«مُضَرِّط الحجارة» واحد من أغرب الألقاب التي حملتها شخصية جاهلية على الإطلاق. أما الشخصية التي حملته، فهو الملك الشهير، شبه الأسطوري: عمرو بن المنذر بن ماء السماء اللخمي صاحب الحيرة. وهو ينسب إلى أمه أيضاً: عمرو بن هند، مضرط الحجارة. وهي هند بنت عمرو بن حجر الكندي آكل المرار، التي يقال إنها عمة امرئ القيس بن حجر الشاعر. وعمرو يلقب أيضاً بالمحرّق، لكنه محرق الثاني. فمحرق الأكبر والأول هو امرؤ القيس اللخمي. ولأننا أمام محرقين، في ما يزعم، فقد نراهما يختلطان معاً في بعض اللحظات.

وتشتبك حكاية مضرط الحجارة مع قصص ثلاثة من أشهر شعراء الجاهلية: عمرو بن كلثوم، طرفة بن العبد، وخاله المتلمس. وعمرو بن كلثوم بالذات هو قاتل مضرط الحجارة في ما يزعم: «فتك به عمرو بن كلثوم فقتله» (ابن سعيد، نشوة الطرب). أما قصة طرفة والمتلمس، فمعروضة في قصة «صحيفة المتلمس». إذ أرسل عمرو الشاعرين إلى عامله على البحرين، ومعهما صحيفة- رسالة تأمر بقتلهما. ففتحها المتلمس ونجا، أما طرفة فأصر على أن لا يفتحها، فقتل.

منمنمة فارسية تصوّر النبي إبراهيم (حبر وألوان مائيّة وذهب على ورق ــ القرن السادس عشر ميلادي)

