لا شك في أن الفساد ينخر في أجساد كثير من بلادنا ومجتمعاتنا العربية، كما في دول ومجتمعات أخرى. ربما الفساد في بلادنا، في عالمنا غير المصنع، ليس بخطورة الفساد في الدول الصناعية، لكننا نعرف، جميعاً، مدى خطورته، الاقتصادية والمجتمعية والأخلاقية والفكرية وغيرها علينا أفراداً ومجتمعات. ليس الفساد بالأمر الجديد، إذ يوضح كتاب «محاربة الفساد عبر التاريخ - من العصور القديمة إلى العصر الحديث» (Oxford university press 2018) أن المسألة تاريخية وهنا تكمن أهميته حيث يوضح النقاط الآتية:

- يقدم المؤلف أول عرض تاريخي مديد للفساد ومحاربة الفساد في أوروبا.
- يناقش الفساد ومحاربته ضمن قرائن تاريخية مختلفة في بلاد الإغريق والإمبراطورية الرومانية، وفي آسيا الأوروبية وإيطاليا وفرنسا وبريطانيا والبرتغال، كما الدراسات المرتبطة بمحاربة الفساد في رومانيا والإمبراطورية العثمانية وهولندا وألمانيا والدانمارك والسويد وألمانيا الشرقية (سابقاً) ضمن المراحل الحديثة المبكرة والمراحل الحديثة.
- يعرض تقديراً نقدياً للخطاب عن الفساد السائد في مختلف التهذيبات الأكاديمية، إضافة إلى الأصوات في الإعلام الشعبي أو تلك الصادرة عن سياسيين.
- يناقش المقاربات المؤثرة في دراسة الفساد ومحاربته ضمن سياقات تاريخية وجغرافية مختلفة، ويختبرها.


محرّرو المؤلف (رونالد كروزي، وأندريه فيتوريا، وغي غيلتنر) قسّموا مساهمات المشاركين إلى خمسة أجزاء على النحو الآتي:
1) العصور القديمة: يضم ثلاثة فصول تغطي العصور الممتدة من العهود الإغريقية القياسية (أي من القرن الخامس قبل التأريخ السائد (ق ت س) إلى القرن الرابع (ق ت س)، إلى العهد الروماني (القرن الرابع من التأريخ السائد (ت س) إلى القرن السادس (ت س)). ومن الإسهامات في هذا الفصل توضيح دور الفساد في انهيار الجمهورية الرومانية.
2) العصور الوسطى: فترة هذه العصور تمتد خمسة قرون، دوماً بحسب المؤلَّف. كما ينوه المشاركون في هذا القسم إلى أن العصور الوسطى، في أووربا والشرق الأوسط وفق تعبير المشاركين، تعد مهد مؤسسات حديثة كثيرة، من المصارف إلى المستشفيات وإلى الدول، وهو ما يشرح مرونة التعاطي مع سوء التصرفات في الحيزين العام والخاص، أو انعدام المقدرة على التعاطي معها. لكن الصورة المتولدة من الإسهامات في هذا القسم، توضح أن الأمر أعقد بكثير من المتوقع بما يعني ذلك من تبعات على صورة التقسيم بين ما قبل الحديث والحديث. وما يهم القارئ هنا على نحو خاص أن فهم الفساد والإجراءات لمحاربته مثل تقديم العرائض والرد عليها وإعفاء الموظفين ومدققي الحسابات من وظائفهم، بقيت ثابتة في ظل حكم العباسيين والبويضيين والسلجوقيين بين القرنين التاسع والحادي عشر. لكن فجوة وجدت بين إجراءات محاربة الفساد وتطبيقها، أي بين منع الفساد ومعاقبته.
3) العصور الحديثة المبكرة: المادة الرئيسة في هذا القسم بفصوله الثلاثة، هي العلاقة بين محاربة الفساد والسياسة. كما يوضح القسم دور بنية المجتمع السياسية وديناميتها، ووزن المحسوبية ووظيفتها الاجتماعية وأشكال الوصول إلى الثروة وتفشي الخدمات غير الرسمية وضوابط الحكومات العملية في تشكيل الموقف من الفساد واستجابة الحكومة له.
4) من العصور الحديثة المبكرة إلى العصور الحديثة: موضوع هذا القسم، بفصوله السبعة النقاش في ما إذا فهم الفساد ومحاربته من العصر الحديث المبكر إلى العصر الحديث قد حصل. الميزة البارزة والأساس في هذا الانتقال المفترض هي سيادة القانون وفصل رسمي- قانوني بين الفضاءات الخاصة والعامة ودمقرطة بيروقراطية المجتمع والسياسة التي تعد أساساً في التقليل من تفشي الفساد. هذه الفترة تمتد من أوائل القرن السابع عشر إلى أواخر القرن التاسع عشر.
5) التاريخ الحديث والمعاصر: يناقش هذا الفصل بفصوله الثلاثة الفساد ومحاربته في المجتمعات الأوروبية الحديثة. ومن القضايا التي تناقشها فصول هذا القسم قضية لوكهيد وقضية فْلِكّْ وفساد الدولة في الجمهورية الألمانية الديمقراطية السابقة.

Anti-corruption in History, From Antiquity to the Modern Era. Oxford university press 2018. 454pp. Ronald Kroeze (Editor), Andre Vitoria (Editor), Guy Geltner (Editor)