف المثير الإضاءة على إمكانية القراءة المتعددة لما يرد في صفحات مؤلف مكيافيللي، وأبعد مما جرى ومما اقترح في القرون الماضية. وهذا يتطلب الذهاب إلى ما أبعد من التبسيطات، بل حتى محاولات التقليل من قيمة فكر مكيافيللي، وتحويلها إلى مقتطفات من قواعد السلوك في الحكم، أو حتى محاولات تقديمه على أنه مفكر يعكس عُلوية القيم الغربية التي يهددها «صدام الحضارات» والتي مثل تنظيم إبراهيم البدري أحط صورها.
من أجل الوصول إلى هدف الندوة وبالتالي هذا المؤلف، فقد قسمه المحرران إلى ثلاثة أجزاء يحوي كل منها ثلاثة فصول.
استعمال «الأمير» لإساءة تأويل الإسلام والشرق لم تقتصر على الكتّاب الأوروبيين


الجزء الأول «من القراءات إلى القُرَّاء» يسبر الرابطة بين خلفيات تعليم مكيافيللي العربي، وكيفية تقبل ذلك لدى كتاب تعاملوا مع الإسلام والإمبراطورية العثمانية. فمؤلف «الأمير» مدين كثيراً لـ «كتاب سر الأسرار» الذي كان أكثر المؤلفات المنسوبة خطأً إلى أرسطو، المكتوب في القرن الثامن في سوريا وتمت ترجمته إلى اللاتينية وإلى لغات أوروبية أخرى. وكاتب الفصل لوتشيو بياسيوري («جذور إسلامية لأفكار مكيافيللي»، «الأمير» و«كتاب سر الأسرار» من بغداد إلى فلورنسا والعودة») يقول إن وجود مرجع إسلامي لدى مكيافيللي يوضح التشابه بين «الأمير» والفكر السياسي العربي، والذي ساهم في انتشار أفكاره وكتاباته وتقبلها في العالم الإسلامي.
المادة الرئيسة للجزء الثاني «أديان وإمبراطوريات» تركز على الاستعادة الخلاقة لكتابات لوتشيو بياسيوري التي تمت ـــ دوماً وفق الكاتب ـــ على يد مفكرين إنسانيين ومبشرين ورحالة، بهدف تأسيس مقارنة مع القوى الإسلامية.
الجزء الثالث «ما هو أبعد من الاستشراق» مخصص لتوضيح أن إساءة استعمال مؤلف «الأمير» لتأويل الإسلام والشرق أو إساءة تأويلهما لم تقتصر على الكتاب الأوروبيين. ويوضح هذا الجزء وجود فكر سياسي عابر للثقافات في تلك الفترة. ودليل ذلك التشابه (والاختلافات) بين كتابات جلال مصطفى (1490-1567) وكتابات مكيافيللي، التي لم ينتبه إليها البحاثة بسبب دراسة كل منهما على نحو منفصل، دوماً وفق قايا شاهين الأستاذ المساعد للتاريخ العثماني في جامعة إنديانا، صاحب فصل «قصة مستشارَيْن: مكيافيللي وجلال زاده مصطفى والثقافات السياسية المترابطة في القرن الخامس عشر/ العاشر هجري». نكتفي بهذا العرض المختصر، ونوصي بقراءته لأهميته، عسى أن تتم ترجمته إلى اللغة العربية.

Machiavelli, Islam and the East: Reorienting the Foundations of Modern Political Thought. palgrave macmillan 2018. 268 pp. Edited by Lucio Biasiori and Giuseppe Marcocci.