وهناك شبه إجماع على أن صاحبنا لُقِّب بمضرط الحجارة لشدته وعنفه: «يلقب مضرط الحجارة لتجبره وشدة ملكه» (نشوان الحميري، الحور العين). يضيف الميداني: «كان عمرو لا يبتسم ولا يضحك، وكانت العرب تسميه مضرط الحجارة لشدة ملكه» (الميداني، مجمع الأمثال). أما أبو البقاء الحلي، فيزيد: «كانت العرب تسميه مضرط الحجارة لهيبته، وتسميه محرقاً أيضاً» (أبو البقاء الحلي، المناقب اليزيدية).
وهكذا، فلقب «مضرط الحجارة» تعبير مجازي لا غير، حسب المصادر العربية. إذ هو من شدته وهيبته وضراوته يكاد يجعل الحجارة تضرط من الخوف.
والحق أننا نشك بشدة في هذا التفسير. فعمرو بن هند هذا شخصية أسطورية. وحتى لو كان هناك في الأصل ملك واقعي بهذا الاسم، فإنه قد تلوث بالأسطوري تلوثاً تاماً. والأبطال الأسطوريون لا يحملون ألقابهم مجازاً. فألقابهم تعكس فعالياتهم الأسطورية، إنها في الحقيقة وصف جوهري لهم. أو اختصار لطبيعتهم. وهذا يعني أنه من دون فهم الألقاب، لا يمكن فهم طبيعة هؤلاء الأبطال.
إذن، فما الذي يعنيه هذا اللقب الغريب حقاً؟
ربما كان علينا كي نصل إلى فهم معنى هذا اللقب أن نذهب إلى واحدة من القصص التي تروى عن مضرط الحجارة هذا. والقصة تربطه بكبش محدد، لكنه كبش غريب يحمل سكين ذبحه في فمه. وهو الذي قيل فيه مثل (كالكبش يحمل شفرة وزناداً)، الذي: «يضرب لمن يتعرض للهلاك. وأصله أن كسرى بن قباذ ملّك عمرو بن هند الملك الحيرة وما يلي ملك فارس من أرض العرب، فكان شديد السلطان والبطش، وكانت العرب تسميه «مضرط الحجارة»، فبلغ من ضبطه الناس وقهره لهم واقتداره في نفسه عليهم أن سنة اشتدت على الناس حتى بلغت بهم كل مبلغ من الجهد والشدة، فعمد إلى كبش فسمنه، حتى إذا امتلأ سمناً علق في عنقه شفرة وزناداً، ثم سرّحه في الناس لينظر هل يجترئ أحد على ذبحه. فلم يتعرض له أحد حتى مر ببني يشكر، فقال رجل منهم، يقال له علباء بن أرقم اليشكري: ما أراني إلا آخذ هذا الكبش فآكله. فلامه أصحابه فأبى إلا ذبحه، فذبحه» (الميداني، مجمع الأمثال).
إذن، فعمرو بن هند على علاقة بكبش. وهذا الكبش حمّل في عنقه شفرة وزناداً ثم أرسل. أي أنه ذهب، بشكل ما، كأضحية قد تذبح وتحرق. ولا بد لنا أن نربط بين «الزناد»، زناد النار، وبين لقب «المحرّق» الذي يحمله مضرط الحجارة. ويبدو أن ثمة علاقة ما بين قصة كبش مضرط الحجارة وقصة إبراهيم الخليل وابنه إسحق. ففي قصة إبراهيم ثمة كبش وشفرة وذبح نار. وما يدعم وجود هذه الصلة أن بعض الروايات الإسلامية تخبرنا أن الكبش الذي فدي به إسماعيل ابن إبراهيم كان يحمل شفرة ذبحه في فمه، تماماً مثل كبش عمرو بن هند مضرط الحجارة. أكثر من ذلك، فإن إسماعيل الذبيح هو من حمل المدية التي سيذبح بها: «لما رأى إبراهيم في المنام أن يذبح ابنه، وتحقق أنه أمر ربه، قال لابنه: يا بني، خذ المدية والحبل، وانطلق بنا إلى هذا الشعب لنحتطب لأهلنا، فأخذ المدية والحبل وتبع والده» (العصامي، سمط النجوم العوالي). وهذا يعني أن إسماعيل كان كالكبش يحمل شفرة ذبحه. كلاهما ذبيحان.
بناء عليه، ربما حق لنا أن نفترض أن مضرط الحجارة يشبه إبراهيم وأن كبشه يشبه كبش إسماعيل أو إسحق. وفي النهاية، فإن إسماعيل والكبش شيء واحد. فالكبش يمثله، ويرمز له. من أجل هذا سمي إسماعيل بالذبيح مع أن الكبش هو الذي ذبح لا هو. وإذا كان الابن كبشاً، فمن المفترض أن يكون الأب كبشاً أيضاً. أي يفترض أن يكون إبراهيم وعمرو كبشين. والحق أن هذا ما تشير إليه قصيدة طرفة التي هجا فيها عمرو بن هند:
فليت لنا مكان الملك عمرو
رغوثا حول قبتنا تخور
من الزمرات أسبل قادماها
ودرّتها مركنة درور
يشاركنا لنا رخلان فيها
وتعلوها الكباش فما تنور.
وكما نرى، فطرفة يتمنى لو أنه كان ممكناً استبدال عمرو بن هند برغوث، أي بنعجة مرضع، (تعلوها الكباش فما تثور). والسؤال هو: كيف أمكن لطرفة أن يتمنى تحويل عمرو بن هند إلى نعجة؟ إنها لأمنية غريبة حقاً؟ كان بإمكانه أن يتمنى موته، أو أن يتمنى تغيير طبعه. لكن أن يتمنى استبداله بنعجة، فهذا أمر غريب حقاً. لكن الغرابة تزول بناء على فرضيتنا التي تقول إنّ عمرواً كبش في الواقع.
انطلاقاً من هذه الفرضية قد يصبح بإمكاننا أن نصل إلى فك لغز اللقب الغريب: «مضرط الحجارة». فالمضرط تعني السمين الضخم في اللغة. يقال: «إنه لَضِرَّوْطٌ ضَرُوطٌ، أي: ضَخْمٌ» (القاموس المحيط). و«نَعْجَةٌ ضُرَّيْطَةٌ، كجُمَّيْزَةٍ: ضَخْمَةٌ. وإنه لَضِرَّوْطٌ ضَرُوطٌ، أي: ضَخْمٌ» (ابن سيدة، المخصص).
عليه، يجب أن يكون لقب عمرو بن هند «مِضَرَّط الحجارة» بفتح راء مضرط وليس بكسرها، أو «مُضَرَّط الحجارة» بفتح الراء أيضاً، أو «مِضْرَط الحجارة» بتسكين الضاد وكسر الراء، وبمعنى كبش الحجارة السمين. أي أن الأمر يتعلق بالسمنة والضخامة لا بالضراط الذي هو ريح الأمعاء.
حسن جداً، عمرو بن هند كان في ما يبدو كبشاً سميناً، بشكل ما، لكن كيف يكون كبشاً للحجارة؟ وما علاقة الحجارة بالموضوع؟
الجواب: يقع في أن الحجارة هنا لا تعني الصخور، وإنما الحظائر. فهي جمع حِجْر بكسر الحاء وتسكين الجيم، لا حَجَر بفتحهما. وفي الحديث: «من نام على ظهرِ بيت ليس عليه حِجارٌ فقد برئَت منه الذمة؛ الحجار جمع حِجْرٍ، بالكسر، أَو من الحُجْرَةِ وهي حَظِيرَةُ الإِبل» (ابن منظور، لسان العرب). و«الحجار جمع حِجر بالكسر وهو الحائط، أو مِن الحُجْرة وهي حَظِيرة الإبل» (ابن الأثير المحدث، النهاية في غريب الحديث والأثر). بالتالي، فنحن مع الكبش السمين للحظيرة، أو الحظائر. وهذا يذكرنا بالذِّبح العظيم الذي افتدي به إسماعيل: «وفديناه بذِبح عظيم» (الصافات: 107). فقد فسرت الجملة على أنها تعني الكبش السمين: «وفديناه بذبح عظيم: أي ضخم الجثة سمين» (تفسير القرطبي). كبش إسماعيل سمين ضخم، وكبش عمرو بن هند كذلك.
حق لنا أن نفترض أن مضرط الحجارة يشبه إبراهيم وأن كبشه يشبه كبش إسماعيل أو إسحق


