أربعون عاماً مضت على الانتفاضة الشعبية العارمة في إيران، التي يعرفها بعضهم بأنها ثورة، والتي قضت على حكم الشاه المرتبط بالاستعمارَين البريطاني والأميركي، آخذين في الاعتبار أن الأخيرين هما من أعاداه إلى سدة الحكم بعد ثورة محمد مصدق في مطلع خمسينيات القرن الماضي. قليلة هي الدول التي تعرضت لمثل هذا الحصار من الغرب، وعدد أقل من الدول تمكنت من تجاوز آثار الحصار، من دون التخلي عن مبادئها أو الانحراف عن أهدافها. فالنبض الثوري ما زال يحدد سياسات البلاد الداخلية والخارجية، لكن من دون نفي أن النظام اضطر أحياناً إلى البحث عن حلول عملية/ نفعية لبعض المشاكل.

هل من سبب للخوف من «أطماع» إيران، كما يدّعي الرئيس الأميركي وغلمانه في الخليج الفارسي والعدو الصهيوني؟! للتذكير، إيران لم تغزُ أي دولة منذ عام 1798.
يناقش أمين صيقل في كتابه «إيران الصاعدة: بقاء الجمهورية الإسلامية ومستقبلها» (princeton university press 2019) تاريخ إيران، ويوضح كيف أن الظروف الداخلية والخارجية ساهمت في توحيد الأمة الإيرانية في الانتفاضة الشعبية عام 1979، ويوثق تاريخ الدولة السياسي، وتدخل الولايات المتحدة المستمر في شؤونها، آخرها تدخلها السافر وتحريضها على النظام عام 2017، هي ومعها مشيخات الخليج الفارسي السيبريانية ومعهم العدو الصهيوني.
لكن هذا المؤلف لا يحكي قصة الانتفاضة/ الثورة على الشاه، وإنما يناقش المعضلات والتحديات التي واجهت قيادة البلاد الجديدة بعد انتصار القيادة الإسلامية الجديدة.
يتعرض الكاتب أيضاً لمختلف منابع قوة النظام، سواء ما يسمى «القوة الناعمة»، أي علاقات النظام مع مختلف القوى الوطنية ومع الشبكات العابرة للقوميات، والتي ساهمت إلى حد كبير، «في تعزيز تأثير إيران في الإقليم وتوسيعه»، وكذلك ما يسمى القوة غير الناعمة أو القوة الغليظة، أي الجيش المكلف بحماية البلاد والحرس الثوري المكلف بحماية الثورة والنظام الإسلامي والأمن القومي.


كذلك يبحث الكاتب في علاقات إيران الدولية، وخصوصاً علاقاتها مع روسيا، رغم مخاوفها التاريخية منها، ودعمها سوريا والتدخل في أفغانستان وغير ذلك، ويعثر فيها ــــ كما يقول ــــ على أسباب عداوة واشنطن للنظام. كما من غير الممكن تجاهل أن تشكيل أعراب الخليج الفارسي «مجلس التعاون» في الخليج كان بأمر أنغلو ــــ أميركي لمواجهة النظام الثوري في طهران. فتشكيل ذلك التحالف الهش عنى أن أعضاءه يرون أن إيران الثورية هي العدو الواجب التوحد لمواجهته، وليس كيان العدو الصهيوني، وهو ما يصرح به حالياً غلمان الخليج ليل نهار.
أمر آخر وجب الإشارة إليه هو دعم واشنطن وتوابعها من مشيخات الخليج السيبريانية لحرب نظام صدام حسين على إيران وإمداده بالأسلحة المتطورة ودفع غلمانها إياهم لدعمه مالياً.
في ظننا، أن الكاتب لم يمنح معاداة النظام لكيان العدو ورفض أي صلح معه وعدّ فلسطين أرضاً مقدسة وجب تحريرها، في قلب الموقف الذي يزعج واشنطن وغلمانها في المنطقة بمن فيهم نظام العسكر في مصر، فيما الأسباب الأخرى تفرعات من الأساس.
يذكر الكاتب أنّ إيران تمكنت من التحول إلى قوة وسطى، رغم الحصار ومعاداة الدول المجاورة ــــ وأولاً وقبل كل شيء معاداة واشنطن ــــ لكنه يستعين بكتابات أهل الاختصاص في معنى «الدولة الوسطى». ويستخدم التعريف التالي لـ«القوة الوسطى» مدخلاً لتحليل مكامن قدرات إيران الحقيقية ضمن الإطار التاريخي والسياسي: القوة الوسطى قوة تتمتع بمثل هذه القدرة العسكرية والموارد والموقع الاستراتيجي، حيث تسعى القوى العظمى في وقت السلم إلى دعمها، وفي زمن الحرب، بينما لا أمل لها في الفوز في حرب على قوة عظمى، يمكنها أن تأمل في إلحاق كلفة على قوة عظمى تفوق ما يمكن أن تأمل الأخيرة في تحقيقه من خلال مهاجمتها.
يستنتج الكاتب من ذلك أن هذا التعريف يستحضر مركزية العوامل المادية في كيفية إدراكنا وتقويمنا النقدي للعظمة والحجم والقوة، ويضيف إنّ المقاربة الهرمية لمفهوم القوة الوطنية تدعم التحقيق التحليلي والتجريبي لهذا المؤلف لقدرات إيران المادية. سبب ذلك أن هذا النهج يقدم الفهم الأكثر تماسكاً وبديهية لـ«قوة وسطى» ويظل متحرراً نسبياً من الافتراضات التقليدية والأيديولوجية التي من شأنها أن تعوق بالضرورة التقويم الحكيم للقضية المثيرة للجدل مثل قضية إيران.
إن طرح تعقيدات تطور الجمهورية الإسلامية يثير عدداً من الأسئلة: ما طبيعة النظام الديني للجمهورية الإسلامية وهيكله؟ ولماذا أثار وجودها كثيراً من المعارضة الإقليمية والدولية، وخاصة من قوة عالمية مثل الولايات المتحدة؟ وما الذي مكّن الجمهورية الإسلامية من الخروج سالمة من هذه المعارضة الشرسة؟ وما الذي قاد إلى سلوكها الداخلي والخارجي غير التقليدي، الذي كان يغذي، على الأقل جزئياً، خوف الغرب من الجمهورية؟ وإلى أي مدى تقدمت في استخدام قدرات مواردها؟ وإلى أي مدى سمح لها هذا التقدم بالحفاظ على النظام الداخلي، وضمان قاعدة دعم شعبية مناسبة، ووضعها لاعباً رئيساً في المنطقة، وربما أبعد من ذلك؟ وما الطرق التي اتبعتها لضمان مصالحها في وجه مصالح جيرانها وقوى العالم، في الوقت الذي قدمت فيه نفسها كقوة ودية واستقرارية داخل النظام الدولي؟ هل ستكون قادرة على تجاوز موقف إدارة ترامب العدواني، كما فعلت تجاه القيادات الأميركية السابقة؟
منهج المؤلف في معالجة هذه الأسئلة وغيرها، هو في المقام الأول تحليلي وتجريبي وليس التفسيري نظرياً. بعبارة أخرى، هو يسعى إلى توضيح وتحليل القضايا التي ركزت على نحو بارز على تأسيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية وتطورها واستمراريتها ومواطن ضعفها في كل من معرضها السيادي والتفسيري الخارجي داخل المنطقة الإقليمية والمتغيرة، والظروف الدولية. وهو يفترض أن للجمهورية الإسلامية قصة فريدة من نوعها، متعددة الأبعاد، وأحياناً مأسوية، سياسية ثيوقراطية يجب أن تُروى وتسمع، إذا كان على المرء أن يكتسب رؤى واقعية وصحيحة حول كيفية عملها وتمكنها من المضيّ قدماً في وجه الخصوم الكثيرين.
يبحث في علاقات إيران الدولية، وخصوصاً علاقاتها مع روسيا، رغم مخاوفها التاريخية منها