أما كلمة الحجارة، جمع حجر، فتعيدنا أيضاً إلى قصة إسماعيل وإبراهيم. إذ المعروف أن حِجْر الكعبة، الذي يقع إلى شمالها، مرتبط بإسماعيل الذي فدي بالكبش. وهو يدعى: «حجر إسماعيل». وهو في الواقع يأخذ شكل تحويطة من الحجارة، أي شكل حظيرة ما: «الحِجْرُ حِجْرُ الكعبة، وهو ما حواه الحطيم المدار بالبيت جانبَ الشَّمالِ؛ وكُلُّ ما حْجَرْتَهُ من حائطٍ، فهو حِجْرٌ» (لسان العرب). ويقال أن الحجر هو قبر إسماعيل: «وقال ابن عباس: في المسجد الحرام قبران ليس فيه غيرهما، قبر إسماعيل وقبر شعيب عليهما السلام؛ فقبر إسماعيل في الحجر، وقبر شعيب مقابل الحجر الأسود» (القرطبي، تفسير القرطبي).
بناء على كل هذا، فلقب مضرط الحجارة يعني: كبش الحظيرة السمين. ولأنه كبش، فإن الكبش الذي أرسله وفي عنقه شفرة وزناد هو رمزه. ولعله أرسله ليذبح بديلاً عن ابنه كما فعل إبراهيم. بذا فمضرط الحجارة طراز من إبراهيم الخليل، والكبش الذي حمله شفرة وزنادا هو فداء ابنه، أو قل هو ابنه. فالكبش بديل للابن، وبديل الابن الإلهي يكون إلهياً في الحقيقة.
ولعل تسمية عمرو بن هند بالمحرّق آتية من هنا، أي من تشابهه مع إبراهيم الخليل. فإبراهيم حرق ابنه رمزياً، قبل أن يحرق الكبش في مكانه. وقد سأل إسحق أباه: «فقال هو ذا النار والحطب ولكن أين الخروف للمحرقة؟» (تكوين 22: 8). ولم يكن يعرف أنه هو الخروف. لكن إبراهيم جعل حطب المحرقة وضع فوق إسحق: «فأخذ إبراهيم حطب المحرقة ووضعه على إسحق ابنه وأخذ بيده النار والسكين» (تكوين 22: 6). بذا، فالتحريق جزء مركزي من الأسطورة، أسطورة إبراهيم ومضرط الحجارة. عليه، فإبراهيم ذاته يمكن أن يدعى (محرّقاً) أيضاً، مثله مثل عمرو بن هند.

* شاعر فلسطيني