يقرّ الكاتب بأن بعض ما يرد في هذا المؤلف يمكن العثور عليه في مؤلفات أخرى عن إيران، لكن ما يميّز مؤلفه في المقام الأول عن الآخرين هو التحليل التفصيلي الذي يقدمه للتفاعل بين السياسة الداخلية والعلاقات الخارجية لإيران، وطريقة التفاعل مع تقلبات الوضع الإقليمي والدولي لضمان بقاء النظام الإسلامي. وبعبارة أخرى، مع أن سلوك النظام اتخذ في كثير من الأحيان شكل ردٍ على الاستفزازات الخارجية، فقد مارس في الوقت نفسه دوراً رئيساً في توليد هذه الاستفزازات والاستجابة لها.
قسم الكاتب مؤلفه إلى ثمانية فصول، بما في ذلك الخاتمة.
يحدد الفصل الثاني المشهد عن طريق شرح مفهوم الثورة وتحليل الظروف الداخلية والخارجية التي ساعدت في اندلاع الثورة الإيرانية ومهدت الطريق لصعود الخميني إلى السلطة.
الطبيعة والبنية والعمليات التي أقام بها الخميني النظام الإسلامي ومكنت من التغلب على المعارضة الداخلية، والأعمال العدائية والخصومة الخارجية تشكل موضوع الفصل الثالث.
ويناقش الفصل الرابع بشكل حاسم تطور نظام الخميني في ظل خليفته خامنئي، الذي تمكن من مراكمة قدر من السلطة يساوي ما كان لسلفه، إن لم يكن أكثر، في مسائل السياسة الداخلية والخارجية. ويناقش الفصل الخامس بالتفصيل مسألة وفرة موارد الجمهورية الإسلامية ودورها في تحديد قوتها الاقتصادية والصلبة واللينة قاعدة أساس لتقويم مقدرة إيران على أن تكون لاعباً إقليمياً رئيساً. ويقدم الفصلان 6 و7 تحليلاً نقدياً لعلاقات الجمهورية الإسلامية مع جيرانها والقوى العالمية على التوالي.
الفصل الختامي يناقش بعض التحديات البارزة التي تواجه الجمهورية الإسلامية ويطرح السؤال ما إذا كان النظام الإسلامي الإيراني سيستطيع البقاء خارج تقاليد الخميني الجهادية أو ما إذا كان التقليد سيتوقف في وقت ما، ما يزيد من احتمالات اتخاذ إيران اتجاهاً مختلفاً. لذلك، فإنه يولي أهمية لتأثير الموقف السياسي المتشدد لرئاسة ترامب على العلاقات الأميركية الإيرانية ومصير الجمهورية الإسلامية نفسها. يوفّر هذا المؤلف صورة شاملة للتغيير والاستمرارية في تطور الجمهورية الإسلامية، ويعدّ أحدث دراسة للجمهورية الإسلامية على مدى السنوات الأربعين الماضية، وفق ما يقول الكاتب.

Iran Rising: The Survival and Future of the Islamic Republic. princeton university press 2019. 344 pp. Amin Saikal